الخميس، 24 محرّم 1448هـ| 2026/07/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-08

 

جريدة الراية: استقالة رئيس وزراء بريطانيا ستارمر

مشكلة بريطانية أم أزمة حضارية؟

 

 

ليست أزمة الغرب اليوم أزمة زعامة بقدر ما هي أزمة فكرة. وليس ما نشهده من تسارع في سقوط الزعماء وتبدل الحكومات في العواصم الغربية الكبرى سوى العرض الظاهر لمرض أعمق يضرب البنية الفكرية والحضارية التي قامت عليها المنظومة الغربية الحديثة. فمن لندن إلى برلين، ومن باريس إلى واشنطن، يتكرر المشهد نفسه بصورة تكاد تكون نمطية: زعيم يصل إلى السلطة محمولاً على وعود التغيير والإنقاذ، ثم لا يلبث أن يجد نفسه محاصراً بالأزمات ذاتها التي واجهت سلفه، فتتآكل شعبيته سريعاً ويغادر المشهد تاركاً مكانه لزعيم جديد يعد بما وعد به السابقون، ثم ينتهي إلى المصير نفسه.

 

لقد علقت صحف ألمانية على استقالة رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر بالقول إن بريطانيا دخلت دوامة من تبدل القادة والحكومات منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، وإن التغيير السريع لرؤساء الحكومات لا يقدم الحلول المناسبة للمشكلات سواء في ألمانيا أو في بريطانيا. (الجزيرة، 2026/06/24)

 

فالمشكلة لم تعد مرتبطة بأخطاء الأشخاص بقدر ما أصبحت مرتبطة بعجز النظام السياسي عن إنتاج حلول مستدامة للأزمات المتراكمة. وفي السياق ذاته، نقلت وكالة الأناضول عن المبعوث الروسي الخاص للرئيس بوتين، كيريل دميترييف، قوله إن المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد يكون "التالي" بعد ستارمر إذا استمرت السياسات الحالية على ما هي عليه. (الأناضول، 2026/06/22)

 

ومهما كان الموقف من هذا التصريح ودوافعه السياسية، فإنه يعكس حقيقة باتت ظاهرة للعيان: عمر القيادات الغربية أصبح أقصر من أي وقت مضى، وقدرتها على الحفاظ على الثقة الشعبية أصبحت أكثر هشاشة من السابق.

 

الأكثر لفتاً للنظر أن فرنسا شهدت أربعة رؤساء وزراء خلال عام 2024 وحده: غابرييل أتال، ثم ميشال بارنييه، ثم فرانسوا بايرو، بينما سقطت حكومة بارنييه بحجب الثقة وأدت الانقسامات البرلمانية إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي.

 

أما في أمريكا، فإن الجدل الدائم حول ترامب، وصعوده ثم تراجعه ثم عودته إلى الواجهة مرة أخرى، يكشف عن أزمة أعمق من مجرد التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين. فالرئيس النرجسي المنشغل بالتغريد على شبكات التواصل والحضور الإعلامي المكثف، لم يستطع أن يقدم علاجاً جذرياً للمشكلات البنيوية التي يعاني منها المجتمع في أمريكا. وكل ما فعله أنه أعاد التعبير عن غضب قطاعات واسعة من الأمريكيين تجاه واقع يشعرون بأنه يتدهور اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وهكذا تحولت الانتخابات الأمريكية من منافسة بين مشاريع مستقبلية إلى استفتاءات متكررة على حجم السخط الشعبي.

 

وقد بلغ هذا التآكل ذروة رمزيته في أحداث اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي مطلع عام 2021، حين انتقلت حالة الانقسام من مجرد تنافس سياسي محتدم إلى مشهد صدام مباشر حول شرعية السلطة ونتائج الانتخابات. يومها لم يكن العالم يشاهد أزمة انتخابية عابرة، بل كان يشاهد أحد أبرز تجليات الأزمة البنيوية التي أخذت تنخر في قلب النموذج الغربي؛ إذ بدا أن المؤسسات التي طالما قُدمت بوصفها حصناً للديمقراطية والاستقرار أصبحت هي نفسها موضع نزاع وتشكيك، الأمر الذي كشف عن عمق المأزق الذي تواجهه النخب السياسية في إدارة التناقضات المتراكمة داخل مجتمعاتها، وعجزها عن ترميم الثقة المتصدعة بين الدولة والشعب.

 

إن التفسير السائد لهذه الظواهر يركز عادة على أخطاء السياسيين أو ضعف القيادات أو سوء الإدارة، لكن هذا التفسير لا يجيب عن السؤال الجوهري: لماذا تتكرر الأزمة نفسها مع قادة مختلفين، وأحزاب مختلفة، وبرامج مختلفة؟ لماذا يفشل المحافظ كما يفشل الليبرالي؟ ولماذا يعجز اليمين كما يعجز اليسار؟ ولماذا تبدو الحكومات وكأنها تنتقل من أزمة إلى أخرى دون أن تتمكن من معالجة الأسباب العميقة التي تنتج هذه الأزمات؟

 

الجواب الذي يفرض نفسه هو أن المشكلة لم تعد مشكلة أشخاص، بل مشكلة نموذج حضاري بأكمله. فالحضارة الغربية التي أبهرت العالم لفترة من الزمن بقدرتها على الإنتاج العلمي والاقتصادي والعسكري والسياسي، تواجه اليوم حدودها التاريخية. لقد استطاعت هذه الحضارة في مراحل صعودها أن تقدم وعوداً كبرى: النمو الاقتصادي المستمر، وتحسين مستوى المعيشة، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتحقيق الرفاه المجتمعي، وإتاحة الفرص للأجيال الجديدة. لكن هذه الوعود نفسها أصبحت أكثر صعوبة في التحقيق مع مرور الزمن، لأن الاقتراض جزء بنيوي من فلسفة النظام الاقتصادي وليس مجرد أداة مؤقتة.

 

إن إجمالي الدين العالمي اليوم يعادل تقريبا 3 مرات الناتج العالمي السنوي، وهذه المقارنة وحدها كفيلة بتفسير عمق الخلل البنيوي. فالنظام الرأسمالي الذي كان قادراً على توليد الثروة بوتيرة متسارعة في بداياته، بات يواجه أزمات دورية متلاحقة، واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وازدادت كلفة المعيشة، وتراجعت قدرة الشباب على امتلاك المنازل أو ضمان مستقبل اقتصادي مستقر، وصار الجميع ملزما بتحمل تبعات ديون لم يقترضها أصلا. وفي الوقت ذاته، أصبحت الدول الغربية مثقلة بالديون العامة، وتعتمد بصورة متزايدة على سياسات مالية ونقدية تؤجل الانفجار أكثر مما تعالجه. وهكذا تحولت السياسة من فن إيجاد الحلول إلى فن إدارة الأزمات وتأجيل آثارها.

 

ولعل أخطر ما في الأمر أن النخب الغربية نفسها لم تعد تمتلك مشروعاً حضارياً جديداً تقدمه لشعوبها. ولذلك يبدو الخطاب السياسي الغربي مستهلكا وعاجزاً عن تجاوز لغة إدارة الأضرار والحد من الخسائر. فالبرامج الانتخابية تتغير، لكن المشكلات الأساسية تبقى في مكانها، وكأن الجميع يدور في حلقة مغلقة لا يستطيع الخروج منها.

 

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة الاستهلاك السريع للقادة. فالقائد الذي يصل إلى السلطة اليوم يرث أزمات أكبر من قدرته على المعالجة، ويجد نفسه مطالباً بإصلاح اختلالات تراكمت لعقود طويلة. وحين يعجز عن تحقيق الوعود التي رفعها، يتحول هو نفسه إلى ضحية للغضب الشعبي. لذلك لم يعد سقوط القادة دليلاً على فشلهم الشخصي فقط، بل أصبح دليلاً على عجز المنظومة التي يعملون داخلها عن إنتاج حلول حقيقية.

 

إن استقالة ستارمر، والضغوط المتزايدة على ميرتس، والانقسام الحاد الذي يحيط بترامب، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تشير إلى أزمة أعمق من الأشخاص والأحزاب والحكومات. إنها أزمة حضارة فقدت بريقها وكثيراً من قدرتها على معالجة الواقع، ولم يخلف اقتصادها الرأسمالي سوى الكوارث، فأصبحت تعتمد على الترميم أكثر مما تعتمد على البناء، وعلى إدارة التراجع أكثر مما تعتمد على صناعة التقدم.

 

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الغرب على نفسه لم يعد: من هو الزعيم القادم؟ بل: هل ما زالت المنظومة الفكرية والاقتصادية التي أنتجت هذه الأزمات قادرة على إنتاج الحلول؟ فإذا كانت المشكلة كامنة في الأسس ذاتها، فإن تبديل الوجوه لن يغير كثيراً من النتائج. وعندئذ تصبح أزمة القيادة مجرد عرض من أعراض أزمة أعمق، هي أزمة النموذج الحضاري نفسه، بكل ما يحمله من تصورات اقتصادية وسياسية واجتماعية وما يقوم عليه من أسس فكرية. وحين تصل الأمم إلى هذه المرحلة، لا يعود البحث عن رجل جديد كافياً، بل يصبح البحث عن فكرة جديدة تنقذ البشرية هو التحدي الحقيقي.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع