السبت، 26 محرّم 1448هـ| 2026/07/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

أمريكا في عامها الـ250: الإمبراطورية وراء الحلم الأمريكي

 

 

 

بينما تحتفل الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، علينا تجاوز المواكب الاحتفالية والألعاب النارية إلى تاريخ تتجاهله الاحتفالات الرسمية. فأمريكا تروي عن نفسها قصة سامية عن فضيلة استثنائية، لكن التاريخ المُوثَّق هو تاريخ من الاستعمار والعبودية والإمبراطورية.

 

إن القصة التي تُروى غالباً تبدأ بمؤسسين ذوي رؤية ومسيرة ثابتة نحو "اتحاد أكثر كمالاً". لكن السجل التاريخي المُوثَّق يروي قصة مختلفة. فالتاريخ الأمريكي يبدأ بعملية إبادة جماعية. فقد فتح وصول كولومبوس فصلاً من الإفناء الجماعي لشعوب التاينو والأراواك، نُظِّم فيما بعد عبر أنظمة العمل القسري. والمستعمرات التي تلت ذلك لم تُبن على الحرية الدينية بقدر ما كانت تسعى وراء الأرض والموارد والسلطة السياسية. وقد بُني هذا السعي على العبودية. فالثروة التي تولّدت من القطن والتبغ والسكر استُخرجت عبر أجيال من العبودية والعمل القسري، وأصبحت هذه الثروة الأساس الذي قام عليه الاقتصاد الاستعماري الأمريكي في عهده المبكر.

 

لقد كان كثير من القادة البارزين في الثورة، بمن فيهم واشنطن وجيفرسون، من ملّاك الأراضي المالكين للعبيد، وكانت "إمبراطورية الحرية" التي بنوها تستثني الملايين من البشر الذين احتجزوهم في العبودية. فالاستقلال وطّد السلطة في يد نخبة من أصحاب الممتلكات، بدلاً من أن يحقق حريةً واسعةً. وواجهت الأعراق الأصلية حروباً متصاعدة ومجازر ومعاهدات منقوضة بصرف النظر عن الولاء زمن الحرب. وشهد السود، الأحرار والمستعبدون على السواء، تدهوراً في وضعهم بدلاً من التحسن، وكانت النساء الأكثر فقراً والأقل مكانةً، ووجد أغلب العمال الأمريكيين البيض أن الاستقلال السياسي لم يغيّر كثيراً من واقع حياتهم اليومية.

 

لقد شهد التوسع الغربي في القرن التاسع عشر حروب عدوان وتطهير عرقي للسكان الأصليين بلباس لغة "القدر المتجلي" (Manifest Destiny)، وهي في حقيقتها استعمار استيطاني أُلبس لباس الرسالة الإلهية. فقانون إزالة الهنود لعام 1830، ومسيرة الدموع، ومجزرتا ساند كريك ووندد ني لم تكن حوادث مؤسفة بل سياسة متعمدة. والحرب الأمريكية المكسيكية، حرب العدوان، جرّدت المكسيك من نحو نصف أراضيها بموجب معاهدة غوادالوبي هيدالغو.

 

إن التحرر من العبودية لم يفكك الاستغلال العرقي والاقتصادي، بل أعاد تشكيله في قوالب قانونية جديدة. فقوانين السود (Black Codes) أفسحت الطريق لقوانين "جيم كرو"، وأعاد نظام "المزارعة بالحصة" إنتاج اقتصاديات العبودية، وقايضت تسوية عام 1877 الحماية الفيدرالية بمصلحة سياسية. ولم تكن حركة الحقوق المدنية التي تلت ذلك تنازلاً ممنوحاً من الدولة، بل كانت استجابة شاقة لعقود من الإرهاب الذي ترعاه الدولة. وتقدّم التفاوت الداخلي والتوسع الخارجي معاً؛ فبينما جمع أصحاب الصناعات ثروات هائلة، وحرّكت الدولة قواتها ضد العمال المحتجين في هومستيد وبولمان، انقلب الاقتصاد السياسي نفسه نحو الخارج، فضمّ هاواي، وشنّ الحرب الإسبانية الأمريكية، وخاض حرب مكافحة تمرد في الفلبين قتلت ما يُقدّر بنحو 200 ألف من المدنيين.

 

وقد تكرر هذا النمط في القرن العشرين على نطاق أوسع، فشهد قمعاً للمعارضة زمن الحرب العالمية الأولى، واعتقال نحو 120 ألفاً من الأمريكيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، وانقلابات في زمن الحرب الباردة في إيران وغواتيمالا وتشيلي وغيرها، وكذبة خليج تونكين التي صعّدت حرب فيتنام، وقد استهدفت برامج تجسس داخلي مثل "كوينتلبرو" (COINTELPRO) نشطاء الحقوق المدنية ومعارضي الحرب.

 

ولم ينتهِ هذا النمط؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية، غزت أمريكا أو قصفت أو زعزعت استقرار 70 دولة، وكان للبلاد الإسلامية النصيب الأكبر من هذا السجل في العقود الأخيرة. فقد أسفرت "الحرب على الإرهاب" عما يزيد عن 4.5 إلى 4.7 مليون قتيل، وتسببت في تشريد 38 مليون إنسان. ومنذ عام 2001، أسقطت أمريكا ما يُقدّر بمعدل 46 قنبلة يومياً على بلدان إسلامية. والإبادة الجماعية الجارية حالياً في غزة، والتي ترعاها أمريكا هي استمرار لتاريخها التأسيسي.

إن الإمبريالية الأمريكية تتبع نمطاً ثابتاً عبر قرنين ونصف من الزمن. فقد بُرر التوسع بأنه من أجل الحضارة أو التحرير أو مكافحة الشيوعية أو مكافحة الإرهاب، بدلاً من المصلحة الاستعمارية الصريحة في تأمين الموارد والأسواق للشركات، واستخدام مؤسسات كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لزعزعة استقرار الدول أو إخضاعها اقتصادياً. وقد بقيت القوة العسكرية، منذ حروب الموز (Banana Wars) المبكرة وصولاً إلى التدخلات المعاصرة، تحمي باستمرار تلك المصالح الاقتصادية على حساب حقّ الشعوب المحلية في تقرير مصيرها، مُنتِجةً سجلاً طويلاً من الأنظمة التي نُصِّبت ودُعمت وأُبقيت قائمة، من أمريكا اللاتينية إلى البلاد الإسلامية. ومع أن الاستعمار الرسمي أصبح غير مقبول سياسياً بعد الحرب العالمية الثانية، تحوّلت السيطرة إلى وسائل خفية كالانقلابات والدعاية المغرضة وبرامج الاغتيال. وفي العقود الأخيرة أصبح هذا النهج أكثر علانيةً ومباشرةً وصراحةً. وتوَسع استخدام أنظمة المراقبة والشرطة ضد المعارضين والمجتمعات من (الأقليات)، وكان المسلمون في مقدمة الفئات المستهدفة في الداخل الأمريكي.

 

نظرة إسلامية

 

إن القرآن الكريم في حديثه عن الأمم القوية الغابرة لا يقيسها بمنجزاتها المادية أو الحضارية، بل بظلمها وجورها. فقد ذكر الله سبحانه وتعالى عاداً وثمود وفرعون بوصفها أمماً ذات صروح شاهقة وقوة هائلة. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [سورة الفجر: 6-14]

 

لقد أُرسل الأنبياء هود وصالح وموسى عليهم السلام لدعوة هذه الأمم للرجوع عن الظلم، لكن تحذيراتهم لم يُصغَ لها. ويختزل الله سبحانه وتعالى الروايات الحضارية للإمبراطوريات العظيمة في حكمٍ واحد: ظالمة، جائرة، متكبّرة. ورغم الدعاية القوية لـ 250 عاماً من الاستقلال، فإن حقيقة أمريكا أنها إمبراطورية استعمارية أحدثت دماراً واسعاً في العالم. فالإمبريالية الأمريكية وظلمها وتعاليها هي نتائج طبيعية لأساسها الفكري المتمثل في الليبرالية العلمانية والرأسمالية.

فنحن بوصفنا مسلمين، لسنا بحاجة للاحتفال بمرور 250 عاماً على حضارة فرعونية. وفي المقابل، فإن الحضارة الإسلامية تحت ظل الخلافة لها سجل موثّق في تحقيق العدل والسلام عبر قرون من الحكم. فقد حمت رعاياها من غير المسلمين وحافظت على أماكنهم الدينية. وحكمت الناس دون اللجوء إلى الاستعمار أو التطهير العرقي. ورفعت مستويات المعيشة، وحافظت على البيئة، ودفعت بالعلم والتعليم إلى الأمام، وشرّفت المرأة وحافظت على كرامتها. وأسّست مجتمعاً تعايشت فيه أعراق متنوعة وازدهرت عبر القارات. وهذا ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو نظامٌ حضاريٌ بديل، يقوم على الوحي لا على القانون الوضعي، وعلى العدل لا على القوة الإمبراطورية. فبينما تحتفل أمريكا بإمبراطورتيها الاستعمارية، يملك المسلمون رحمة الإسلام ليقدموها للناس. والخلافة ليست أثراً من الماضي، بل هي ضرورة عصرية لتحقيق العدل والسلام الحقيقيين، وإخراج الإنسانية من ظلمات الليبرالية العلمانية والرأسمالية.

 

والسؤال هو: هل سيكون هذا الجيل هو الجيل الذي يعيد إحياءها، وهل سنكون جزءاً من ذلك؟

 

 

التاريخ الهجري :15 من محرم 1448هـ
التاريخ الميلادي : الثلاثاء, 30 حزيران/يونيو 2026م

حزب التحرير
أمريكا

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع