- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-15
جريدة الراية:
شباب الأمة من طاقة مبعثرة
إلى قوة تقيم الخلافة
قضية الشباب في الأمة ليست قضية فئة عمرية تحتاج إلى برامج ترفيه أو فرص عمل فحسب، بل هي قضية طاقة استراتيجية إذا لم تُوجَّه نحو مشروع مبدئي واضح تحولت إلى عبء أو إلى وقود لمشاريع غيرها. فالشباب هم الكتلة الأقدر على حمل الفكرة، والأسرع تفاعلاً معها، والأجرأ في تبنيها، ولذلك كانوا عبر التاريخ الإسلامي رأس الحربة في كل تحول مفصلي شهدته الأمة.
حين نتأمل في التاريخ، نجد أن التحولات الكبرى لم يصنعها المترددون ولا المترفون، بل جيل آمن بفكرة وعاش لها. يكفي أن نستحضر نموذج محمد الفاتح الذي حمل مشروع فتح القسطنطينية وهو في مقتبل عمره، فلم يكن ينظر إلى نفسه كحاكم إقليمي، بل قائد دولة تحمل دعوة ورسالة تسعى لتحقيق بشارة نبوية. وكذلك أسامة بن زيد الذي قاد جيشاً فيه كبار الصحابة، فكان معيار القيادة هو القدرة والكفاية والالتزام، لا العمر.
هذه النماذج لا تُذكر من باب الإعجاب التاريخي، بل لتأكيد قاعدة سياسية بأن الشباب حين يرتبطون بعقيدة واضحة ومشروع دولة، يتحولون إلى قوة تغيير حقيقية. في ظل الدولة الإسلامية، لم يكن الشباب يُختزلون في أدوار ثانوية، بل كانوا جزءاً من صناعة القرار، وحمل الدعوة، والجهاد في سبيل الله، وبناء المجتمع على أساس الإسلام.
أما اليوم، فإن المشكلة ليست في قلة عدد الشباب في بلاد المسلمين، بل في طبيعة البيئة السياسية والفكرية التي يعيشون فيها. الأنظمة العميلة القائمة التي نشأت بعد إسقاط الخلافة العثمانية لم تُبنَ على أساس أن الأمة صاحبة سلطان، ولا على أساس أن الإسلام مبدأ يقود الدولة، بل على أسس وطنية علمانية مرتبطة بالنظام الدولي الرأسمالي. ومن الطبيعي أن تسعى هذه الأنظمة إلى تشكيل جيل منفصل عن الإسلام مندمج في واقعها، لا جيل يسائل عن شرعيتها أو يعمل لتغييرها.
لذلك يُدفع الشباب دفعاً نحو الاستهلاك، والانشغال بالتفاهات، والركض خلف نماذج نجاح فردية منزوعة عن أي مشروع جماعي. تُغذّى فيهم فكرة أن أقصى الطموح هو وظيفة مريحة أو هجرة إلى بلد "متقدم"، بينما يُغيَّب عنهم السؤال الجوهري: ما هو دورك في أمتك؟ وما هو موقفك من واقع لا تُحكَّم فيه شريعة الله، ولا تُصان فيه وحدة المسلمين؟
إن ثقافة الإسلام السياسية لا تنظر إلى الشباب كفئة مجتمعية تحتاج احتواءً نفسياً، بل كقوة تغيير يجب أن تُربط بمشروع مبدئي. الإسلام جعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، وفرض على المسلمين بيعة خليفة يطبق عليهم أحكام الإسلام ويحمله بهم إلى العالم بالدعوة والجهاد. هذا الفرض ليس مسؤولية العلماء والسياسيين وحدهم، بل مسؤولية الأمة كلها، وفي مقدمتها شبابها.
الشباب هم الأقدر على حمل الصراع الفكري، لأنهم أقل ارتباطاً بمصالح آنية، وأكثر استعداداً للتضحية. وهم الأقدر على خوض الكفاح السياسي لكشف زيف الأنظمة القائمة، وفضح تبعيتها، وبيان تناقضها مع عقيدة الأمة. لكن ذلك لا يتحقق بالعاطفة والاندفاع غير المنضبط، بل بالوعي السياسي المبدئي، الذي يفهم طبيعة النظام الدولي، ويدرك حقيقة الدول وعمالة الحكام، ويستوعب نظام الحكم في الإسلام كما بيّنته الأدلة الشرعية.
إن تحويل الشباب إلى قوة لإقامة الخلافة لا يعني عسكرة المجتمع، ولا الانجرار إلى مواجهات عبثية، بل يعني بناء رأي عام منبثق عن وعي عام، تتبناه كتلة مبدئية تعمل على تغيير الأفكار والمفاهيم، حتى يصبح تحكيم الإسلام مطلباً شعبياً واعياً، لا مجرد حنين عاطفي. فالتغيير في الإسلام يبدأ بالفكرة، ثم يتحول إلى رأي عام، ثم يُترجم إلى واقع سياسي.
الشاب الذي يعي أن الوطنية رابطة مصطنعة قياساً إلى رابطة العقيدة، وأن الحدود الحالية فُرضت لتجزئة أمته، لن يكتفي برفع الشعارات، بل سيسأل: أين الكيان السياسي الذي يجمع المسلمين؟ وأين نظام الحكم الذي يطبق الشريعة كاملة؟ وأين الدولة التي تجعل ثروات الأمة ملكية عامة تُدار لمصلحتها لا لمصلحة الشركات الأجنبية؟
إن إعادة توجيه طاقة الشباب تبدأ بإعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في الاندماج في نظام يخالف العقيدة، بل في العمل لتغييره. وليس في تحقيق مكاسب فردية مع بقاء الأمة ضعيفة، بل بالانخراط في عمل سياسي مبدئي واعٍ، يهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
الأمة اليوم تقف على مفترق طرق؛ إما أن يبقى شبابها أسرى مشاريع فردية مشتتة، أو أن يتحولوا إلى طليعة واعية تقود عملية التغيير. كل طاقة شابة تُهدر في اللهو أو في خدمة مشاريع غير إسلامية هي خسارة استراتيجية، وكل شاب يرتبط بفكرة الإسلام السياسية هو لبنة في بناء دولة الإسلام القادمة.
إن التاريخ يشهد أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً من جيل شاب قرر أن يرفض الواقع الفاسد، لا بالتمرد الفوضوي، بل بالالتزام الواعي بمشروع واضح. والشباب في الأمة الإسلامية ليسوا أقل قدرة من أسلافهم، لكنهم يحتاجون إلى بوصلة صحيحة، وإلى مشروع جامع، وإلى عمل منظم يترجم القناعة إلى واقع.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
بقلم: الأستاذ سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر
المصدر: جريدة الراية



