- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-15
جريدة الراية:
الصين ليست محايدة
وساطة لاحتواء الإسلام السياسي!
(مترجم)
أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، يوم الجمعة 3 نيسان/أبريل 2026 أنه "منذ تجدّد تصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان، بذلت الصين جهود وساطة بأسلوبها الخاص، وحافظت على تواصل وثيق مع الطرفين عبر قنوات متعددة، ووفّرت أرضية للحوار". وأضافت: "يولي البلدان أهمية لوساطة الصين ويرحّبان بها، وهما مستعدان للعودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات. وهذا تطور إيجابي".
بدأ التوتر الأخير بين أفغانستان وباكستان منذ أواخر شباط/فبراير 2026، إثر غارات جوية نفذتها باكستان داخل الأراضي الأفغانية وتبادل الاتهامات بين الطرفين. وتتهم إسلام آباد كابول بإيواء حركة طالبان باكستان، في حين نفت كابول هذه الادعاءات. وتُعد هذه المواجهات أسوأ توتر حدودي منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، حيث تحولت الحدود المشتركة بين باكستان وأفغانستان إلى ساحة مواجهة مباشرة.
في الظاهر، تحاول الصين تقديم نفسها وسيطاً محايداً. فقد أكدّت ماو نينغ ودبلوماسيون صينيون مراراً أن بكين تكتفي بـ"توفير أرضية للحوار" من دون الانحياز إلى أي طرف. كما يجري الترويج لهذا التصور داخل أفغانستان بعناية؛ إذ تتحدث وسائل إعلام مرتبطة بطالبان ومسؤولون في كابول عن "الدور البنّاء والودي" للصين، ويصفونه بأنه دليل على الاحترام المتبادل. غير أن الواقع الجيوسياسي يشير إلى أن الصين ليست محايدة؛ إذ تتمتع علاقات بكين مع إسلام آباد بجذور عميقة تاريخياً واقتصادياً وأمنياً، كما أن طالبان، بسبب حاجتها إلى الاستثمارات الصينية، تُظهر عملياً التزاماً بالخطوط الحمراء التي ترسمها بكين. وعليه، فإن وساطتها ليست دبلوماسية محايدة، بل أداة لإدارة مصالحها الحيوية.
وتتمثل المصالح الأساسية للصين في المنطقة، أولاً وقبل كل شيء، في الجانب الأمني. فهي تبدي قلقاً بالغاً من الجماعات ذات الطابع الإسلامي السياسي في باكستان وأفغانستان. وقد دقّت الهجمات المتكررة التي نفذتها طالبان باكستان ضد العمال والمشاريع الصينية في باكستان ناقوس الخطر. وفي الوقت نفسه، يُعد وجود جماعات جهادية في أفغانستان - من بينها حركة تركستان الشرقية الإسلامية، أي الأويغور - تهديداً مباشراً للصين، التي لا تريد أن تتحول الأراضي الأفغانية إلى قاعدة جديدة لمقاتلي الأويغور. ومن ثم فإن الوساطة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة لتنسيق احتواء مشترك لهذه الجماعات بالتعاون مع باكستان، أكثر من كونها مسعى خالصاً لتحقيق السلام.
وبموازاة هذه المخاوف الأمنية، تسعى الصين - من خلال الحد من نفوذ الإسلام السياسي، بما يتوافق مع موقف باكستان - إلى الحفاظ على نفوذها الاقتصادي وتوسيعه. فالتوتر الراهن يستهدف مباشرة مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي تتجاوز قيمته 60 مليار دولار، ويُعد أحد الأعمدة الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق. ولم تقتصر آثار الاشتباكات الحدودية على تعطيل التجارة وطرق العبور، بل أخّرت أيضاً توسيع مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني إلى داخل أفغانستان، بما يشمل الوصول إلى معادن الذهب والنحاس والليثيوم، وفتح مسارات جديدة نحو آسيا الوسطى. ومن خلال الوساطة، تحاول الصين عملياً تثبيت وقف لإطلاق النار، وإعادة فتح المعابر، وإبعاد استثماراتها عن المخاطر. ويعكس هذا النهج المزدوج - الاحتواء المبدئي والتوسع الاقتصادي - أولوية استراتيجية لبكين تتمثل في تحويل جنوب آسيا إلى مجال نفوذ حيوي لها.
كما تدرك الصين جيداً سياسة أمريكا في المنطقة. فأمريكا من خلال تأجيج هذه التوترات أو استثمارها، تسعى إلى تحويل اهتمام باكستان من التنافس الرئيسي مع الهند نحو الساحة الأفغانية. ووفق هذا السيناريو، تحصل الهند على فرصة أكبر لتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية بما يمكّنها من أداء دور قوة موازِنة في مواجهة الصين. ولا ترغب الصين في انزلاق المنطقة نحو أهداف أمريكا هذه، لأن تعزيز موقع الهند سيؤثر سلباً في نفوذ الصين الاستراتيجي في المحيط الهندي وجنوب آسيا.
وبناءً على ذلك، تتشكل سياسة الحزب الشيوعي الصيني في ظل عداء مبدئي عميق تجاه الإسلام السياسي، وخشية كبيرة من صعوده في المنطقة. ويرى الحزب في التيارات الإسلامية تهديداً وجودياً لسيطرته المبدئية في تركستان الشرقية، بل وحتى في محيطه الإقليمي، ويخشى جماعات مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية (الأويغور) التي قد تنطلق عملياتها من الأراضي الأفغانية. كما أسهمت هجمات طالبان باكستان على المشاريع الصينية في باكستان في تعزيز هذه المخاوف الأمنية.
وإلى جانب ذلك، تمثل الاعتبارات الاقتصادية عاملاً محورياً؛ إذ تهدد التوترات الحدودية مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وتوسيع مبادرة الحزام والطريق إلى أفغانستان، بما يشمل الوصول إلى معادن الليثيوم والنحاس والذهب.
وعلى المستوى الجيوسياسي، تعارض الصين الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى استثمار هذه التوترات لتحويل اهتمام باكستان عن التنافس مع الهند، بما يسمح بتعزيز موقع نيودلهي كقوة موازِنة لبكين.
وبناءً عليه، فإن وساطة الصين تمثل أداة لإدارة التوتر، واحتواء التهديدات المشتركة، وتعميق نفوذها الاقتصادي - الأمني، وليست مجرد محاولة محايدة لتحقيق السلام.
بقلم: الأستاذ يوسف أرسلان
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية أفغانستان
المصدر: جريدة الراية



