- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-03-25
جريدة الراية:
إغلاق مضيق هرمز
وتداعياته العالمية
أولاً: الموقع والأهمية الجغرافية:
يُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد الذي يربط دول الخليج العربي بالمحيط ومنه إلى العالم أجمع؛ إذ يتعين على البواخر والسفن المنطلقة من موانئ حيوية مثل البصرة في العراق، ومحطات التصدير في الكويت، ومرافئ رأس تنورة والجبيل في السعودية، ومرافق التصدير في الإمارات وقطر وإيران، أن تمر عبر هذا الممر الإجباري قبل وصولها إلى خليج عُمان ومن ثم إلى المحيط الهندي.
المضيق ليس واسعاً بمقاييس الملاحة العالمية، إذ يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 21 ميلاً بحرياً (قرابة 33 كيلومتراً) بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية. غير أن القناة الملاحية الفعلية التي تستخدمها السفن التجارية أضيق من ذلك بكثير، وهي نقطة جوهرية عند البحث في القدرة على التهديد أو الإغلاق.
ولتفادي التصادم بين السفن العملاقة التي تهيمن على هذا الطريق، أنشأت السلطات البحرية نظاماً لتنظيم حركة الملاحة؛ وبموجبه تمر السفن المتجهة إلى الخليج عبر ممر ملاحي مخصص للدخول يبلغ عرضه نحو ميلين بحريين، في حين تستخدم السفن المغادرة ممراً موازياً بالعرض نفسه، وتفصل بين حركة السفن المتجهة في الاتجاهين منطقة عازلة بعرض ميلين بحريين.
بناءً على ذلك، تتحرك أضخم سفن العالم ببطء داخل مياه محصورة تحيط بها المياه الإقليمية لكل من إيران وعُمان. فالناقلات العملاقة التي تحمل ملايين البراميل من النفط قد تحتاج إلى كيلومترات عدة لتغيير مسارها، كما أن قدرتها على المناورة السريعة محدودة للغاية.
ثانياً: شريان الطاقة العالمي (لغة الأرقام)
تشير تقديرات وكالات الطاقة الدولية إلى أنه "مر عبر المضيق عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً".
وإلى جانب النفط الخام، تمر كميات ضخمة من المنتجات النفطية المكررة كالديزل والبنزين والوقود الثقيل، حيث تصدّر مصافي الخليج الوقود إلى أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا، ما يعزز دور المضيق كشريان أساسي لتوزيع الطاقة عالمياً.
أما على صعيد الغاز الطبيعي المسال، فتلعب دولة قطر دوراً محورياً بامتلاكها أكبر حقل غاز في العالم. ففي عام 2025، مر عبر مضيق هرمز نحو 110 مليار متر مكعب من الغاز المسال، أي ما يقارب 20% من تجارة الغاز المسال العالمية. ونظراً لأن الغاز يُنقل بواسطة ناقلات متخصصة، فإن أي تعطل سيؤدي مباشرة إلى ضرب سلاسل الإمداد، ما يجعل مضيق هرمز أهم بوابة بحرية للطاقة في العالم المعاصر.
ثالثاً: هل يمكن إغلاق مضيق هرمز؟
في حزيران/يونيو 2025، لوحت إيران بتهديدات لإغلاق المضيق، لكن المسألة لا تقتصر على مجرد قرار سياسي، بل تحكمها اعتبارات معقدة:
1. الارتباط الاقتصادي الإيراني: يعتمد اقتصاد إيران بشكل عضوي على قطاع الطاقة، حيث تمثل عائدات النفط حوالي 85% من إجمالي إيراداتها، وتقع جل محطات تصديرها في الخليج. لذا، فالمضيق هو شريان حياة لإيران أيضاً، ما يجعل قرار الإغلاق انتحاراً اقتصادياً، لكن إيران قد تنظر إليه كمسألة وجودية تتجاوز الحسابات المالية.
2. التعقيد العملي: إغلاق المضيق سهل نظرياً لكنه معقد جداً من الناحية العملية. سيؤدي هذا الاضطراب إلى صدمة في الأسواق العالمية، وارتفاع حاد في تكاليف الشحن والمعيشة.
3. المعضلة النقدية: ستواجه البنوك المركزية العالمية خطر الركود التضخمي؛ حيث سيرتفع التضخم بحدة ما يضطرها لرفع نسبة الربا، وهو ما سيعيق النمو ويؤدي لركود عميق.
رابعاً: التداعيات اللوجستية والأثر العالمي.
مقصد إيران من التهديد هو تحويل أزمتها الخاصة إلى أزمة عالمية للضغط على أمريكا، وتتمثل هذه التداعيات في:
• تغيير المسارات: ستضطر السفن للدوران حول شبه الجزيرة العربية بالكامل، ما يزيد استهلاك الوقود وآلاف الأميال البحرية، ويؤخر تسليم البضائع لأسابيع.
• شلل الصناعة: تأخير وصول المواد الخام سيؤدي لتباطؤ التصنيع عالمياً وندرة السلع.
• عزل الموانئ: ستُعزل موانئ الخليج العربي تماماً عن التجارة البحرية، مع هروب شركات التأمين وارتفاع الكلف التشغيلية، وصولاً إلى تسريح ملايين العمال.
خامساً: المتضررون
خلافاً لما يروج له البعض، بما في ذلك تصريحات ترامب بأن أمريكا لم تعد بحاجة لنفط الخليج، فإن أمريكا ستكون من أكبر المتضررين عبر:
• فقدان الهيبة الدولية
• زيادة الانقسام الداخلي وانقسام المعسكر الغربي
• ارتفاع أسعار الطاقة محلياً نتيجة ارتباطها بالأسعار العالمية، ما يرفع كلف التصنيع الأمريكي
أما دول آسيا (الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية)، فهي الأكثر عرضة للخطر؛ إذ إن 84% من شحنات النفط و83% من شحنات الغاز التي تمر عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية.
وبالنسبة لأوروبا، فالوضع كارثي؛ كونها تعاني أصلاً من تداعيات الحرب الأوكرانية وانقطاع الغاز الروسي. وبحسب دراسة أجراها معهد معلومات سلاسل الإمداد في النمسا بالتعاون مع جهات علمية في فينّا وجامعة ديلفت للتكنولوجيا، قال كاتب الدراسة ستيفان ثورنير: "إن التداعيات الاقتصادية تعتمد بصورة كبيرة على طول مدة أي إغلاق إيراني، وفي حال استمر الإغلاق لفترة أطول من أربعة أسابيع، فإن الاضطرابات قد تتفاقم في سلاسل الإمداد العالمية"، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية "د ب أ". وجاء في مقال أمن أوروبا ما هي المخاطر التي تواجه أوروبا في حال إغلاق مضيق هرمز؟: "إذا أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، فإن أوروبا ستواجه واحدة من أعقد الأزمات متعددة الأبعاد منذ عقود. التأثير لن يكون محصورا في قطاع الطاقة فحسب، بل سيمتد إلى الاقتصاد، الأمن، السياسة الخارجية، وحتى الاستقرار الداخلي لبعض الدول الأوروبية".
ختاماً: لقد أثبتت الحرب الحالية للعالم أجمع مدى الحاجة الملحة إلى نظام عالمي جديد، بعد أن انكشفت عورات النظام الحالي وفساد مؤسساته ودوله. ولا يوجد من هو أجدر من الأمة الإسلامية لقيادة هذا التحول بمنظومة الإسلام الربانية، التي تخرج العباد من ضيق الجشع والطمع المادي إلى عدل الإسلام وسعة رحمته.
بقلم: الأستاذ حسن حمدان
المصدر: جريدة الراية



