- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-01
جريدة الراية:
استنفار أتباع أمريكا في المنطقة
على الرغم من عجز أمريكا عن تحقيق غاياتها من الحرب التي شنتها على إيران، وانكشاف عوارها وضعفها في تحقيق ما سعت له من عدوانها على إيران، إلا أن أتباعها في المنطقة لم يرق لهم ذلك؛ لذلك لم تذق أعينهم طعم النوم منذ اندلاع حرب أمريكا على إيران قبل نحو أربعة أشهر، وهم يسعون لتحقيق نصر لسيدهم ترامب، أو على الأقل إخراجه من ورطته بماء وجهه.
ضمن هذا التوجه والاهتمام انعقد الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان في القاهرة يوم 21 حزيران/يونيو 2026، وقيل عنه إنه اجتماع جاء في إطار "آلية تنسيق رباعية أخذت تتبلور منذ الأشهر السابقة على خلفية التوترات الإقليمية، والملف الإيراني تحديداً. وقدّم الاجتماع نفسه بوصفه منصة لتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية، مع تأكيد استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعماً للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع".
وعلى خلاف اجتماعات العملاء لبحث القضايا التي تهم الأمة، حيث جرت العادة على أن تكون اجتماعاتهم هدراً لمال المسلمين ومضيعةً لأوقات كل المنخرطين فيها والمتابعين لها، لم يكن اجتماعهم محصوراً في متابعة حدث بروتوكولي، بل ارتبط مباشرة بمحاولة بلورة موقف إقليمي من مسار التفاهم الأمريكي الإيراني، وبالنظر كذلك إلى التداعيات المحتملة على أمن الخليج والمشرق والطاقة وطرق الملاحة وسلاسل الإمداد الدولية، كما أن بعض التغطيات الدبلوماسية أشارت إلى أن الرباعية ناقشت إمكان توسيع هذه الآلية إلى ما بعد الملف الإيراني وتحويلها إلى إطار أكثر مؤسسية واستمرارية.
وبحسب البيان الرسمي لوزارة الخارجية التركية، عُقد الاجتماع في القاهرة بدعوة من مصر. وذكر البيان أن الاجتماع أتاح فرصة لتبادل معمق لوجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية، وأعاد التأكيد على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، وأضافت التغطية الإخبارية العربية أن النقاش لم يقتصر على الملف الإيراني، بل شمل أيضاً الحرب على غزة، والأوضاع في السودان وليبيا، والتطورات في القرن الأفريقي، مع إبقاء الملف الإيراني في صدارة جدول الأعمال بحكم ارتباطه المباشر بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وبمذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، ووفق هذه التغطيات، فإن الاجتماع جاء أيضاً بالتوازي مع تحركات دبلوماسية أوسع هدفها دعم مسار المفاوضات التي تتمكن أمريكا من خلاله من تحقيق ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً ضد إيران، وجرّها إلى أبعد من ذلك؛ بجرّها إلى مشروع أمريكا للشرق الأوسط الجديد واتفاقية أبراهام، ومنه التطبيع مع كيان يهود.
ولأن عملاء أمريكا في باكستان كانوا هم العراب الذي جرّ إيران إلى فخ المفاوضات، رحّب البيان المشترك صراحة بتوقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد بين أمريكا وإيران في 18 حزيران/يونيو 2026، واعتبرها خطوة بناءة نحو خفض التصعيد وإنهاء نزاع كان يشكل مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار الإقليميين، لصالح القوى الاستعمارية في المنطقة وعلى رأسهم أمريكا، إلى جانب تأثيراته على أسواق الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، الذي كان له عظيم تأثير على اقتصادات تلك الدول الاستعمارية يفوق مرات عديدة تأثيراته على دول المنطقة، التي يحكمها لصوص لا يخطر ببالهم رفع معاناة الناس أو التخفيف عنهم جراء الأزمة، وكل ما تفتقت عنه عقولهم هو رفع الضرائب والرسوم وأسعار السلع بحجة ارتفاع سعر النفط في الأسواق العالمية، كما شدد الوزراء اللصوص على أهمية الوصول السريع والناجح إلى المرحلة التالية من المفاوضات بغرض التمكين لسيدتهم أمريكا وضم إيران الجديدة تحت جناحها وعدم السماح لها بالانفكاك من الدوران في فلك أمريكا.
إن خوف أمريكا من تمرد دول المنطقة عليها، بعد أن كان المثال الإيراني عاملاً مشجعاً لكل من يسعى للانعتاق من الهيمنة الغربية وعلى رأسها الأمريكية، ربط الوزراء بتوجيه من أمريكا دعمهم للمسار التفاوضي بضرورة مراعاة المخاوف الأمنية لدول المنطقة، وخاصة ما يتصل بأمن الخليج العربي ومنطقة المشرق. هذه الصياغة تكشف أن الموقف الرسمي للدول الأربع لا يقوم على تأييد اتفاق أمريكي إيراني كيفما كان، بل على تأييد اتفاق مشروط بأن ينعكس على استسلام حقيقي لأمريكا، وألا يعيد إنتاج نمط تفاهمات ثنائية تتجاوز مصالح أمريكا.
ولأن اللقاء لم يكن تشاورياً بين حكام حقيقيين، بل وكلاء يقومون بعمل وظيفي لصالح سيدتهم أمريكا، لم يخرج الاجتماع بقرارات تنفيذية معلنة بالمعنى المؤسسي الصارم، لكنه أفرز جملة من المخرجات السياسية الواضحة، تعكس حقيقة الاجتماع والدافع له وغايته، وأول هذه المخرجات هو تثبيت الدعم الرباعي لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بوصفها أساساً لحفظ وجود أمريكا في المنطقة وخدمة مصالحها وهيمنتها عليها. وثانيها هو الدعوة الصريحة إلى تسريع المفاوضات اللاحقة للتوصل إلى تسوية نهائية تتمكن أمريكا عبرها من فرض إرادتها على إيران. وثالثها هو ترسيخ مبدأ أخذ الاعتبارات الأمنية لنفوذ أمريكا على دول المنطقة في الحسبان ضمن أي اتفاق نهائي، كما أشارت مصادر دبلوماسية إلى بحث تحويل التنسيق الرباعي إلى آلية أوسع قد تمتد إلى ملفات أخرى، مثل فلسطين والسودان، وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الاجتماع لا يكون مجرد محطة موقف، بل لبنة في بناء منتدى تآمري رباعي يتطلع إلى القيام بدور خياني إقليمي أوسع، تنفيذاً لخطط ومشاريع أمريكا في بلاد المسلمين.
يوحي اجتماع القاهرة الرباعي بأن هناك تقاطعاً إقليمياً متزايداً على تفضيل التسوية مع إيران عبر التفاوض، لا عبر الانفجار العسكري، لكن هذا التقاطع ما زال مشروطاً ومحمّلاً بتحفظات واضحة تتعلق بفرض هيمنة أمريكا على الخليج والمشرق وبمستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، من منظور أمريكا.
بقلم: الأستاذ سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر
المصدر: جريدة الراية



