الخميس، 11 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-05-27

 

جريدة الراية: 

تبرير المدلسين لجريمة مفاوضات لبنان

مع كيان يهود

 

 

إنّ من أخطر ما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان أن تخلط المفاهيم، وأن تنتزع الأحكام من سياقاتها، ثم تلبس على الناس باسم الشرع والسيرة، حتى يجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، والخيانة حكمة، والركوع سياسة!

 

ولتقريب الصورة فلنتصور لو أنّ سائلاً سأل: ما حكم المساكنة بين الرجل والمرأة بغير زواج؟ ثم قام مجيب فقال: لقد أمر الإسلام بحسن العشرة بين الرجل والمرأة، وجعل بينهما مودة ورحمة؛ لكان كلامه في ظاهره حقاً، لكنه في حقيقة الأمر تلبيس وتدليس، إذ أوهم السامع أن الزنا أو العلاقات المحرمة تدخل في هذا الباب. وهذا بعينه ما يفعله اليوم دعاة التطبيع والاستسلام حين يُسألون عن حكم الاعتراف بكيان يهود الغاصب، فيقولون: لقد عقد رسول الله ﷺ المعاهدات مع اليهود والكفار!

 

إنّ معاهدات النبي ﷺ لم تكن يوماً اعترافاً بمحتل، ولا إقراراً بغاصب، ولا تسليماً لأرض المسلمين، ولا خضوعاً لعدو دنس المقدسات وسفك الدماء وأقام كيانه فوق جماجم الأمة. بل كانت معاهدات دولة عزيزة قوية، تعلي كلمة الله وتذل أعداءه، وتجري وفق أحكام الشرع التي أناطها الإسلام بالخليفة، لا بأفراد أو أنظمة وظيفية تبيع الأمة بثمن بخس.

 

ثم إن الذين يستشهدون بمعاهدات النبي ﷺ يتجاهلون حقيقةً كبرى وهي أن فلسطين ليست أرضاً متنازعاً عليها بين دولتين، بل هي أرض إسلامية محتلة، ويهود فيها ليسوا دولة نعقد معها اتفاق الند للند، بل عصابة غاصبة زرعتها قوى الكفر في قلب الأمة لتكون خنجراً في خاصرتها. ولذلك فإن مجرد إطلاق اسم "دولة إسرائيل" هو اعتراف بشرعية باطلة يرفضها الإسلام ويرفضها كل مسلم.

 

لقد عقد رسول الله ﷺ المعاهدات مع يهود وهم إما تحت سلطان الإسلام كبني النضير وبني قريظة وبني قينقاع، أو بعد أن حاربهم وهزمهم وأذعنوا لحكمه كخيبر ووادي القرى وفدك وتيماء. يعني أن رسولنا ﷺ كان يملك رقاب يهود ثم يكتب لهم المواثيق ويحدد لهم التعليمات، هكذا كان واقع عهوده معهم، ولم يكن - حاشاه - يعاهدهم وهم يحتلون بلاد المسلمين ويقتلون أبناءهم ويهدمون مقدساتهم.

 

فبنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، كانوا داخل المدينة تحت حكم رسول الله ﷺ، وقد ألزمهم بمواثيق يفرضها عليهم، يأمرهم وينهاهم فيها، ولم يكونوا يفرضون شروطهم عليه أو ينتزعون منه اعترافاً بسيادتهم كحال الصهاينة مع حكامنا اليوم.

 

ولو أردتم الاستدلال الصحيح لوجب أن يكون استدلالكم بسيرة النبي ﷺ وسنته فيمن كان يخون ويعتدي من يهود، كيف كان يتصرف معهم؟ هل كان يجدد التطبيع ويؤكد ضرورة السلام معهم ليل نهار كما يفعل طواغيت المسلمين إذ يقابلون خيانة الصهاينة المتكررة بإعادة دوامة التطبيع والمفاوضات؟!

 

لما خان بنو النضير وحاولوا اغتياله ﷺ، حاصرهم وأجلاهم وصادر أموالهم، وأنزل الله فيهم سورة الحشر. ولما اعتدى بنو قينقاع على امرأة مسلمة، جمعهم رسول الله ﷺ وأخرجهم من المدينة أذلاء وصادر أموالهم. أما بنو قريظة، فلما نقضوا العهد وتحالفوا مع الأحزاب ضد المسلمين، حكم الله فيهم بالقتل والسبي وتقسيم الأموال، حتى قال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ». يعني قتال الخونة هو أمر الله وقضاؤه وليس الاستسلام والتطبيع.

 

أما خيبر التي تآمرت على الإسلام وآوت أعداءه فقاتلهم الرسول ﷺ وفتح حصونهم من دون أن يعرض عليهم أو يقبل التفاوض ولا المساومة. وكان من نتائج هذا الفتح المبين أن خافت بقية قبائل يهود فجاؤوه يقدمون آيات الولاء ويطلبون منه الأمان وحالهم الذل وأنفهم راغم. عندئذ كتب رسولنا ﷺ لهم المواثيق فقد كتب لأهل خيبر ومن أتاه بعدهم مثل قبائل فدك وتيماء ووادي القرى، فواثقهم على أن يدفعوا الجزية أو الفيء وأن يعملوا ويقدموا للدولة من محاصيلهم.

 

فأين هذا من دعاوى "السلام، والتعايش، وإنهاء الصراع"؟! أي مقارنة هذه بين سيرة النبي ﷺ العزيزة، وبين من يهرول إلى سفارات يهود، ويدخل المحتل إلى بلاد المسلمين، ويصافح أيدي المجرمين الملطخة بدماء أطفال غزة وكل فلسطين؟!

 

إنّ التطبيع ليس خياراً سياسياً، ولا اجتهاداً معاصراً، بل هو اعتراف بالاغتصاب، وتثبيت للاحتلال، وخيانة لله ورسوله ﷺ والمؤمنين. وإنّ الذين يبررونه باسم الواقعية أو العجز، إنما يلبسون ثوب الذل ثم يطلبون من الأمة أن تلبسه معهم!

 

نعم، قد يعجز المسلم عن التغيير، وقد يُقهر، وقد يُمنع من حمل السلاح، لكن العاجز لا يطالب بالخيانة، والمقهور لا يؤمر بالاعتراف بجلاده. فإن لم تستطع المقاومة، فلا تصفق للمحتل، ولا تمنحه الشرعية، ولا تسجل على نفسك عار الرضا به.

 

ثم إنّ بغضنا لمشاريع إجرامية أخرى، كالمشروع الإيراني أو غيره، لا يعني أبداً أن يصبح يهود حلفاءنا أو أن تتحول أمريكا إلى صديق لنا. فكل هؤلاء أعداء، وإن اختلفت وجوههم وأدواتهم. والمؤمن الواعي هو الذي يبصر أعداءه جميعاً، ولا يسمح أن يساق من خندق إلى خندق باسم السياسة والمصالح.

 

لقد أرادوا أن يجعلوا من الذل ثقافة، ومن الهزيمة وعياً، ومن الاستسلام حكمة، حتى صار بعض الناس يستشهد بسيرة النبي ﷺ لتبرير الركوع لكيان يهود! وحاشا رسول الله ﷺ أن تكون سيرته جسراً يعبر عليه الخونة إلى موائد التطبيع.

 

إنّ العلاقة الوحيدة مع هذا الكيان الغاصب اليوم هي علاقة الصراع والإنكار والرفض، حتى يرفع الله عن الأمة هذا البلاء، وحتى يعود للمسلمين سلطانهم الذي يجاهدون تحت رايته لتحرير فلسطين وسائر بلاد المسلمين. فاثبتوا على الحق، ولا تغرنكم زخارف الإعلام، ولا تخدعكم فتاوى السلاطين، واعلموا أن يهود المعتدين أعداء لله ورسوله ﷺ والمسلمين، وأن شرف الأمة وعقيدتها أعظم من كل حسابات السياسة الذليلة. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ

 

 

بقلم: الأستاذ أحمد الصوفي (أبو نزار الشامي)

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع