- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-02-11
جريدة الراية: مغزى زيارة أردوغان
للسعودية ومصر
إن أول ما يجب أن ينظر إليه في زيارة أردوغان لقرينيه ابن سلمان والسيسي هو معرفة ارتباطاتهم بالدول الكبرى وخاصة الدولة الأولى في العالم، وما تريده منهم هذه الدولة في هذا الظرف؛ لكون الدول الكبرى هي التي تسيطر على الموقف الدولي وتؤثر في مسار الدول الأخرى وعلاقاتها بعضها مع بعض.
فمن خلال هذه الزيارة ونتائجها، ومن أعمالهم السابقة يتأكد ارتباط أردوغان وابن سلمان والسيسي بأمريكا الدولة الأولى في العالم، وأنها تريد منهم شيئا معينا في هذا الظرف.
ففي لقاء أردوغان بابن سلمان، أعلنا توافقهما على كل القضايا في المنطقة حسب مخططات أمريكا، فدعما خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، وقد توسلا له من قبلُ مع السيسي وأضرابهما ليخرج هذه الخطة من أجل الخروج من الإحراج أمام شعوبهم بسبب خذلانهم أهل غزة بناء على أوامر أمريكية بحجة "عدم توسيع نطاق الحرب"، أي ذروا كيان يهود يقتل ويدمر فلا تتدخلوا. وأكدوا ولاءهم لترامب باشتراكهم بمجلس سلامه لإدارة غزة الذي شكله برئاسته. فاستخفهم فرعون العصر فأطاعوه، فأغراه ذلك لأن يتمادى ويعلن أنه يريده مجلسا عالميا يحل كل قضايا العالم لحساب بلاده، بدلا من مجلس الأمن الذي تشارك فيه دول كبرى أخرى لها حق النقض بإمكانها أن تؤثر بعرقلة إقرار المشاريع الأمريكية.
ومثل ذلك في لقائه السيسي، أكد أردوغان على توافقه معه في كافة القضايا، وخاصة موضوع غزة حسب مخطط أمريكا، واتفقا على تعزيز العلاقات لتصل إلى شراكة استراتيجية شاملة.
وفي كلتا الزيارتين عقدت اتفاقيات اقتصادية واسعة لتضفي عليهما طابع التعاون بما ينفع الناس، فيمنيهم ويعدهم غرورا أن وضعهم الاقتصادي سيتحسن، ولتغطي على الأهداف السياسية الحقيقية من وراء ذلك.
وإذا حلقنا في أجواء هذه اللقاءات وتوافق أطرافها في هذا الظرف في كافة المجالات السياسية، ونحن نعرف ارتباطاتهم ومواقفهم الخيانية، وتركيزهم على موضوع غزة، فنرى أن لها علاقة بالضغوطات الأمريكية على كيان يهود الذي يماطل في تنفيذ خطة ترامب مثل الانسحاب من غزة، وخاصة بعد دخول المرحلة الثانية لتنفيذها، وما زال يواصل عدوانه عليها، وأحيانا يقتل العشرات في اليوم الواحد، ويواصل تدميره للبيوت ويعمل على تهجير أهلها، ويتلاعب في دخول المساعدات وفتح البوابات لخروج الناس وعدم عودتهم، ولا يريد لتركيا أن يكون لها دور في غزة تحت إدارة ترامب. بجانب موضوع إيران حيث يطالب أمريكا بضربها بشكل ساحق يسقط النظام، علما أنه يدور في فلك أمريكا. وتركيا ومصر والسعودية تعارض ذلك، وتدعم عقد اتفاق حول برنامج إيران النووي، ليسقط اتفاق 2015 الذي عرف باتفاق (5+1)، فتتفرد أمريكا به وتسقط الأطراف الخمسة الأخرى فيصبح (-5+1)، وليبعث ترامب برسالة لكيان يهود المدلل أن هناك دولا أخرى كتركيا ومصر والسعودية مهمة لأمريكا تؤدي أدوارا لا تقل عن دور كيان يهود ولكن بالأسلوب الناعم.
وهكذا يظهر أن أمريكا وراء زيارات أردوغان وتوافقه مع ابن سلمان والسيسي، وهو بالأمس كان يظهر أنهما خصماه، ولا يمكن أن يلتقيهما كما أعلن بعد الانقلاب على مرسي وبعد مقتل الصحفي السعودي خاشقجي. فقام وبادر لمصالحتهما وباع الإخوان وقضية خاشقجي كعادته في خذلان من يثق به. وفتح صفحة جديدة مع هذين النظامين لدعمهما حسب إملاءات أمريكا وللقيام بأعمال مهمة لها في المنطقة.
وكيان يهود لا يمكنه المخاطرة بعلاقته مع مصر. حيث يحرص على أن تكون علاقته معها جيدة لتبقى ملتزمة باتفاقية كامب ديفيد التي أخرجتها من المعركة وحفظت له الجبهة الجنوبية منطقة عازلة آمنة، وحرب غزة أثبتت ذلك، فلم يتحرك النظام المصري لنصرة أهلها وهم يتعرضون للإبادة الجماعية على مدى عامين، بل منع أي تحرك من أهل مصر لنصرة إخوانهم.
وكذلك يحرص كيان يهود على التطبيع مع السعودية وهو راض عن موقفها المتفرج تجاه ممارسته للإبادة الجماعية بغزة، وقد انصاعت لأوامر أمريكا على شاكلة كافة الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية وخاصة القريبة من فلسطين.
فتأكيد مصر والسعودية وتركيا على تعزيز العلاقات والتوافق في كل قضية، وخاصة موضوع غزة والحرص على تنفيذ خطة ترامب يحرج كيان يهود ويضطره إلى تنفيذ هذه الخطة ويقلل من دلاله على أمريكا، وكأنه يمارس ضغوطات عليها.
لقد أبدى ترامب ثقته بأردوغان ومحبته له أمام نتنياهو بالبيت الأبيض يوم 8/4/2025، فقال: "لدي علاقات رائعة مع أردوغان، وأنا أحبه وهو يحبني، وإذا كانت لديك مشاكل معه فعليك حلها معه، وأن تتصرف بعقلانية تجاهه"، وأبدى ثقته بقدراته على خداع الآخرين لحساب أمريكا كما فعل في العديد من البلاد وخاصة في سوريا على مدى 14 عاما. فما قام به هناك يعتبر عملا عظيما بالنسبة لأمريكا كما عبّر ترامب ومبعوثه برّاك. قد لعب لها دور السمسار، فاشترى الجولاني بثمن بخس، وجعله عميلا لأمريكا، فرفض عودة الإسلام للحكم في سوريا، وبدأ بمحاربة الداعين لإقامته، وحكم عليهم بعقوبات سجن وصلت إلى 10 سنين. وأعلن أنه يريد السلام والتطبيع مع كيان يهود، ولا يريد محاربته، وقد أثبت ذلك، فلم يرد ولو مرة واحدة على اعتداءاته الكثيرة، واحتلاله لجنوب سوريا، بل تشكيله خلية أمنية مشتركة معه هناك، وبدأ يخطو الخطوات السريعة نحو ذلك. بجانب دخوله التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة الإسلام.
وبذلك أجهض أهداف الثورة في سوريا حتى الآن، والتي قامت من أجل تطبيق الإسلام وإعلان الجهاد لتحرير الجولان وفلسطين، ومن أجل إسقاط نفوذ أمريكا فيها حيث كان متمثلا بالنظام السابق برئاسة بشار أسد. فجيء بمن هو أفضل منه لأمريكا لأنه يستطيع أن يخدع الناس بتظاهره بالتدين على شاكلة مربيه أردوغان وفيدان.
ولا يقال إن تعزيز العلاقات بين بلاد إسلامية يجب أن ننظر إليه بنظرة إيجابية وندعمها، لأن الموضوع له أهداف خبيثة، وليس بريئا. فهو لخدمة نفوذ أمريكا بالمنطقة وتنفيذ مشاريعها، وهو يؤكد الانفصال بين هذه البلاد وبقاء الأنظمة الفاسدة فيها والحكام الموالين للكافرين. وما يطلبه الإسلام هو قطع الحبال مع أمريكا والتمسك بحبل الله، والعمل على توحيد هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام في دولة واحدة تطبق الإسلام، وتعلن الجهاد لتحرير البلاد المحتلة، وإنقاذ المسلمين المضطهدين، والنهوض بالبلاد وتوزيع ثرواتها على أهلها لا أن تمنحها لأمريكا.
بقلم: الأستاذ أسعد منصور
المصدر: جريدة الراية



