- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-15
جريدة الراية:حرب أمريكا وكيان يهود على إيران
وتداعياتها على السودان
لقد أثرت حرب أمريكا وكيان يهود على إيران، على جميع دول العالم وبخاصة في الناحية الاقتصادية، ولو بنسب متفاوتة، أما تأثيرها فكان أشد وطأة على أهل السودان، كون السودان يعيش أصلا أزمة اقتصادية خانقة بسبب الحرب الدائرة فيه، وانعكاس ذلك على حياة الناس، فأفقرت الأغنياء، وزادت الفقراء فقرا، فصارت الحياة جحيما لا يطاق، حيث ارتفعت أسعار المحروقات، لأكثر من 60% ما أثر على حركة النقل والترحيل، فزادت أسعار تذاكر الباصات، بنسب تصل إلى 50% وزادت قيمة المواصلات الداخلية إلى أكثر من 30%، وصارت أربعة أرغفة من الخبز ذي الحجم الصغير بقيمة 1000 جنيه.
وبالجملة فقد ارتفعت أسعار جميع السلع خاصة الغذائية، في ظل ركود موجود أصلا، وتدنٍ في القوى الشرائية بسبب ضعف دخول الناس، الذين بات فريق منهم يعتمد على تحويلات أبنائه أو أقربائه في دول المهجر، وهؤلاء قلة، أما الغالبية العظمى فتعيش على الكفاف، معتمدة على وجبة واحدة في اليوم، تقيم بها أودها.
ثم فجأة وبلا مقدمات، ارتفعت خلال الأيام الماضية قيمة الدولار مقابل الجنيه السوداني، لتصل إلى أكثر من 4000 جنيه للدولار الواحد، بزيادة تربو على الـ400 جنيه للدولار الواحد، وهذا أيضاً يزيد من قيمة المواد المستوردة، وهي في حالة السودان صارت الحالة الطبيعية، إذ إن أغلب حاجيات الناس أصبحت تأتي من الخارج، بعد أن توقفت المصانع والمزارع وغيرها، إذ قفزت واردات السودان أكثر من 9 مليار دولار في العام الواحد، وليس هنالك صادرات تغطي هذا المبلغ الكبير إلا الذهب الذي يذهب أكثر من 70% منه إلى جيوب المتنفذين وغيرهم، ولا تدخل في خزينة الدولة، فهي ثروة منهوبة في ظل غياب الراعي.
والحكومة التي من واجبها السعي لتخفيف وطأة هذه الظروف على الناس، تقوم هي نفسها بزيادة الأعباء عليهم، حيث نفذت هيئة الجمارك السودانية زيادة جديدة في الدولار الجمركي يوم 10/4/2026 من 2769 جنيه إلى 3222 جنيه، بزيادة قدرها 454 جنيها بنسبة زيادة أكثر من 16%، ولم تكن هذه الزيادة هي الأولى، فقد ظل ما يسمى بالدولار الجمركي يتحرك كلما تحرك سعر الدولار في السوق الموازي (الأسود)، ما ينعكس سلباً على معدلات التضخم، حيث ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة.
أما من الناحية السياسية فإن انشغال أمريكا بحربها على إيران، وهي التي تمسك بملف الحرب في السودان، عبر مبعوثها مسعد بولس، الذي ما فتئ بين الحين والآخر يتحدث عن هدنة إنسانية دون أن يحدد متى تبدأ هذه الهدنة، وكيف، فحتى هذه التصريحات قد توقفت بعد نشوب الحرب في إيران، وصار الواقع السياسي كما هو دون تغيير يذكر، حيث تكرس أمريكا لتفتيت السودان عبر سلخ دارفور، وأصبح الوضع شبيهاً بالسيناريو الليبي، حيث توجد حكومتان؛ واحدة في بورتسودان والخرطوم، وأخرى في نيالا عاصمة جنوب دارفور.
أما الحرب فقد ظلت منذ فترة طويلة عبارة عن كر وفر، بعيداً عن مسرح الحرب الأساسية في دارفور ومحيطها في كردفان، إلا من بعض الأعمال عبر الطيران، أو المسيرات، من الجيش ومن قوات الدعم السريع التي لا يتأذى منها إلا الناس العزل، الذين لا حول لهم ولا قوة، ثم وحتى لا يقال إن الحرب قد توقفت، خاصة وأن قادة الجيش دائماً يتحدثون عن القضاء على التمرد في جميع ربوع السودان، دون أن يتبع ذلك عمل جدي، لذلك تستمر الحرب في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، وقوات الدعم السريع تهاجم والجيش يدافع، فالمنطقة الواحدة تحرر كما يقولون أكثر من مرة!! ومثال ذلك ما يقال عن فك الحصار عن الدلنج، وفتح الطريق بينها وبين هبيلا مرات ومرات، ما يؤكد أن الحرب هناك هي كر وفر، والقصد منها إطالة أمدها حتى يتطرق اليأس إلى قلوب الناس، وأن هذه الحرب لن تنتهي، فيقبلون بأي حل حتى ولو كان ذلك بفصل دارفور.
وهناك أصوات تتحدث صراحة بفصل دارفور، ويسوقون المبررات لذلك، تماما كما كان يحدث قبيل انفصال جنوب السودان، حيث لعب الإعلام، وبعض السياسيين دوراً كبيراً في عملية ترويض الناس للقبول بانفصال الجنوب، وهو ما يحدث الآن من أعمال سياسية تصب كلها في ترويض الناس للقبول بالواقع الذي ستفرضه أمريكا، وهو سلخ دارفور عن جسم السودان.
وهؤلاء لا يهمهم ما يصيب البلاد والعباد من هذه المؤامرات، فإن كانوا لا يعلمون أن ما يقومون به يخدم مؤامرات أمريكا الساعية لتقسيم السودان وتفتيته، فإنها مصيبة، وإن كانوا يعلمون ويقومون بهذه الخدمة لأعداء الأمة من الكفار المستعمرين، فالمصيبة أشد.
أما في الجانب الآخر، وأقصد هنا جماعة أوروبا الذين نجحت أمريكا عبر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في إبعادهم عن المشهد السياسي في السودان، إلا أنهم مصرون على عرقلة مشاريعها فيه، لذلك يجتهدون هذه الأيام لإنجاح مؤتمر برلين بشأن السودان، الذي ينعقد اليوم الأربعاء 15 نيسان/أبريل الحالي، وهو وإن كان كسابقيه في العامين الماضيين؛ مؤتمر لندن ومؤتمر باريس، لن يؤثر كثيراً على موقف أمريكا وإمساكها بملف السودان، إلا أنه قطعاً مزعج لها ولرجالها في السودان، لذلك نجد الحكومة عبر سفارة السودان في برلين قد سلمت مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية يوم الجمعة 10 نيسان/أبريل 2026 نقلت خلالها موقف السودان الرافض لعقد مؤتمر برلين حول السودان، دون مشاركة الحكومة وموافقتها والتشاور معها في كافة الترتيبات.
هذا هو الواقع في السودان حيث يحتاج من أبنائه الوعي على ما يجري في بلادهم من تآمر يسعى فيه الكافر المستعمر لتفتيت ما تبقى من السودان عبر عملاء ينفذون ما يريده، والعمل الجاد من أجل إبعاد هذه المؤامرات، وإفشالها، بإقامة دولة مبدئية تمنع تمزيق السودان، بل تسعى لتوحيده مع بقية بلاد المسلمين في دولة قوية عزيزة هي دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي هي وحدها القادرة على تغيير واقع السودان إلى الأحسن، بل وواقع العالم أجمع الذي يتخبط من يقودونه اليوم في حروب عبثية وأزمات اقتصادية وغير ذلك.
بقلم: الأستاذ إبراهيم عثمان (أبو خليل)
الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان
المصدر: جريدة الراية



