- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-15
جريدة الراية:
أمريكا بين قوتها الخارجية
وتآكلها الداخلي
ليست الأمم كيانات تنهار بضربة مفاجئة، ولا تسقط عادةً بفعل عدو متربص على حدودها فقط، بل تتداعى حين تتآكل أسسها من الداخل، وحين تفقد قدرتها على التماسك قبل أن تفقد قدرتها على الردع.
هذه الحقيقة التي أكدتها تجارب التاريخ، من سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي، تفرض نفسها اليوم بإلحاح عند قراءة واقع أمريكا؛ فالدولة التي لا تزال تتصدر مشهد القوة العالمية عسكرياً واقتصادياً، تبدو في الوقت نفسه مسرحاً لتصدعات داخلية عميقة تمس بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إن المفارقة بالنسبة لأمريكا لا تكمن في تراجع قوتها الظاهرة، بل في اتساع الفجوة بين هذه القوة وبين واقعها الداخلي.
وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل يمكن لقوة عالمية أن تستمر في قيادة النظام العالمي، وهي تعاني من إرهاق داخلي متصاعد ومخالفة عميقة لكل ما تبنته ضمن مبدئها؟
لنستعرض بعض مظاهر قوة أمريكا الخارجية، حيث لا تزال أمريكا تحافظ على مظاهر قوة عالمية واضحة، وهذه القوة هي نتيجة لتراكم عسكري واقتصادي وثقافي مؤسس منذ نشأتها، ومنها:
- التفوق العسكري العالمي، فهي تملك أكبر وأقوى جيش في العالم، فميزانية الدفاع الأمريكية هي الأعلى عالمياً وتُقدر بحوالي 878.7 مليار دولار.
- الانتشار العسكري الدولي، حيث لها شبكة واسعة من القواعد العسكرية حول العالم، ما يمنحها قدرة تدخل سريع في أي منطقة، وهي أيضاً تلعب دوراً محورياً في التحالفات الأمنية، كقيادتها لحلف الناتو، الذي يُعد أقوى تحالف عسكري في العالم.
- الهيمنة على النظام المالي العالمي عبر الدولار، فهو المستخدم في معظم التجارة الدولية والاحتياطات، كما أن البنوك المركزية والشركات متعددة الجنسيات تهيمن على أغلب قطاعات التكنولوجيا.
- السيطرة على ممرات وتوازنات استراتيجية، فهي قادرة على حماية وتأمين طرق التجارة العالمية، وسيطرتها على أمن الطاقة العالمي.
وعليه، تعكس هذه المظاهر أن أمريكا لا تزال تمتلك أدوات الهيمنة التقليدية والحديثة معاً، ومع أن هذه القوة اليوم في تراجع وليس في تصاعد، فإنها تبقى الأولى حالياً، ولكن هذه القوة الخارجية قد تُخفي وراءها تحديات داخلية متراكمة، وهو ما يعزز الفكرة المحورية: قوة الخارج لا تعني بالضرورة صلابة الداخل.
لذلك سوف نعرض بعض مظاهر التآكل الداخلي لأمريكا:
الاستقطاب السياسي الحاد، حيث يشهد النظام السياسي انقساماً غير مسبوق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهو يُظهر يوماً بعد يوم عمقه الاستراتيجي الهدّام، ومن أدلته انخفاض القدرة على تمرير التشريعات، وتكرر حالات إغلاق الحكومة، وغياب النخب البنّاءة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، حيث إن آخر استطلاعات مركز بيو للأبحاث تُظهر انخفاض الثقة في الكونغرس إلى مستويات تاريخية متدنية.
ناهيكم عن اتساع الفجوة الاقتصادية، فإن تقارير الاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أن نسبة كبيرة من الثروة تتركز لدى 1% من السكان، وهذا يضعف من الطبقة المتوسطة التي تتآكل القوة الشرائية لديها، والاستقرار الاقتصادي لهذه الطبقة يختفي مع ركود الأجور الحقيقية مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة من سكن وتعليم وصحة.
وفي الآونة الأخيرة، يتصاعد انتشار العنف المسلح ومعدلات الجريمة، وهذا كله بعيداً عن مشاكل الدين العام، والتضخم المرتفع، والتوسع العسكري والسياسي خارج الحدود، وصرف الأموال على مرأى من أعين الشعب الأمريكي الذي يعاني في معيشته، بل وعلى عكس نتائج هذه الحروب التي انعكست بزيادة في تكاليف المعيشة وارتفاع في الضرائب، ويرفض صرف الأموال لقضايا يعتبرها لا تهمه، فهو لا تعنيه عظمة أمريكا مقابل الجوع أو اختفاء كم كبير من الرفاهية.
وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة هو تزامنها مع استمرار صورة القوة الخارجية، ما يخلق فجوة بين ما تبدو عليه الدولة وما هي عليه فعلاً، ففي المحصلة لا يمكن تفسير الدول الكبرى من خلال استعراض قوتها الظاهرة فحسب، بل عبر تفكيك بنيتها الداخلية وقياس قدرتها على الصمود الذاتي.
إن تجربة أمريكا اليوم تجسد هذه المفارقة بوضوح: قوة خارجية لا تزال تمسك بمفاتيح النظام الدولي، يقابلها داخل يئن تحت وطأة التفكك وتراجع الثقة إلى حدّ الانعدام.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل أمريكا قوية اليوم؟ بل: هل هي قادرة على تجديد نفسها من الداخل؟
في الحقيقة، إنها لا تستطيع تجديد نفسها من الداخل، وذلك بسبب فشل مبدئها الرأسمالي، الذي يحمل بذور موته في ثناياه، فضلاً عن غياب النخب البناءة، بل وظهور نخب هدامة. لذلك، فإن العالم برمته اليوم لا يرى أن المبدأ الرأسمالي الحاكم قادر على الاستمرار.
إن العالم اليوم بحاجة إلى مبدأ صحيح يقوم على العدل والمساواة والرحمة، التي افتقدها في المبدأ الرأسمالي، وإن الإسلام بوصفه مبدأ قادر على حكم العالم، وإزاحة الرأسمالية دون رجعة، وإقامة العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونشر النور والرحمة، وإعادة الإنسان إلى إنسانيته التي فقدها، وهو يجبر على المسير عبر النفعية وأدوات الرأسمالية.
المبدأ الإسلامي مبدأ كامل وجاهز للتنفيذ، ولكنه بحاجة إلى من يضعه موضع التطبيق، وإن حزب التحرير يصل ليله بنهاره لتحقيق هذه الغاية بإقامة الخلافة الراشدة، وقد أعد لها رجالها ومنهجها المأخوذ من الكتاب والسنة، وهو يسير على خطا رسولنا الكريم ﷺ واثقا بتحقيق بشراه «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» وبتحقيق وعد الله سبحانه لرسوله ﷺ أن الإسلام سوف يحكم العالم. عن تَميم الداري رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلّاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ».
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم
المصدر: جريدة الراية



