الأربعاء، 23 شعبان 1447هـ| 2026/02/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-02-11

 

جريدة الراية: ملفات إبستين وسقوط الحضارة الغربية

 

 

 

إنّ إجبار الكونغرس الأمريكي للحكومة الأمريكية وحمل وزارة العدل فيها على الإفراج عن بعض ملفات إبستين يُعتبر أكبر فضيحة حضارية تشهدها الدول الغربية في هذا القرن الحادي والعشرين الميلادي.

 

إنّها ليست مجرد فضيحة سياسية شخصية خاصة تتعلق برئيس أو زعيم أو مسؤول كفضيحة ووتر غيت أو فضيحة إيران - كونترا، بل هي فضيحة عامة؛ اجتماعية وسياسية وأخلاقية وقِيَمِيّة.

 

فهذا الغرب الذي طالما ادّعى كذباً الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل ها هو قد انكشف زيفه بهذه الفضيحة المدوية التي أظهرت طبيعة نظرته الحضارية البهيمية الدونية للإنسان.

 

فلا ينظر الغرب للإنسان إلا من حيث كونه مادة صماء تخلو من المشاعر والأخلاق، فيجرون عليه التجارب الحيوانية لخدمة ثلة من الشواذ والمنحرفين والساديين، ولا ينظر للمرأة إلا باعتبارها سلعة رخيصة تباع وتشترى في أسواق النخاسة السوداء، وفي مواخير السعار الجنسي المجنون، ولا ينظر إلى الطفل إلا من جهة الاستمتاع بتعذيبه بكل وحشية وقسوة من أجل استخراج مادة الأدرينوكروم منه، والتي يزعمون أنّها تمنح كهولتهم وشيخوختهم الفانية طاقة الشباب الدائمة، وإكسير الحياة الأبدي الذي يقربهم من الخلود الدنيوي.

 

لقد شارك في هذه الفضيحة العامة رؤساء مثل ترامب وكلينتون، وأمراء وأميرات من بريطانيا والسويد والنرويج، ومليارديرات من مثل بيل غيتس وإيلون ماسك، وعلماء من مثل ستيفن هوكينج، بالإضافة إلى سياسيين وممثلين ومُغنين وعلماء ورجال أعمال ومشاهير من كل حدب وصوب.

 

فهؤلاء هم علية القوم في الغرب وقد انساقوا لشهواتهم وضلالاتهم وجاؤوا مهرولين لجزيرة الشيطان جيفري إبستين فباعوا إنسانيتهم وفطرتهم واشتروا بها ما ظنوا أنه رفاهيتهم وسعادتهم، فاقترفوا الفواحش والموبقات وارتكبوا الجرائم والخطيئات.

 

إنّ هذه الفضيحة لم تقتصر على انتهاك الأعراض، وبيع الفتيات القصر، وتعذيب الأطفال وقتلهم، وقتل براءتهم وحسب، بل شملت أيضاً إسقاط العدالة والقضاء، وإفساد المحاكم والقوانين، والتغطية على تلك الجرائم بالتحايل وبالصفقات القانونية المشبوهة لمدة ربع قرن من الزمان أو يزيد.

 

فالدولة الأمريكية وبكل أجهزتها وأحزابها حاولت - ولا تزال - إخفاء الحقائق الواضحة عن تلك الجرائم النكراء، وتبرئة المتورطين فيها بكل السبل، فهذه الفضيحة وما نتج عنها من جرائم قد اكتشفت عام 2005، ولكن منذ ذلك التاريخ تمّت لملمتها بصفقات قانونية مشبوهة مع جيفري إبستين حتى انفجرت أول مرة عام 2019 فاعتُقل إبستين، ثم قُتل داخل السجن، للتخلص وإغلاق الفضيحة نهائياً بموته، إلا أنها انفجرت ثانية بفعل تداعياتها المتشعبة، فاضطرت الحكومة تحت ضغط الرأي العام لنشر بعض وثائقها البالغة ستة ملايين وثيقة، نُشر منها حتى الآن ثلاثة ملايين وثيقة في وسائل الإعلام، وتمّ حجب ربع مليون وثيقة من الثلاثة ملايين التي سمح بالإفراج عنها من النشر بحجج وذرائع أمنية واهية للتغطية على المجرمين الحقيقيين فيها.

 

فبالرغم من ضخامة الفضيحة إلا أنه لا يوجد متهمون، وذلك لأن المتورطين فيها ما زالوا يملكون صلاحيات واسعة يستطيعون بموجبها التحايل على القوانين، ومنع نشر الوثائق التي تدينهم، ونشر كم هائل من الوثائق لتشتيت الناس وإلهائهم عن الوصول إلى الحقائق، وهذه في الواقع هي فضيحة ثانية تؤكد فساد المحاكم والقضاء والإعلام والحكومة في أمريكا، وتبين كذبة ما يسمى باستقلالية القضاء وفصل السلطات.

 

وقد هدد ترامب السياسيين والمحاكم والإعلاميين بكشف الفضائح القديمة، وكشف أبطالها إذا أدين هو بسبب ملفات إبستين، فقال بأنه مستعد للكشف عن أسرار مقتل كنيدي ومارتن لوثر وأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر إن تعرض لأية محاكمة، أي أنّه يقول عليّ وعلى أعدائي، فخافوا وتواطأوا معه.

 

وهكذا يبدو أنّه وبالرغم من نشر ملايين الوثائق فإنّ ذلك لن يؤدي إلى اعتقال المتورطين لأنهم هم الحكام الفعليون وهم المتنفذون في الدولة.

 

وإنّ ما يندى له الجبين في هذه الفضيحة هو ما تعلق منها بالعرب والمسلمين، وبالذات ما تعلق بإهداء سيدة الأعمال السعودية التي تقيم في الإمارات وهي عزيزة الأحمدي لثلاث قطع من كسوة الكعبة المشرفة لجيفري إبستين حيث شُحنت من السعودية بطائرات بريطانية إلى منزل إبستين في ولاية فلوريدا الأمريكية.

 

ومع أنّ هذا العمل الذي قامت به هذه المرأة هو عمل فظيع ومشين ومستنكر إلا أنّ السعودية والإمارات لم تأبها به مُطلقاً، ولم تُعلّقا عليه، فضلا عن القيام بالتحقيق اللازم به، فتعاملتا معه وكأنّه شيء عادي مسموح به، مع أنه عمل فظيع أثار غضب ملايين المسلمين الذين علموا به، ولكنّ هذه الدول ما هي في الواقع إلا دول عدوة للإسلام والمسلمين، فلا يهمّها مشاعر المسلمين ولا مقدساتهم.

 

وهناك فضيحة جانبية أخرى في ملفات إبستين تضاف إلى فضائحها الكثيرة وهي فضيحة استخبارية لها علاقة بأجهزة الاستخبارات الأمريكية وجهاز الموساد، حيث كان يتم توثيق كل تلك الجرائم بالتصوير والتسجيل والطباعة إذ بلغ عدد الفيديوهات 200 ألف فيديو وبلغ عدد الصور 180 ألف صورة إضافة إلى ملايين الوثائق المطبوعة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ ما وقع من جرائم إنّما كان يقع بمعرفة أجهزة استخبارات الدول التي كان همّها الأساسي ليس منع وقوع تلك الجرائم ولا اعتقال المجرمين، وإنّما كان هدفها فقط هو ابتزاز الشخصيات المتورطة، وهو عادة ما تفعله هذه الأجهزة مع كثير من السياسيين في بلاد والمسلمين لتمرير الأجندة السياسية المطلوب تمريرها.

فالتسجيل والتصوير والتجسس هي أمور اعتيادية تقوم به أجهزة الاستخبارات الغربية لابتزاز السياسيين الأجانب وتحويلهم إلى عملاء مأجورين للدول الغربية.

 

إنّ هذا السقوط الحضاري المدوي للغرب، والذي كشفت عنه ملفات إبستين في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي ليؤذن حقيقةً بقرب زوال الحضارة الغربية، وعودة الحضارة الإسلامية التي هي الوحيدة القادرة على ملء الفراغ القيمي الذي ينتظر من يشحنه بما يتوافق مع فطرة الإنسان وطبيعته.

 

بقلم: الأستاذ أحمد الخطواني

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع