الخميس، 25 ذو الحجة 1447هـ| 2026/06/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

2026-06-10

 

جريدة الراية: نظام السيسي

وسياسة تكميم الأفواه

 

 

لم تنته فصول القمع الذي يمارسه النظام المصري ضد أهل الكنانة. وبسبب شدة التصاق أهل الكنانة بعقيدتهم وأمتهم، كانت شدة القمع. ولا يكاد المرء يميّز بين طغيان حكام مصر، فلم يكن عبد الناصر أرحم بأهل الكنانة من السادات أو مبارك أو السيسي. فكلهم كان لهم باع في البطش بأهل الكنانة، وهم بحق كلاب مسعورة أطلقَتها أمريكا للنيل من أهل الكنانة.

 

وبالنسبة للفرعون السيسي، فإن القمع ليس مسألة فردية أو تجاوزات أمنية، بل هو استمرار لتنفيذ سياسة ممنهجة تتكرر بأدوات مختلفة: الاعتقال، والحبس الاحتياطي المطوّل، والاختفاء القسري، والمنع من السفر، وتجميد الأصول، والتشهير الإعلامي. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به النظام مؤخراً من ملاحقة شباب حزب التحرير، حيث انبرى الحزب في ولاية مصر لتحريض الأمة لنصرة أهلهم في الأرض المباركة فلسطين. فضاقت واشنطن وتل أبيب ذرعاً بهذه الحملة المباركة، فأمرتا فرعون مصر بالبطش بشباب الحزب، فاعتقل العديد منهم وغيبوا قسراً، ولم يُقدَّم أي منهم إلى أي محكمة، والأدهى والأمرّ أنه ألصق بهم تهمة "التكفير"، وهم أهل الدين والإيمان وممن يدعون ويسعون إلى تحكيم شرع الله كاملاً في الأرض.

 

وحتى يتمكن النظام من انتهاك كل القوانين والأعراف والقيم الإنسانية، ومنها الدوس على قوانينه نفسه، قامت أجهزة القمع، فجر الاثنين 25 أيار/مايو 2026، باعتقال ثلاثة من قيادات لجنة الدفاع عن سجناء الرأي على خلفية نشاط تضامني سلمي. وبدا المشهد كأنه تلخيص مكثف لطبيعة الدولة الفرعونية التي لا تكتفي بسجن الداعين لتحكيم شرع الله أو حتى المعارضين، بل تضيق حتى على من يدافع عنهم. وهذا الاعتقال ليس حادثة منعزلة، بل يندرج ضمن سياق طويل وثقته الصحافة العالمية والمنظمات الحقوقية الدولية. وهذه المنظمات لا تذكر إلا النزر اليسير من جرائم الأنظمة القمعية، وتعرض للرأي العام انتهاكات تلك الأنظمة لذرّ الرماد في العيون. ومن هذا النزر اليسير ما أكدته هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن مصر لعام 2026، إذ قالت إن السلطات واصلت معاقبة التعبير المخالف، واستهدفت الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين. كما وثقت منذ سنوات أن مصر حجبت عشرات المواقع الإخبارية والحقوقية في إطار حملة أوسع للسيطرة على المجال العام. وهذه ليست مجرد سياسات رقابية، بل محاولة لهندسة كاملة للمعلومة التي تصل إلى الناس.

 

وأحد أخطر ملامح حكم السيسي أنه لا يريد فقط قمع الإسلام والمسلمين وتخويفهم، بل يتعدّى ذلك إلى إسكات الصوت المعارض واحتكار الرواية، لذلك لم يعد الصراع مع السلطة يدور حول نظام الحكم أو السياسات العامة أو الانتخابات أو التداول السلمي للسلطة، بل حول من يملك حق تعريف الواقع نفسه. وقد نشرت تقارير صحفية وحقوقية أن مصر تستخدم تهماً فضفاضة مثل التكفير، ونشر الأخبار الكاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية أو غير قانونية، لتجريم أي دعوة أو خطاب لا يسبح بحمد النظام ورموزه، سواء صدر عن حامل دعوة أو صحفي أو ناشط أو محام أو باحث.

 

وعندما يصل الحال بنظام حكم إلى اعتقال لجنة تعنى بسجناء الرأي بعد فعالية تضامنية، فالمعنى السياسي واضح. وهي الرسالة عينها التي قالها فرعون الأول حين قال "أنا ربكم الأعلى". فالرسالة ليست موجهة فقط إلى أفراد اللجنة، بل إلى كل من يفكر في العمل لتغيير النظام، أو حتى توثيق جرائمه، أو الاحتجاج عليها أو التضامن مع ضحاياه. وهذا ما يجعل القمع أكثر شراسة من الاعتقال المباشر وحده؛ لأنه يزرع الخوف في جميع شرائح المجتمع، ويحوّل التضامن نفسه إلى منطقة خطر. لدرجة أن الدولة الفاسدة التي تقوم على الواسطة والمحسوبية، تعجز أي وساطة أو محسوبية عن الدفاع عن مخالفيها، بل لا يجرؤ أي وجيه أو صاحب مكانة على التوسط لإخلاء سبيل أي معارض، فالتوسط لصالح صاحب حق أو مظلوم من الخطوط الحمراء التي لا يجوز في شرع السيسي تخطيه من أي كان ولأي كان.

 

ولم تعد جرائم نظام السيسي خافية على أحد، واللافت أنه على الرغم من أن وسائل الإعلام المحلية والعالمية مرتبطة بالنظام الدولي الراعي الرئيسي لنظام السيسي، فإنها وصلت إلى حدّ الحرج مما يجري في مصر، فأُجبرت على تغطية جزء من انتهاكات النظام إعلامياً، بعد التأكد من عدم تغطية انتهاكاته بحق حملة الدعوة والإسلاميين، ففي تقارير متعددة، وصفت منظمات دولية ووكالات عالمية مصر بأنها من أكثر البيئات قمعاً لحرية الصحافة في المنطقة. وتقرير منظمة العفو الدولية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة عام 2020 أشار إلى اعتقال 37 صحفياً ضمن حملة قمع متصاعدة ضد الحريات الصحفية، وربط ذلك بمناخ عام من السيطرة على المعلومة. كما أبقت منظمة مراسلون بلا حدود مصر ضمن المراتب المتأخرة جداً عالمياً في مؤشرات حرية الصحافة، بسبب القيود والاعتقالات والحجب. وفي عام 2017، نقلت هيومن رايتس ووتش أن السلطات المصرية اعتقلت عشرات النشطاء السلميين وحجبت مواقع إعلامية، مؤكدة أن قمع الحريات الأساسية بلغ مستوى شديداً. لاحقاً، وثّقت تقارير أخرى استخدام المنع من السفر وتجميد الأصول كأدوات قمعية لقمع كل حامل دعوة أو معارض.

 

إن دولة تقوم على بث أجواء الخوف والرعب بين الناس هي دولة فاشلة بجميع المقاييس. فحين تواصل السلطة الاعتقال والحجب والملاحقة لسنوات وعقود، فإنها لا تكتفي بإسكات الأصوات، بل تعيد تشكيل المجتمع كله، فالمسلم الذي يرى حامل دعوة الحق والنور، أو صحفياً يحبس بسبب تقرير، أو ناشطاً يمنع من السفر بسبب رأي، أو محامياً يستدعى بسبب فعالية حقوقية، سيتعلم بسرعة أن الصمت هو خياره الوحيد للبقاء، وهنا تتحول الرقابة من إجراء أمني إلى سلوك يومي، ومن قرار سياسي إلى عادة مجتمعية وأجواء عامة.

 

إن أخطر ما في سياسة السيسي ليس فقط اتساع دائرة القمع، بل مساندة النظام الدولي وتغطيته له ولسياساته، تماماً كما كان يغطي بشار الأسد وباقي الطواغيت الذين نُصِّبوا على رقاب الأمة. ولن يتغير الحال في أرض الكنانة إلا بابتعاث رجل مثل العز بن عبد السلام، يبيع السيسي ورجاله في سوق النخاسة، من خلال نصرة المخلصين في جيش الكنانة لحزب التحرير، لإقامة الخلافة على منهاج النبوة.

 

 

بقلم: الأستاذ سعيد فضل

 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع