- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-15
جريدة الراية: ترامب والتفكك القيادي الأمريكي
إن ما يجري داخل أروقة الحكم في أمريكا، من إقالات متتالية لقيادات عسكرية بارزة، وعلى رأسها رئيس الأركان وعدد من الجنرالات، ليس حدثاً إدارياً عابراً، ولا مجرد إعادة ترتيب داخلي، بل هو انعكاس مباشر لأزمة عميقة تضرب صلب الكيان السياسي الأمريكي، وتكشف عن تفكك في وحدة القرار بين السياسي والعسكري.
فالدولة التي تقود العالم، يفترض أن تكون حروبها منضبطة بأهداف سياسية واضحة، وأن يكون جيشها أداة تنفيذ دقيقة لهذه الأهداف، على عكس ما نشهده اليوم، خاصة في ظل نهج دونالد ترامب، فهو زجٌّ بالمؤسسة العسكرية في صراعات لا تحمل تعريفاً سياسياً محدداً، ولا تصوراً نهائياً لما يُراد تحقيقه، وهذا بحد ذاته كفيل بإحداث تصدع في بنية الجيش، وخلق حالة من التمرد الصامت داخل قياداته، التي تجد نفسها مطالبة بالقتال دون بوصلة.
إن هذا التناقض بين الفعل العسكري والفراغ السياسي، هو ما يفسر حالة الارتباك الأمريكي، فبرغم ما تملكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري، وما تنفذه من ضربات في أكثر من ساحة، بما فيها التصعيد مع إيران، إلا أن هذه الأفعال تبقى عاجزة عن تحقيق إنجاز سياسي مستقر، لأنها ببساطة تفتقد للهدف. وهذا ما يحول القوة من أداة حسم، إلى عبء يكشف عجز القيادة بدل أن يخفيه. وليس هذا فحسب، بل إن هذا التخبط يأتي في سياق صراع دولي محتدم، تتقدم فيه قوى كالصين، وتُستخدم فيه أطراف إقليمية كإيران ضمن ترتيبات دولية معقدة. غير أن اللافت، أن أمريكا التي كانت تضبط إيقاع هذا الصراع، باتت اليوم عاجزة عن إدارته بالإحكام ذاته، بسبب غياب القيادة السياسية الواعية، وتآكل الفروق الحقيقية بين أجنحتها السياسية، حتى غدا الصراع داخلها صراعاً على السلطة، لا صراعاً يخص المبدأ أو الاتجاه.
وهنا تتكشف الحقيقة الأخطر وهي أن الأزمة ليست أزمة إدارة، بل أزمة مبدأ. فالرأسمالية التي قامت عليها أمريكا، لم تعد قادرة على إنتاج قيادة سياسية متماسكة، ولا على تقديم رؤية تقود بها العالم، بل باتت تتخبط حتى في إدارة نفسها. وهذا التآكل في المبدأ، انعكس مباشرة على أدواته، فاهتزت القيادة، واضطرب الجيش، وتفكك القرار.
وفي خضم هذا المشهد، تُترك الأمة الإسلامية، التي تملك من الطاقات والثروات ما يجعلها رقماً صعباً في المعادلة الدولية، خارج دائرة الفعل، بل تساق جيوشها لخدمة مشاريع غيرها، وتنهب ثرواتها، ويفرض عليها واقع سياسي يبقيها تابعة، بينما يستخدم قواها الكامنة عملاء صغار، لا يملكون من أمرهم شيئاً.
إن ما يجري اليوم من ارتباك في القيادة الأمريكية، ومن اضطراب في إدارة الصراع الدولي، ليس إلا إرهاصاً بانكشاف دولي كبير، يفتح الباب أمام تغيير جذري في موازين القوى. وهذه اللحظة، لا ينبغي أن تفهم على أنها مجرد ضعف في الخصم، بل هي فرصة تاريخية للأمة، إن هي امتلكت مشروعاً سياسياً مبدئياً، يعيد ربط القوة بالغاية، ويضع الجيوش في موقعها الطبيعي: أدوات لتحرير الأرض، لا لحراسة الأنظمة.
فالأمة التي تحمل الإسلام عقيدة ونظاماً، وتدرك أن الحكم بما أنزل الله هو أساس النهوض، هي وحدها القادرة على ملء هذا الفراغ، وإعادة توجيه الصراع نحو أعدائها الحقيقيين، وعلى رأسهم كيان يهود، ومن يقف خلفه من قوى الاستعمار.
إنها لحظة سقوط البوصلة عند أهلها، ولحظة امتحان لمن يملك البوصلة أن يتقدم. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة في استئناف الحياة الإسلامية على أساس مشروع الخلافة الراشدة التي ستعيد للأمة دورها ومكانتها، وإما أن تبقى الأمة رهينة لصراعات غيرها، تدفع ثمن ذلك من دمائها وثرواتها.
بقلم: الأستاذ أحمد زكريا
المصدر: جريدة الراية



