الخميس، 11 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-05-27

 

جريدة الراية: 

زيارة ترامب للصين

ولحظة انكسار هيمنة أمريكا وتلاشي سطوتها!

 

 

هناك زمن تاريخي مفصلي ولحظاته الفارقة في صعود وسقوط الدول والحضارات، وتكاد تكون حرب أمريكا ضد إيران من ذلك الزمن التاريخي وتلك اللحظات المفصلية التي تختبر فيها قوة مهيمنة قسوة الضعف وشدة التدهور الذي ينخر أحشاءها ويهدد بانهيار الدولة وسقوط الإمبراطورية.

 

حرب أمريكا ضد إيران هي بمثابة حرب الاتحاد السوفيتي ضد أفغانستان، تلك الحرب التي تكشف الانهيار التام للدولة ومحدودية القوة المادية المتضخمة وتحطم وتهاوي أدوات السيطرة والتحكم والإخضاع.

 

أمريكا اليوم تعيش ورطتها ومأزقها الجيوستراتيجي والاستراتيجي التاريخي الخانق، حرب إيران ونتائجها العكسية وتداعياتها الكارثية على النفوذ والهيمنة الأمريكية، فقد كشفت محدودية القوة العسكرية وعمق المعضلة الاستراتيجية الأمريكية، فلا إيران أُخضعت ولا الصين خُنقت، بل على العكس أصبحت حرب إيران ورطة أمريكا ومأزقها الخانق.

 

في هذا الظرف الاستراتيجي السام والتوقيت الحرج وسط تورط أمريكا في حرب استنزاف ضد إيران، قرر رئيسها ترامب زيارة الصين مع جيش من وحوش الرأسمالية الأمريكية، وفي عماه الاستراتيجي التام وغروره الأجوف وضعف بصيرته السياسية، تعامى عن حجم ورطته الاستراتيجية وتغافل على حقيقة أنه في موقف جد حرج وأن الصين ما كانت لتدع هذه الفرصة الاستراتيجية الاستثنائية لتمر دون أن تغتنمها وتجني بعضا من مكاسبها، وذلك الذي صنعه شي جين بينغ رئيس الصين بترامب.

 

لو كان هناك بقية من عقل استراتيجي لدى أمريكا لما تمت زيارة الصين في هذا الظرف الحرج والكارثي أمريكيا، ولكنه العمى الاستراتيجي والغرور الأجوف لترامب، فقد كانت الزيارة والقمة التي استمرت يومين مؤشرا على انكسار الهيمنة الأمريكية وتهشيما لغطرسة قيادتها ورئيسها ترامب.

 

فلقد انطلقت القمة عبر تحديد وتركيز الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطاب الافتتاح لطبيعة اللحظة الاستراتيجية الاستثنائية، بأنها لحظة الصين التاريخية كقوة عالمية تناقش أمريكا قضايا العالم وليس لنقاش مصالح أمريكا، وكان تصريح شي جين بينغ استثنائيا "الصين والولايات المتحدة يجب أن تصبحا شريكتين لا خصمين....الولايات المتحدة والصين تستفيدان من التعاون وتخسران في المواجهة....العالم اليوم يشهد فوضى وعلينا الاهتمام بمصالح الشعبين الصيني والأمريكي وشعوب العالم".

 

أما مصالح أمريكا التي أعد لها ترامب جيشا من وحوش الرأسمالية الأمريكية بدءا من إيلون ماسك من شركة تسلا وجنسن هوانغ ⁠من شركة إنفيديا إلى تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل، وقال ترامب في اجتماع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ "أحضرنا معنا أعظم رجال الأعمال وأكبرهم وربما الأفضل في العالم، معنا أشخاص رائعون، وجميعهم هنا معي"، لكن الصين لم تلتفت لهم وتركتهم على الهامش، أقصى ما حققوا هو حضور مأدبة عشاء رسمية في قاعة الشعب الكبرى في بكين!

 

كما أن مسألة إيران ومأزق هرمز التي تؤرق أمريكا، تعاملت معها الصين ببرودة تامة لتغليف تجاهلها لمطالب ترامب، فلم يكن هناك أي التزام علني من الصين بمساعدة أمريكا في إنهاء ورطة حربها ضد إيران وفك الحصار المضروب على مضيق هرمز.

 

فما من عقل استراتيجي بالصين إلا وسيدفع باتجاه استمرار الحرب، فحرب إيران هي ورطة أمريكا وهي فخها الخانق ومأزقها الجيوستراتيجي المدمر، والصين ترى في الحرب ومأزق أمريكا عنصرا خادما لمصالحها الاستراتيجية البعيدة المدى، عطفا على وجود بحر قزوين كبديل عن مضيق هرمز لواردات الصين من نفط إيران.

 

فأقصى ما تم من زيارة ترامب للصين هو وعد صيني وليس صفقة ناجزة بشراء 200 طائرة من شركة بوينغ، وهي أقل بكثير من توقعات ترامب بشراء الصين 500 طائرة وأقل من صفقة 300 طائرة التي وافقت بكين على شرائها خلال زيارة ترامب في رئاسته الأولى عام 2017، وهذا الفشل ترجمه انخفاض أسهم بوينغ الذي سجل بعد القمة.

 

كما أن القمة ناقشت عَرَضا ولَمَما الملف الحساس والخطير لرقائق أشباه الموصلات ووظيفتها في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهذا الملف هو جوهر الصراع التكنولوجي الأمريكي الصيني، فالصين جعلت من التكنولوجيا مسألة سيادة غير قابلة للتفاوض.

 

أما عن الاتفاق الفلاحي المتعلق بالصويا فما تم الاتفاق عليه يمثل نصف ما كانت تستورده الصين من أمريكا زمن إدارة بايدن قبل إعلان ترامب عن رفع الرسوم الجمركية التي توقفت معها سلاسل التوريد، بمعنى أن رسوم ترامب الجمركية أتت بنتائج عكسية، فالاتفاق أعاد نصف ما كان أصلا قائما، وما كان هذا ليعد إنجازا.

 

بينما الذي أنجزته الصين هو إقرار ترامب بجدوى استحواذ شركات ومستثمرين صينيين على أراض وضيعات زراعية في الداخل الأمريكي، واعتبر ترامب من خلال تصريح له خلال قمة الصين "أن حظر بيعها للأجانب سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأراضي وخسارة المزارعين"، فما كان مسموحا به وفي حكم القانون الساري المفعول زمن أوباما وبايدن أقره ترامب خلال القمة، علما أن الحظر كان من أبرز شعارات حملته الانتخابية. عطفا على إعلان ترامب خلال القمة دعمه الصريح لاستقبال الطلاب الصينيين في جامعات أمريكا، متراجعاً بشكل لافت عن القيود المتشددة التي فرضتها إدارته سابقاً، فالطلبة الصينيون في جامعات أمريكا هم أطر مستقبل الصين، الذين يستفيدون من المعارف والخبرات والمختبرات الأمريكية الممولة من ديون أمريكا لتطوير الصين!

 

فالقمة كانت صينية بامتياز فكل القضايا الاستراتيجية الكبرى الصينية كمشروع الحزام والطريق وقضية تايوان والتكنولوجيا وذكاؤها الاصطناعي، كل هذه الملفات الحارقة التي تؤرق أمريكا، أغلقتها الصين أمام ترامب وتركت له حبات الصويا ووعدا عائما غير ملزم بشراء 200 طائرة من شركة بوينغ.

 

المفارقة الاستراتيجية الصارخة أن الرئيس الصيني الذي ذهب للقاء رئيسين أمريكيين في أمريكا، لقاء قمة مع أوباما سنة 2014 في واشنطن ولقاء قمة مع بايدن سنة 2023 في سان فرانسيسكو طلبا لتأمين مصالح الصين، هو اليوم من يأتيه ترامب لبكين طلبا لتأمين مصالح أمريكا، وهو مؤشر انكسار لهيمنة أمريكا وبداية العد العكسي لانهيار الإمبراطورية.

 

بل إن زيارة بوتين لبكين وتوقيتها بعد انتهاء قمة ترامب في بكين لم يكن محض صدفة، عطفا على أن دعوة الزيارة تمت من شي جين بينغ لنظيره الروسي، وهي رسالة الصين لأمريكا من أن التحاف الصيني الروسي الذي تسعى أمريكا لكسره يزداد متانة وصلابة، وأبعد من ذلك استراتيجيا كرسالة أن العصر الأمريكي انتهى والزمن زمن أوراسيا!

 

لكن للإسلام وأمته حقيقة استراتيجية أخرى وهي فصل الكلام ويقين الحقائق، من أن الزمن دار دورته وحتما الزمن ليس زمن أمريكا ولا زمن أوراسيا ولا الصين، ولكنه يقينا زمن الإسلام العظيم وخلافة نبوته، لتبديد ظلمات كل الجاهليات لإخراج البشرية من ظلماتها لنوره وهدايته ورحمته.

 

بقلم: الأستاذ مناجي محمد

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع