- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-29
جريدة لراية:
الصين وأزمة مضيق هرمز
صعود هادئ في نظام دولي مضطرب
في خضمّ الاضطرابات الجيوسياسية التي رافقت أزمة الملاحة في مضيق هرمز، برزت الصين بوصفها فاعلاً يتحرك خارج منطق المواجهة المباشرة، وداخل منطق أكثر هدوءاً يقوم على إدارة التوازنات بدل كسرها. فبينما انشغلت القوى التقليدية بإدارة التصعيد عسكرياً وأمنياً، ظهرت الصين في موقع مختلف: موقع الوسيط الذي يسعى إلى تخفيف التوتر دون الانخراط في الصراع.
في هذا السياق، كثّفت الصين تحركاتها الدبلوماسية في أزمة إيران، في مسعى لترسيخ دورها كوسيط دولي. فقد قاد وزير خارجيتها وانغ يي سلسلة اتصالات مكثفة مع نظرائه، بالتوازي مع طرح مبادرة مشتركة مع باكستان لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، بما وفّر لإيران مخرجاً دبلوماسياً من التصعيد.
وبحسب مسؤولين صينيين، أجرى وانغ يي نحو 26 محادثة تليفونية مع مسؤولين دوليين في إطار هذه الجهود، بينما دعت الخطة الصينية الباكستانية في 31 آذار/مارس إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق بوصفه ممراً دولياً حيوياً. وفي المقابل، اعتبر مسؤولون أمريكيون أن هذه المبادرة منحت إيران مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية، في ظل علاقاتها الوثيقة مع بكين باعتبارها شريكاً استراتيجياً ومستورداً رئيسياً للطاقة. (العربية، 2026/04/10)
وتتجاوز هذه التحركات نطاق الشرق الأوسط، إذ تنخرط بكين في مسار دبلوماسي متعدد الاتجاهات لإبراز نفسها كقوة مسؤولة قادرة على إدارة الأزمات الدولية، في سياق يسبق اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، ما يمنح الحراك الصيني بعداً تفاوضياً عالمياً. كما أكدت تصريحات حكومية أوروبية، بينها موقف إسباني، أن "الدور الصيني مهم لإيجاد مسارات دبلوماسية لوقف الحرب وإعادة الاستقرار في الشرق الأوسط". وإسبانيا كما يبدو من أبرز الداعمين الأوروبيين لتوسيع التجارة والتعامل مع الصين باعتبارها حليفاً استراتيجياً، لا منافساً اقتصادياً وجيوسياسياً مثلما يرى ترامب، وفق ما أوردت رويترز في 2026/04/14م.
هذا الحضور لا يمكن فصله عن حقيقة بنيوية أعمق: أن الصين أصبحت تمتلك الإمكانيات المادية التي تؤهلها لأن تكون دولة كبرى عالمياً. غير أن هذا التحول لا يتجسد حتى الآن في شكل قوة صدامية، بل في شكل نفوذ اقتصادي ودبلوماسي يتوسع بهدوء داخل الفراغات التي تتركها القوى التقليدية.
وترتبط هذه الديناميكية بموقع إيران في الاستراتيجية الصينية، إذ تمثل العلاقة بين بكين وطهران أحد أعمدة مبادرة الحزام والطريق، حيث تشكل إيران عقدة جغرافية بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وممراً حيوياً للطاقة والتجارة، وهو ما يصطدم بشكل مباشر مع نظرية الهيمنة على الاختناقات الاستراتيجية (Chokepoints) التي تعتمدها أمريكا ضمن سياستها التوسعية.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فالصين لم تدخل الأزمة كقوة مواجهة، بل كقوة إدارة. لم تسعَ إلى تغيير موازين القوى عسكرياً، بل إلى التكيّف معها وتوظيفها سياسياً. وهذا يعكس اختلافاً في فلسفة القوة أكثر مما يعكس تفوقاً حاسماً لنموذج على آخر.
فأمريكا التي بنت نفوذها لعقود على الحضور العسكري وتأمين الممرات الحيوية بالقوة، لا تزال تعتمد على أدوات ردع صلبة وشبكات تحالف واسعة. ولكن يبدو أن الأمر لا يحسم بالبارجات والطائرات، ولا بجر دول الناتو إلى النزاعات ودفع ثمن حرب لم يشعلوا فتيلها. في المقابل، تبدو الصين وكأنها تختبر نموذجاً مختلفاً يقوم على التشابك الاقتصادي، والاعتماد المتبادل، وإدارة الأزمات عبر الوساطة بدل المواجهة، مع ملاحظة أنها أنشأت قاعدة عسكرية في جيبوتي على بعد أميال قليلة من قاعدة أمريكية في البلد ذاته قرب مضيق باب المندب.
ومن هنا، تتحرك بكين بمنطق الاستقرار الوظيفي أي الحفاظ على حدّ أدنى من التوازن يسمح باستمرار تدفق الطاقة دون الانخراط في التزامات عسكرية مباشرة قد تضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز صورة الصين كقوة مقبولة لدى أطراف متباينة، فأمّنت مرور سفنها ابتداء، ثم قدمت نفسها كموازن لا كطرف صراع، حيث اعتبرت على لسان وزير خارجيتها وانغ يي أن حصار مضيق هرمز لمنع حركة السفن الإيرانية لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي. (رويترز في 2026/04/13)
غير أن دلالات أزمة مضيق هرمز تتجاوز السلوك الصيني المباشر. فوفق تحليل نشرته نيويورك تايمز في 2026/04/06، لم تعد القوة في النظام الدولي تقاس فقط بحجم الجيوش أو الاقتصادات، بل بالقدرة على التأثير في نقاط الاختناق الاستراتيجية، وعلى رأسها الممرات البحرية. وفي هذا الإطار، برزت إيران في الواجهة كفاعل قادر على التأثير في أمن الطاقة العالمي عبر موقعها الجغرافي، ما يجعلها جزءاً من معادلة تمتد آثارها إلى الصين باعتبارها أحد أكبر مستوردي الطاقة. وقد أشارت الإندبندنت إلى أن الصين خرجت من الأزمة بصورة قوة هادئة وواثقة، مستفيدة من انشغال الغرب بإدارة التصعيد، دون أن يعني ذلك انتقالاً إلى موقع قيادة النظام الدولي.
ورغم هذا التقدم، تبدو الصين في مرحلة انتقالية: فهي لم تصبح قوة مهيمنة، لكنها لم تعد قوة هامشية، بل فاعل دولي يتحرك داخل فراغات نظام دولي "متداع" بحسب وصف الرئيس الصيني أثناء استقباله لرئيس وزراء إسبانيا. (رويترز في 2026/04/14).
ومع ارتفاع تقلبات أسواق الطاقة، يبرز التحول نحو السيارات الكهربائية كأحد المسارات البديلة المحتملة، الأمر الذي قد يعزز حضور الشركات الصينية في هذا القطاع بوصفها من أكثر الفاعلين استفادة من إعادة تشكيل اقتصاد الطاقة العالمي.
ولئن سعت الصين إلى تجنب الصدام المباشر خارجيا وإلى استثمار الانقسام داخل المشهد التايواني عبر الانفتاح على بعض قوى المعارضة في لحظة سياسية حساسة من أجل عرقلة صفقة تسليح أمريكية لتايوان بقيمة 40 مليار دولار، فإن مستقبل دورها الدولي يظل مرهوناً بقدرتها على الموازنة بين أربعة مستويات مترابطة: الاقتصاد المتوسع، والانكشاف الجيوسياسي، والقوة العسكرية الحذرة، والصورة الرمزية في البلاد الإسلامية. فبينما يعزز توسعها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من حضورها الاقتصادي، فإنها تظل حبيسة النظام الرأسمالي العالمي لا تستطيع الانعتاق منه، كما يظل ملف مسلمي الأويغور عنصراً حساساً قابلاً للتوظيف السياسي والأخلاقي في سياقات التنافس الدولي و"ظلا صامتا" يرافق تمددها العالمي.
هنا من حقنا أن نتساءل وقد تلطخت أيديها لعقود بدماء مسلمي الأويغور في تركستان الشرقية: هل أعدت الصين نفسها لمرحلة لم تعد فيها القوة تقاس فقط بما ينجز على الأرض، بل أيضاً بما يستدعى في الوعي السياسي العالمي الذي يتشكل اليوم بدماء أبناء الأمة الإسلامية لتكتب به تاريخا جديدا للبشرية، عنوانه: الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟!
بقلم: المهندس وسام الأطرش
المصدر: جريدة الراية



