- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-08-26
جريدة الراية:
دور أمريكا في حرب السودان
إن كثيرا من الناس في السودان، يجهلون حقيقة دور أمريكا في حرب السودان، إما عن جهل لحقيقة أمريكا، أو إخفاء للحقائق على طريقة تشرشل، والعجيب أن كل القوى السياسية المعارضة للعسكر، كلما صرح مسؤول أمريكي يتهافتون إلى التأييد والمباركة.
فما هي حقيقة دور أمريكا في حرب السودان؟!
الحاصل أن طرفي النزاع والقوى السياسية ترى أنه لا حل إلا ما تأتي به أمريكا، وأنها وسيط ولا علاقة لها بحرب السودان!
وآخرون يرون أن الحرب في السودان، هي بين الجنرالين، البرهان وحميدتي، وليست صراعا دوليا، وإنما صراع محلي على السلطة، ثم يتحدثون عمن أطلق الرصاصة الأولى، وأن أي حديث عن أيادٍ للدول الكبرى الفاعلة في المجتمع الدولي، كأمريكا أو بريطانيا، يعتبر حديثا عن المؤامرة. وهنا يأتي جيش كامل يسوق الأكاذيب ليخفوا حقيقة التدخل الأمريكي في حرب السودان، يتحدثون بعبارات التضليل، ويسوقون مبررات، وهنا تبرز أهمية البحث عن الحقائق المخفية، خاصة في أيام الحرب، فقد صرح تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا في اجتماع مع روزفلت وستالين لبحث أمر الحرب ومستقبل ألمانيا، فكان مما قاله لهم بمنتهى الصراحة: "إن الحقيقة في الحرب ثمينة إلى حد أنه لا بد من المحافظة عليها بحرس كامل من الأكاذيب". فهل أمريكا فعلا دولة محايدة وصديقة، وبالتالي يمكن أن تلعب دور الوسيط، أم أن هذا تغييب لحقيقتها باعتبارها دولة استعمارية، وعدوة للإسلام والمسلمين؟
ألم تشعل أمريكا حرب جنوب السودان، بعدما أمسكت بملفه ثم أدارت الحرب بين عملائها في الشمال والجنوب، ثم فصلت جنوب السودان باتفاقية نيفاشا؟
إن هذه الحرب بين الجيش السوداني، وبين قوات الدعم السريع، قد أشعلتها أمريكا، وهي التي تديرها في القتال والهدن، وذلك لنقل الصراعات السياسية في السودان، وبشكل حاد، إلى ساحة جديدة رسمتها هي، لتبعد عملاء الإنجليز والأوروبيين عن مركز الصراع، ومن ثم تتحكم هي وحدها بأطرافه.
أما كيف أشعلت أمريكا الحرب في السودان، فقد نشرت عربي بوست على موقعها في 2023/4/19 نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في أحدث معلومات عن ساعات الاشتباك الأولى 2023/4/15 (شهدت ليلة الجمعة 14 نيسان/أبريل، جلسة مفاوضات بين الطرفين "البرهان وحميدتي" بحضور مبعوثين أجانب، قُطعت خلال ذلك وعود، وانتُزعت تنازلات، قبل أن يتناولا العشاء معاً في منزل أحد كبار القادة العسكريين). ثم في صبيحة الأحد أعلن الرئيس الأمريكي بايدن إجلاء دبلوماسيي بلاده من السودان. ثم كانت التصريحات على لسان المسؤولين الأمريكان، من بلينكن إلى بولس، من أول يوم للحرب وإلى الآن، أن هذه الحرب لن تنتهي بحسم عسكري، ذلك أنهم هم من أشعلوها وهم من يديرونها. ثم أمسكت بملف السلام، فكان تناسل الهدن والتفاوض، وصنع المنابر، بدءاً من منبر جدة الذي أنشأته عقب نشوب الحرب، حتى تدير ملف السلام، وتقطع الطريق على تدخل أوروبا وعملائها، ثم جعلت موضوع البحث الأساسي في كل المنابر بدءا من منبر جدة إلى الرباعية والخماسية هو الهدنة الإنسانية.
هذه الهدن التي تضمنها المقترح الأمريكي، بذريعة إيصال المساعدات الإنسانية، القصد منها الاعتراف بكيان الدعم السريع، وإقرارهم على ما هم عليه. وكذلك عندما تتكلم ورقة بولس الأخيرة في 2026/6/20 عن (ترتيبات أمنية بما يشمل اتخاذ خطوات لعمليات الانسحاب وإعادة انتشار القوات)، فهي تؤكد وجود واستمرار قوات الدعم السريع، وتتجنب الحديث عن تفكيكها، بل تطلب ضمنيا بقاءها عندما تدعو قوات الدعم السريع إلى إعادة الانتشار. وهي في الوقت نفسه، تساوي بين الجيش وبين الساعين لتمزيق السودان كالدعم السريع. وقد دعت الورقة الأمريكية إلى (عمليات انسحاب عسكرية محدودة)، بذريعة (تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين وتهيئة الظروف لعودة النازحين..)، وهذا يؤكد الحفاظ على هذه القوات، دون إنهاء وجودها. ويؤكد في هذه الورقة مشروعية وجود وهيمنة قوات الدعم السريع عندما يدعو إلى (إعلان هدنة إنسانية شاملة وفورية على مستوى البلاد لمدة 90 يوما)، بل نجد أن أمريكا، في ورقة مسعد بولس، الذي قال إنه على اتصال دائم مع طرفي النزاع. والذي أعلن عن المقترح الأمريكي، في 20 حزيران/يونيو في القاهرة، فإن خطط وقف إطلاق النار هذه والسابقة لها، تخدم في الواقع خطة أمريكا لفصل دارفور عن السودان، أي أن الخطط التي قدمتها أمريكا حتى الآن تهدف إلى أمرين:
الأول: إظهار قوات الدعم السريع ككيان سياسي موازٍ يمتلك هيكلاً إدارياً وبرنامجاً سياسياً يجلس على طاولة المفاوضات.
والثاني: أن أمريكا تهدف من خلال اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تقدمها إلى سد الطريق تماماً أمام استعادة الجيش السوداني للفاشر، وترسيخ سيطرة حميدتي عليها. لذلك، فمن الضروري النظر إلى مقترحات وقف إطلاق النار التي تقدمها أمريكا، سواء عبر مسعد بولس شخصياً أو من خلال اللجنة الرباعية، من زاوية أنها تهيئة تدريجية لاستكمال فصل دارفور.
إن أمريكا هي التي تمد مليشيا الدعم السريع الانفصالية بالسلاح عبر عميلها حفتر، عن طريق معبر أدري بعد أن أمرت بفتحه تحت غطاء الإنسانية، أو مباشرة، فقد خلص تحقيق أجرته وكالة رويترز إلى أن شركات يسيطر عليها جندي سابق، من قدامى المحاربين، في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي قامت بتشغيل أسطول من طائرات بوينغ القديمة، التي كانت تحلّق إلى مراكز لوجستية رئيسية كانت تستخدمها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان.
وكشف تحقيق الوكالة أن هذه الشركات التي شغلت بضع طائرات تربط بين خطوط إمداد إقليمية ومعقل المليشيا المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في السودان، يملكها ستيفن شاوليس، وهو أحد قدامى المحاربين في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي، بصفته رئيس شركة سي.إيه.دي.جي التي تتخذ من سنغافورة مقرا لها، وكانت تعرف في السابق باسم سنترال آشيا ديفلوبمنت جروب، وهي شركة عالمية حصلت على عقود من أمريكا والأمم المتحدة على مدى أكثر من 20 عاما.
وبحسب التحقيق فإن تلك الطائرات دمرها الجيش السوداني في أيار/مايو 2025 في مطار نيالا.
إن أمريكا ممسكة بملف الحرب في السودان، فقد كشف ترامب أنه بدأ العمل على إيجاد حل للصراع في السودان، لافتا إلى أن محمد بن سلمان أكد له أن وقف هذه الحرب سيكون أعظم ما يمكن فعله.
وفي كلمة أمام منتدى نظمه مجلس الأعمال السعودي الأمريكي في العاصمة واشنطن، قال ترامب إن نظرته للوضع في السودان قد تغيرت، بعد توضيحات قدمها له ولي العهد السعودي خلال لقائهما في البيت الأبيض.
هذا كله يدلل على أن أمريكا هي التي تدير حرب السودان ضمن حروب الجيل الرابع لتفكيك السودان.
إن واقع أمريكا مثلها مثل باقي الدول الرأسمالية يسيطر عليها أصحاب الشركات الاحتكارية، ورجال المال والأعمال. لذلك نرى سياستها الخارجية هي سياسة الأغنياء وأصحاب الشركات الاحتكارية، أي هي سياسة استعمارية بحتة ليس فيها مجال للقيم الرفيعة، فتنفق على الدفاع ما لا تنفقه بريطانيا وفرنسا وألمانيا مجتمعة.
هذه الدولة بهذه القدرات لا يمكن أن يقف أمامها إلا أمة مبدئية لها دولة تنبثق عن عقيدتها وليس هناك أقدر من الأمة الإسلامية على ذلك لأنها تمتلك العقيدة الوحيدة الصحيحة، بل هي مكلفة شرعا بأن تكون قيّمةً على الناس، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ هذه الشهادة لا يمكن القيام بها إلا باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ إبراهيم مشرف
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان
المصدر: جريدة الراية



