الحوار الحي ليبيا إلى أين ج2
- نشر في تسجيلات قاعة البث الحي
- قيم الموضوع
- قراءة: 558 مرات
إننا في حزب التحرير، إذ نذكّر أمتنا بشهر رمضان إنما نصل حاضر هذه الأمة بماضيها المشرق، ونذكرها كيف أن المسلمين الأوائل جعلوا من هذا الشهر موسماً للطاعات والانتصارات وعظائم الأعمال، وكما كانت فيه معركةُ بدر الكبرى في بدء الدعوة في 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة؛ التي فرّقت بين الحق والباطل وجعلت المسلمين يستشرفون عهداً جديداً تَدين فيه كل جزيرة العرب بالإسلام، كانت فيه معركةُ وادي برباط في أرض الأندلس المغتصبة وكانت في الثامن والعشرين من رمضان لسنة 92 هـ، واستمرت مدة ثمانية أيام قبل أن ينزِّل الله سبحانه وتعالى نصره على قلةٍ من المسلمين، لينتصر 12 ألف مسلم على جيش أوروبا، كل أوروبا، الذي كان تعداده 100 ألف مقاتل، إذ استنفره بابا الفاتيكان وزعم أنه قد غفر لهم ذنوبهم، فجاؤا يحملون الحبال على البغال ليأخذوا المسلمين عبيداً، فكان النصر في شهر الانتصارات للمسلمين وقائدهم طارق بن زياد، نصراً مؤزاً، جعل المسلمين يتقدمون ليصبحوا على بعد 30 كيلومتراً من باريس الكفر؛ ماخور البغاء؛ التي هي في أقصى شمال فرنسا.
ومن انتصارات المسلمين في هذا الشهر، فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وفتح عمورية (أنقرة) في 7 رمضان سنة 223هـ، نصرةً لامرأة واحدة من نساء المسلمين، وكان فتح أنطاكية على يد الظاهر بيبرس في 12 رمضان 666هـ، ومعركة عين جالوت التي هزم فيها المسلمون بقيادة قطز التتار في 25 رمضان 658هـ وغيرها، هذا غيض من فيض بطولات المسلمين وعظائم أعمالهم في شهر رمضان، فكانت الطاعات والانتصارات، فهلا جعلنا من إطلالة هذا الشهر الفضيل موسماً للطاعة نرجع فيه إلى الله سبحانه وتعالى فينزل علينا نصره، يقول تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، ولا يكون الرجوع بالتقرب إليه سبحانه وتعالى فقط بالعبادات والإكثار من المندوبات وإن كان في ذلك خير، بل يكون الرجوع على بصيرة من الأمر، بترك الحرام والقيام بالفروض التي من أجلّها وأعظمها فرض العمل لاستئناف الحياة بمبدأ الإسلام العظيم؛ الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي بشّر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وبهذا الفرض يُوجَد الإسلام كاملاً في عقيدته وشريعته وسائر أنظمته في كل حياتنا، ونحقق العبودية لله سبحانه وتعالى وحده، ويطابق عملنا قولنا " لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ
مَدَحَ اللهُ تعالى رسولَه الكريمَ بِحُسْنِ خُلُقِه، فقالَ جلَّ مِنْ قائلٍ: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم4، وعن عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ كانَ يقولُ: (إنّ مِنْ خِيارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخلاقاً)، متفقٌ عليه.
والأخلاقُ هي السَّجايا، فما حَسَّنُ الشرعُ منها فهو الحسنُ، وما قَبَّحَهُ فهو القبيحُ، شأنُها في ذلك شأنُ بقيةُ أوامرِ اللهِ تعالى ونواهِيهِ، فالأخلاقُ جزءٌ من الشريعةِ، وجزءٌ من الأحكامِ الشرعيةِ.
والمؤمنُ يتَحَلَّى بالأخلاقِ الحسنةِ، ويبتَعدُ عن الأخلاقِ الذميمةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمرَ بذلكَ، أمرَ بالأخلاقِ الحسنةِ، ونهى عن الأخلاقِ الذميمةِ، ورتّبَ سبحانه على ذلك ثواباً وعقاباً، فالغايةُ عندَ المؤمنِ من التزامِ الْحَسَنِ من الأخلاقِ نوالُ رضوانِ الله تعالى، وغايتُهُ من اجتنابِ ذَميمِها البعدُ عن غضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ. فلا يجْعَلُ المنفعةَ والمصلحةَ أساساً للتخلُّقِ بالأخلاقِ الحسنةِ والابتعادِ عن الأخلاقِ الرديئةِ، وهذا الفرقُ بينَ أخلاقِ المؤمنينَ التي يبتغونَ بها وجهَ اللهِ تعالى، وبين أخلاقِ الكافرينَ التي يبتغونَ بها النفعَ، فإنْ لم يتحقَّقْ لهمُ النفعُ منها تَخَلَّوْا عنها!!
ويبلُغُ المؤمنُ بحسنِ الْخُلُقِ ما لا يبلُغُه بغيرِهِ، فعن أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ قالَ: (ما شيءٌ أثقلَ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللهَ يَبْغَضُ الفاحشَ البَذِيءَ). وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عن أكثرِ ما يُدْخِلُ الناسَ الجنةَ، فقال: (تقوى الله تعالى وحُسْنُ الْخُلُقِ).
وحُسْنُ الْخُلُقِ من علاماتِ كمالِ الإيمانِ عند المؤمنِ، فقد روى أبو هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (أكْمَلُ المؤمنينَ إيماناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وخِيارُكُمْ خِيارُكمْ لنسائِهِمْ).
والأخلاقُ الْحَسَنةُ التي أمرَ اللهُ تعالى عبادَه بها كثيرةٌ، فمنها الحياء، والحِلْمُ والأناةُ والرفقُ والصدقُ وطِيبُ الكلامِ، وحُسْنُ الْمَعْشَرِ، وطلاقةُ الوجهِ، والوفاءُ بالعهدِ، وظَنُّ الخيرِ بالمؤمنينَ، وحُسْنُ الجوار، والغضبُ للهِ، والأمانةُ والوَرَعُ، وتركُ الشَّبُهاتِ، وتوقيرُ العلماءِ وكِبارِ السِّنِّ وأهلِ الفضلِ، والإيثارُ والمواساةُ، والجودُ والإنفاقُ في وجوهِ الخيرِ، والإعراضُ عن الجاهلينَ.
والأخلاقُ الذميمةُ التي نهى اللهُ سبحانه وتعالى عبادَه عنها كثيرةٌ أيضاً، فمنها الكذبُ والخيانةُ والغدرُ والفجورُ، وإخلافُ الوعدِ والبَذَاءةُ والفُحْشُ والثرثرةُ واحتقارُ المسلمِ والسخريةُ والاستهزاءُ بالمسلمِ، وإظهارُ الشماتةِ بالمسلمِ، والمنُّ بالعطيةِ ونحوِها من أنواعِ المعروفِ، والْحَسَدُ والغِشُّ، والخداعُ والغضبُ لغيرِ اللهِ، وسوءُ الظنِّ بالمسلمينَ، والتَّلَوُّنُ، والظلمُ، والعُجْبُ والكِبْرُ، والشحُّ والبخلُ، والتهاجُرُ والتدابرُ، والسبُّ واللعنُ، وسوءُ الجوارِ والغيبةُ والنميمةُ والبُهْتُ، وقطيعةُ الرَّحِمِ، والرياءُ والتسميعُ، وغيرُها.
فمنْ أولى من الصائم بالتّحَلّي بالأخلاقِ الحسنةِ قُرْبَةً إلى اللهِ تعالى، واجتنابِ الذميمِ من الأخلاقِ هَرَباَ من غضبِ اللهِ سبحانه، وفراراً من عذابِه؟؟
الإخوة والأخوات الكرام شهر رمضان فضله الله بمزايا كثيرة ففيه :
1. أنزل القران . (شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) البقرة185.
2. وفيه فرض الصوم ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ...) البقرة185، الصوم الذي هو العبادة الوحيدة التي ربطها الله به دون غيرها من العبادات قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فانه لي وأنا أجزي به ) .
3. فيه تضاعف الحسنات من عشرة الى سبعمائة ضعف : (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ....).
4. فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر كما قال الله تعالى عنها : ( اإنا أنزلناه في ليلة القدر , ليلة القدر خير من ألف شهر .....) القدر1.
في هذا الشهر الفضيل يعكف المسلمون على الأعمال التي تقربهم من الله تعالى ، فيداومون على قراءة القرآن وختم المصحف كل قدر استطاعته ويقومون الليل ويطعمون الطعام ويخرجون زكاة أموالهم بل ويزيدون عليها الصدقات التطوعية كل ذلك طمعاً برضوان الله وتقرباً اليه سبحانه .
الإخزو والأخوات الكرام : لا بد ان كل واحد قد بدأت بقراءة المصحف على نية ختمه في نهاية الشهر الفضيل , فهل حاول الواحدة منكم أن تطلع على تفسير الآيات التي قرأها . إن مَـن يفعل ذلك لا بد أنه لاحظ أن القرآن يحتوي على مواضيع متنوعة منها :
1. التوحيد : لبناء العقيدة عند الانسان بناء متيناً ثابتاً راسخاً , لا يتطرق اليه شكٌّ ولا ارتياب.
2. الأحكام : فقد اشتمل القران على أحكام لاأفعال الإنسان المختلفة من عبادات وأخلاق ومطعومات وملبوسات ، وعلاقات بين الناس اجتماعية واقتصادية , وعلاقات بين الحاكم والرعية من حقوق وواجبات وعقوبات , وعلاقات بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم .
3. قصص الأنبياء والامم السابقة : لتثبيت المؤمنين وليأخذوا العبر من قصصهم .
ولقد حظيت قصص بنو اسرائيل بالنصيب الأوفر من بين القصص التي ذكرها القران الكريم ، حيث تعرض لها في كثير من السور وبأساليب متنوعة ليعتبر المؤمنون من هذه القصص ويبتعدوا عن المعاصي التي وقع بها بني اسرائيل والتي كانت سببا ً في تعرضهم لغضب الله بعد أن كانوا مفضلين عنده تعالى على الأمم أجمعين . قال تعالى : ( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين).البقرة 47، البقرة122 (ولقد اتينا بني اسرائيل الكتاب والحُكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين .الجاثية16.
لذلك فان درسنا سيكون عن قصص بني اسرائيل في القرآن الكريم وسنحاول أخذ العبر من هذه القصص .
ولقد تم اختبار قصة بني اسرائيل لأنهم :
1. من الأمم السابقة والمعاصرة أيضاً فهم لم يندثروا كما هو حال أقوام أخرى من مثل عاد وثمود وأصحاب الرس
2. إنهم يعيشون على أرض إسلامية هي فلسطين , اغتصبوها وأسسوا عليها دولة لهم ، ولا زال الصراع بينهم وبين الأمة حول هذه الارض المسلوبة .
3. إن بعض أبناء الأمة من الزعماء والسياسيين يرغبون في حل مشكلة فلسطين المغتصبة بالتفاوض مع يهود ولا يرون بأساً في تقسيم أرض فلسطين بين المسلمين واليهود .
4. إن هؤلاء المفاوضين يضللون الامة ويحاولون أخذ موافقتها على جريمة الإعتراف بحق اليهود في إقامة دولتهم على أرض فلسطين مقابل أن تعترف لهم يهود بحقهم في إقامة دويلة للفلسطينيين على جزء صغير من أرض فلسطين ، تحت شعار حل الدولتين ؛ أي دولة للفلسطينيين مقابل دولة يهود .
نعم إخواني وأخواتي الكرام , ولأنكم من الأمة الإسلامية عليكم أن تكونوا على وعي بقضايا الأمة ، وهذا الوعي يجب أن يكون وعياً شرعياً حتى يكون موقفكم من هذه القضايا يوافق حكم الشرع لا أن يكون موافق للهوى والضلال .
ومعرفة قصة بني اسرائيل كما جاءت في القران الكريم , تخبرنا بحقيقة بني اسرائيل من هم ولماذا فضلهم الله على الخلق ولم عاد وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير , إنها تبصرنا بحقيقة يهود من أنهم ناقضون للعهود والمواثيق , كافرون بالنعم , جبناء لا يقاتلون إلا بمساندة من غيرهم , حاقدون كاذبون منافقون .................إلى غير ذلك من الصفات الخسيسة القبيحة التي حولت حب الله لهم مقتاً وسخطاً.
( مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ) المائدة(60)
فهل من كانت هذه صفاتهم يمكن أن يركن لهم عاقل أو أن يثق بهم مؤمن ، خاصة بعد أن إخبرنا بصفاتهم هذه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ينتسب بني اسرائيل إلى سيدنا يعقوب عليه السلام الذي كان يسمى اسرائيل فهم من نسله عليه السلام.
وقد عاش بنو اسرائيل في مصر , حيث هاجر سيدنا يعقوب إلى مصر عندما كان ابنه سيدنا يوسف عزيز مصر ( أي وزير التموين فيها بالمفهوم المعاصر) حيث جلب أهله الى مصر ليعيشوا في كنفه وبقوا هناك الى حين امر الله نبيه موسى بمغادرة مصر مع قومه بني اسرائيل وذلك بعد بعثة سيدنا موسى عليه السلام والذي هو ايضاً من بني اسرائيل.
وتبدأ قصة بني اسرائيل في القرآن بمولد موسى عليه السلام .
وقد كان من قصة مولده عليه السلام أن فرعون الذي كان يحكم مصر آنذاك قد رأى في المنام رؤيا أزعجته وفسرها له المفسرون بأن مولوداً من بني اسرائيل سيقتله ويقضي على حكمه , فقرر قتل كل من ولد لبني اسرائيل من الذكور في تلك الليلة , وقد كان من بينهم سيدنا موسى عليه السلام .
ولأن حكم الله ماض رغم كيد الكائدين ، ولا يستطيع أحد أن يقف في وجه قدر الله ، فقد نجى الله تعالى موسى من ذلك المصير الفظيع , بل وجعل نشأة موسى في كنف ذلك الجبار ، ليكون خير دليل على أن الله هو الذي يُقَدِّرُ ولا معقب لحكمه .
ولقد جاءت قصة مولد ونشاة وبعثه موسى عليه السلام وقصته مع فرعون في سورة القصص ، ولكن إن عدنا إلى السورة وقراءة القصة والتتفكر بالعبر التي نستفيدها من قصته عليه السلام :
1. من تأكيد لقدرة الله وهيمنته على خلقه.
2 . وبيان مصير الطغاة والمتجبرين من أمثال فرعون وأعوانه .
3. وكذلك رعاية الله ونصرة لعبادة المستضعفين إن كانوا صالحين متقين .
كما ذكرت اأيها الإخوة والأخوات فإن قصة بني اسرائيل تبدأ بمولد موسى عليه السلام ، حيث ترينا كيف كان بنو اسرائيل مظلومين من قبل فرعون ، وكيف مَنَّ الله عليهم ونجاهم من فرعون ، وكيف اهلك عدوهم وجعله عبرة لمن يعتبر على مدى الدهر .
فماذا كان رد بني اسرائيل للمعروف الذي مَنَّ الله به عليهم ؟
إن أي مخلوق يقدم إليه المعروف يبقى حافظاً له مدى حياته أما بنو اسرائيل فقد قابلوا المعروف بالنكران والتشكيك والكفر بالله تعالى .
وهذا ما سنتابعه في الحلقات القادمة من : بنو اسرائيل في القران الكريم .