- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-08
جريدة الراية: سياسة عاصم منير المتشددة
لتمكين دول أخرى من تحقيق العظمة
(مترجم)
توشك باكستان وأفغانستان مرة أخرى على الوقوع على شفا حرب شاملة، ما يقوض وقف إطلاق النار الذي روجت له الصين كثيراً. وقد اتهمت باكستان منذ فترة طويلة أفغانستان بإيواء حركة طالبان باكستان وعناصر مرتبطة بالاستخبارات الباكستانية تنفذ هجمات داخل أراضيها، وهو ادعاء تنفيه حكومة طالبان بشدة. وفي المقابل، اتهمت كابول إسلام آباد بشن عمليات عسكرية غير مبررة تؤدي إلى مقتل مدنيين أفغان، بينما تؤكد باكستان في دفاعها أنها تستهدف المسلحين فقط.
ومع ذلك، فإن المخاطر تتجاوز مجرد الاشتباكات الحدودية، إذ تسعى إسلام آباد، تحت إشراف الولايات المتحدة، إلى تموضع نفسها كركيزة أساسية في بنية أمنية إقليمية جديدة مرتبطة بإيران ومصر وتركيا ودول الخليج واتصال أوسع عبر أوراسيا. وتتطلب مثل هذه الطموحات مصداقية وحدوداً مستقرة وعلاقات إقليمية موثوقة، لا جبهة غربية متدهورة. ويثير التصعيد الأخير سؤالاً جوهرياً: هل فقدت باكستان القدرة على إدارة جوارها سياسياً، بحيث أصبحت الإكراهات وانعدام الثقة والتنافس الجيوسياسي هي التي تملي مجريات الأحداث؟
لقد حدث جزء كبير من هذا التدهور خلال فترة قيادة الجنرال عاصم منير. فمنذ أن خلف قائد الجيش قمر جاويد باجوا في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، تبنى منير نهجاً يضع الأمن أولاً بشكل متزايد تجاه أفغانستان. وتعكس إجراءات مثل الترحيل الجماعي للاجئين الأفغان، وتشديد الرقابة على الحدود الممتدة عبر خط دوراند البالغ طوله 2670 كيلومتراً، والعمليات العسكرية المتكررة ضد بنية حركة طالبان باكستان، تعكس تفضيلاً للحلول القسرية على الدبلوماسية السياسية.
ولا يقتصر النهج الأمني لمنير على الجار الغربي. ففي أيار/مايو 2025، خاضت باكستان حرباً مع الهند على خلفية هجمات غير مبررة داخل أراضيها، وتمكنت من تحقيق تفوق جوي على خصمها التقليدي، ما دفع الهند إلى طلب وقف إطلاق النار من أمريكا. وقد شجع هذا الانتصار الضمني ترامب على منح منير دوراً أكبر في تحويل فشل أمريكا في حربها على إيران إلى نجاح سياسي عبر بنية أمنية واقتصادية إقليمية جديدة تسمح لها بالاحتفاظ بنفوذها في الشرق الأوسط.
كما طبّقت باكستان المنطق الأمني ذاته داخلياً، حيث تصاعدت الحملات الأمنية في بلوشستان وخيبر بختونخوا، ومؤخراً في كشمير الخاضعة لإدارة باكستان. ولم تبدأ هذه التحديات في عهد القيادة العسكرية الحالية، إلا أن رد باكستان المتزايد عنفاً على المعارضة الحقيقية أدى إلى تفاقم المظالم القائمة بدل معالجتها.
إن استخدام باكستان للعنف كأداة لقمع خصومها الداخليين لا يعني تعزيز قوتها في عهد منير، بل يدل على أن شرعية الدولة في نظر رعاياها قد وصلت إلى أدنى مستوياتها. وقد أصبحت هذه المواقف نفسها سائدة الآن عبر الحدود في كابول، حيث تحولت أفغانستان، التي كانت يوماً عمقاً استراتيجياً لباكستان ضدها بروح انتقامية.
ولم تمر هذه التطورات دون ملاحظة من أعداء باكستان وداعميها. فقد ضاعفت الهند، في سعيها نحو "بهارات الكبرى"، من علاقاتها مع أفغانستان. وهي لا تسعى فقط إلى تعميق الخلافات بين كابول وإسلام آباد، بل تطمح أيضاً إلى استخدام الأراضي الأفغانية لإضعاف سيطرة باكستان على بلوشستان وخيبر بختونخوا وكشمير الخاضعة لإدارتها. وتنظر الهند إلى باكستان باعتبارها إقليماً متمرداً يجب إضعافه بشدة وإعادة دمجه في "الهند الأم". وهناك طرف آخر يسعى إلى تفكيك باكستان، وهو دولة يهود، التي ترى في باكستان خطراً كبيراً على طموحاتها الإقليمية في الشرق الأوسط، وتشترك مع الهند في القلق من أن قوة باكستان تمثل تهديداً لوجودهما.
أما روسيا، فقد اعترفت رسمياً بحكومة طالبان في أفغانستان، ووقعت مؤخراً شراكة عسكرية معها. وتسعى إلى إبعاد الجماعات الإسلامية المسلحة عن حدودها الجنوبية لحماية هيمنتها على دول آسيا الوسطى واستعادة شكل من أشكال "روسيا الكبرى" الممتدة من آسيا الوسطى إلى شرق أوكرانيا. كما تعارض روسيا بشدة جهود منير لإنشاء بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط تعزز استمرارية هيمنة أمريكا.
وتدعم واشنطن علناً جهود منير لصياغة تسوية سلام تمنح ترامب نصراً سياسياً على إيران، وقد أدانت الهجمات العابرة للحدود المنطلقة من أفغانستان ضد قوات الأمن الباكستانية. غير أن العلاقة السياسية بين واشنطن ومنير تقوم على مصلحة مؤقتة؛ فمصلحتها طويلة الأمد تكمن في ضمان بقاء باكستان شريكاً إقليمياً مفيداً دون أن تشكل تهديداً للهند الكبرى أو لطموحات كيان يهود. وعندما تحين اللحظة المناسبة، قد تضحي أمريكا بدولة باكستان ضعيفة لتعزيز الهند في مواجهة الصين وحماية مصالحها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وتعد الصين على الأرجح القوة الكبرى الوحيدة التي لديها مصلحة استراتيجية حقيقية في أمن واستمرارية الدولة الباكستانية على المدى الطويل. فاستقرار باكستان وقدرتها أمران أساسيان لحماية مبادرة الحزام والطريق، وخاصة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يمثل المشروع الرئيسي لهذه المبادرة. وإلى جانب الاقتصاد، ترى الصين في باكستان حاجزاً مهماً أمام انتشار التطرف من أفغانستان إلى إقليم تركستان الشرقية، ووزناً استراتيجياً موازناً لنفوذ الهند المتزايد. وبالتالي، فإن دعم الصين لباكستان لا يستند إلى العاطفة أو قوة العلاقات الثنائية، بل إلى حسابات واقعية لتوازن القوى ترتكز على مصالحها الجيوسياسية طويلة الأمد.
قد يرى منير أن نهجه القائم على إعطاء الأولوية للأمن، داخلياً وخارجياً، هو أساس لعظمة دائمة له. لكن الواقع يشير إلى أن تشدده لم يؤدِ إلا إلى تمهيد الطريق لدول أخرى لتحقيق العظمة على حساب باكستان. وكان من الأفضل له أن يتبنى نهج السلاجقة والغزنويين والمغول، ومن بعدهم الحكام الأفغان، في إدارة السياسة الداخلية بمهارة، مع إبعاد القوى الأجنبية، لضمان عظمة الإسلام في المنطقة.
بقلم: الأستاذ عبد المجيد بهاتي
المصدر: جريدة الراية



