التقرب إلى الله بالنوافل -
- نشر في من حضارتنا
- قيم الموضوع
- قراءة: 1475 مرات
حيَّاكُمُ اللهُ مَعَنَا مِنْ إذَاعَةِ المكتَبِ الإعْلامِيِّ لِحِزبِ التَّحرير , حَيثُ نلتَقِي بِكُم مُجدَّداً , فِي فِقرَاتِنَا المـُتتابِعَةِ مِنْ سِلسِلةَ خُلفَاءُ وَرَعِيَّة , الَّتِي نقفُ فِيهَا عَلَى مَواقِفَ لخلفاءِ المسلِمِينَ فِي حُكمِهِم للبِلادِ وَالعِبادِ نعتزُّ بِهَا , فنُباهِي بعدلهِم الأُمَمَ فأهلاً وَمَرحباً بِكُم.
وَسيَكونُ حَديثُنا لِهَذَا اليَوم عَنْ خَليفةٍ امتَلأَتِ الأَرْضُ بِدَويِّ عَدلِهِ , إنَّهُ الفَارُوقُ عُمرُ بنُ الخطَّابِ t وأرضَاه.
كانَ "عمرُ بنُ الخطَّابِ" نمَوُذجاً فرِيداً للحَاكمِ الَّذِي يَستشعِرُ مسؤُوليَّتًهُ أمَامَ اللهِ وأَمامَ الأمَّة، فَقَدْ كَانَ مِثالاً نادراً للزِّهدِ والوَرَعِ، وَالتَّواضُعِ والإحسَاسِ بثِقَلِ التَّبِعَةِ وَخُطُورَةِ مسؤُوليَّةِ الحُكم، حتَّى أنَّهُ كانَ يخرُجُ ليلاً يتفقَّدُ أحوالَ المسلِمينَ، وَيلتَمِسُ حَاجَاتِ رَعيَّتهِ الَّتي استَودَعَهُ اللهُ أمَانتَهَا، وَلهُ فِي ذَلكَ قِصصٌ عجِيبَة، مِنْ ذَلكَ مَا رُوِيَ أنَّه بينَمَا كَانَ يَعِسُّ بالمدِينةِ إذَا بِخيمَةٍ يَصدُرُ مِنهَا أنِينُ امرَأة، فلمَّا اقترَبَ رَأى رَجُلاً قاعِداً فَاقتَرَبَ مِنهُ وَسلَّمَ عَلَيه، وَسأَلَه عَن خَبَرهِ، فَعلِمَ أنَّه جَاءَ مِنَ البَادِيَةِ، وَأنَّ امرَأتَهُ جَاءَها المخَاضُ وَليسَ عِندَهَا أحَدٌ، فانْطلقَ عُمرُ إلَى بَيتِهِ فقَالَ لامرَأتِهِ "أمُّ كُلثوم": هَلْ لَكِ فِي أجرٍ سَاقَهُ اللهُ إلَيكِ؟ فَقالَت: وَمَا هُو؟ قالَ: امْرأةٌ غَريبةٌ تَمخُضُ وَليسَ عِندَها أحَدٌ. قالَت :نَعَم إنْ شِئتَ, فَانطلقَتْ مَعَهُ، وَحمَلتْ إليَهَا مَا تحتَاجُهُ مِنْ سَمنٍ وَحُبُوبٍ وَطعَام، فَدخَلتْ عَلى المـَرأةِ، وَراحَ عُمرُ يُوقِدُ النَّار حتَّى انبعَثَ الدُّخانُ مِن لحيتِهِ، وَالرَّجلُ يَنظرُ إليهِ مُتعجِّباً وَهُوُ لا يَعرِفُهُ، فَلمَّا وَلدَتْ المرأةُ نَادتْ أمُّ كُلثوم "عُمَر" يَا أمِيرَ المؤْمنِين، بَشِّر صَاحِبَكَ بغُلام، فَلمَّا سَمِعَ الرَّجلُ أخَذَ يترَاجَع وَقدْ أخذَتهُ الهيبَةُ والدَّهشَة، فَسكَّنَ عُمرُ مِنْ رَوعِهِ وَحملَ الطَّعامَ إلَى زَوجتِهِ لتُطعِمَ امرأَة الرَّجل، ثُمَّ قامَ وَوضعَ شَيئاً مِنَ الطَّعامِ بينَ يَديِ الرَّجُل وَهُوَ يَقُولُ لَه: كُل وَيحكَ فَإنَّكَ قَد سَهِرتَ اللَّيل.
وَكانَ "عُمرُ" عَفيفاً مترفِّعاً عَن أمْوالِ المسلِمين، حَتَّى إنَّه جَعلَ نفقَتَه وَنفقَةَ عِيالهِ كُلَّ يومٍ دِرهمَين، فِي الوَقتِ الَّذي كَانَ يأتِيهِ الخرَاجُ لا يَدرِي لَهُ عَدَّاً فَيُفرِّقهُ عَلَى المسلِمِين، وَلا يُبقِي لِنفسِه مِنهُ شَيئَاً.
وَكانَ يَقُول: أنزَلتُ ماَل اللهِ مِنِّي مَنزِلةَ مَالِ اليَتِيم، فإنْ استَغنَيتُ عَففْتُ عَنه، وإنِ افتقَرتُ أكَلتُ بالمعرُوفِ.
وَخرَجَ يوماً حتَّى أتَى المنبَر، وَكانَ قَدِ اشتَكَى ألماً فِي بَطنهِ فوُصِفَ لهُ العسَل، وَكانَ فِي بَيتِ المالِ آنِيةٌ مِنه، فقَالَ يَستأذِنُ الرَّعِيَّة: إنْ أذِنتُم لِي فِيهَا أخَذتُها، وَإلا فَإنهَّا عَليَّ حَرَام، فَأذِنوا لهُ فِيهَا.
وَمِنْ مَواقِفِه المشرِّفةِ الَّتِي تُميِّزهُ كحَاكِمٍ يحكُمُ بِشَرعِ اللِه أنَّهُ دَخلَ حُذيفَةُ t يَوماً علَى عُمرِ بْنِ الخطَّابِ t فَوَجدَهُ مَهمُومَ النَّفسِ بَاكِيَ العَينِ , فسَألهُ :مَاذَا يَا أمِيرَ المؤْمِنِين ؟؟فأجَابَ عُمرُ : " إنِّي أخافُ أنْ أخطِيءَ فَلا يَردَّنِي أحدٌ مِنكُم تعظِيماً لِي", فقالَ حُذَيفَةُ لهُ :" وَاللهِ لَو رَأينَاكَ خَرجْتَ عَنِ الحقِّ لرَدَدْنَاكَ إلَيهِ". ففَرِحَ عُمرُ واستَيشَرَ قَائِلاً :" الحمدُ للهِ الَّذِي جَعلَ لِي أصحَاباً يُقوِّمُونَنِي إذَا اعْوَجَحت".
وَكانَ أنْ صَعدَ عُمرُ المنبَرَ يَوماً فقَال :" يَا معشَرَ المسلِمِين , مَاذَا تَقُولُونَ لَو مِلتُ بِرأسِي إلَى الدَّنيَا هَكذَا؟" فيَشُقٌّ الصُّفوفَ رَجُلٌ وَيقُول وَهُو يُلوِّحُ بِذرَاعهِ كأنَّها حُسامٌ ممشُوق,"إذَن نَقُولُ بالسَّيفِ هَكذَا "فيسَألهُ عُمرُ :"إيَّايَ تعنِي بِقولِك؟ فيُجِيبُ الرَّجُلُ :نعَم إيَّاكَ أعنِي بِقولِي. فتُضِيءُ الفَرحَةٌ وَجهَ عُمَر , وَيقُول :"رَحِمَكَ اللهُ, والحمدُ للهِ الَّذِي جَعلَ فِيكُم مَن يُقوِّمُ عَوَجِي."
وَمِنْ مَواقفِهِ t فِي سمَاعِ رَعيَّتهِ أنَّه خطبُ النَّاسَ يَوماً فقَال : "لاتَزيدُوا مُهورَ النِّساءِ عَلَى أربَعينَ أُوقيَّة , فمَنْ رادَ ألقَيتُ الزِّيادَةَ فِي بَيتِ المالِ"فتَنهضُ مِنْ صفُوفِ النِّساءِ سيِّدةٌ تقُول : مَا ذَاكَ لَك ..فيسألهُا: "وَلم ؟فتُجيبُه : لأنَّ اللهَ تعَالَى يَقُول :{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (النساء:2)فيتَهلَّلُ وَجهُ عُمَر , وَيبتَسِمُ وَيقُولُ عِبَارَتَهُ:"أصَابَتِ امرأَةٌ , وَأخطأَ عُمَر."
هَذهِ مواقِفُ قليلةٌ منْ مَواقفَ كَثيرة ٍشرَّفَ بِهَا عُمرُ تارِيخَ المسلِمين , وَكانَ مِنْ رَعَايتهِ للمُسلِمينَ مَا
اتَّسمَ عَهدُهُ tمِنَ الإنجَازاتِ الإدَاريَّةِ والحضَاريَّة، لَعلَّ مِنْ أهمِّهَا أنَّهُ أوَّلُ مَنْ اتَّخذَ الهِجرَةَ مَبدأً للتَّاريخِ الإسلاميّ، كمَا أنَّه أوَّلُ مَن دَوَّنَ الدَّواوِين، وَ أوَّلُ مَنِ اتَّخذَ بَيتَ المالِ، وَأوَّلُ مَن اهتَمَّ بإِنشاءِ المـُدنِ الجدِيدَةِ، وَهُو مَا كانَ يُطلقُ عَليهِ "تمصِيرُ الأمصَار".
فتِحتْ فِي عَهْدِهِ بلادُ الشَّامِ وَ العِرَاق وَ فارِس وَ مِصرَ وَ طرَابلُسِ الغَربِ وأذربِيجَان وَغيرِهَا. وَ بُنيَت فِي عَهدِهِ البَصرةُ وَالكُوفَة. وَكانَ عُمرُ أوَّلُ مَنْ أخرَجَ اليَهودَ مِنَ الجزِيرَةِ العربيَّةِ .
نَعَم هَكذَا كَانَ خُلفاءُ المسلِمِينَ يَحكُمون بِكتَابِ اللهِ وَسنَّةِ نبيِّهِ , لا يَظلِمُون الرَّعِيَّةَ وَلا يَهمُّهُم مِن حُكمِهِم إِلا مَرضَاةِ اللهِ تَعَالَى لا مَرضَاةَ أنُفسِهِم , رَحمَكَ الله يَا عُمَر وَأعَادَ لنَا أيَّامك , وَالسَّلامُ عَليكُم وَرحمَةُ اللهِ تَعالَى وَبرَكاتُهُ .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي. رواه البخاري
جاء عند الإمام ابن حجر في فتحه بتصرف يسير " قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( خَمِيصَة ), كِسَاء مُرَبَّع لَهُ عَلَمَانِ, وَالْأَنْبِجَانِيَّة كِسَاء غَلِيظ لَا عَلَم لَهُ, وَقَالَ ثَعْلَب : يُقَال كَبْش أَنْبِجَانِيّ إِذَا كَانَ مُلْتَفًّا , كَثِير الصُّوف . وقَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِلَى أَبِي جَهْم ) هُوَ عُبَيْد اللَّه - وَيُقَال عَامِر- بْن حُذَيْفَة الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيِّ صَحَابِيّ مَشْهُور, وَإِنَّمَا خَصَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِرْسَالِ الْخَمِيصَة; لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة قَالَتْ " أَهْدَى أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَة لَهَا عَلَم فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاة, فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ : رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَة إِلَى أَبِي جَهْم " قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ ثَوْبًا غَيْرهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ هَدِيَّته اِسْتِخْفَافًا بِهِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلْهَتْنِي) أَيْ شَغَلَتْنِي.
قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (آنِفًا) أَيْ قَرِيبًا.
قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَنْ صَلَاتِي) أَيْ عَنْ كَمَالِ الْحُضُور فِيهَا, كَذَا قِيلَ, وَالطَّرِيق الْآتِيَة الْمُعَلَّقَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَقَع لِقَوْلِهِ " فَأَخَاف".
قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ مُبَادَرَة الرَّسُول إِلَى مَصَالِح الصَّلَاة, وَنَفْي مَا لَعَلَّهُ يَخْدِش فِيهَا. وَأَمَّا بَعْثه بِالْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم فَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْمِلهَا فِي الصَّلَاة. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ كَرَاهِيَة كُلّ مَا يَشْغَل عَنْ الصَّلَاة مِنْ الْأَصْبَاغ وَالنُّقُوش وَنَحْوهَا. وَفِيهِ قَبُول الْهَدِيَّة مِنْ الْأَصْحَاب وَالْإِرْسَال إِلَيْهِمْ وَالطَّلَب مِنْهُمْ. "
مستمعينا الكرام: الفرائضُ كثيرةٌ، ومنها الصلواتُ الخمسُ فلْنحرصْ على أدائِها كلٍّ في وقتِها، قال تعالى: )وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (وقد حذّرَ الشرعُ مِنَ التّهاوُنِ في أمرِها حيثُ قال عليه وعلى آله الصلاةُ والسلام "مَن هانَتْ عليه صلاتُه، كان على اللهِ عزَّ وجلَّ أهون" وممّا يُنْسَبُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز رحمه اللهُ قولُه " فإنّه مَن يضيِّعْ الصلاةَ فهو لِما سِواها من شرائعِ الإسلامِ أشدُّ تضييعا" وذلك يعني أنّ من يفرِّطُ في أمرِ الصلاةِ فلا يكونُ أميناً صادقاً في حملِ الدعوةِ والانتسابِ إلى الإسلام.
وطَلَبُ المحافظةِ على الصلاةِ لا يقتصرُ عليه، فقد طلبَ سبحانه وتعالى أنْ يأمُرَ الرسولُ أهلَهُ بالصلاةِ ويصبِرَ على مشاقِّها حيث قال: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى )، وقد حث الشرعُ على صلاةِ الجماعةِ وحذّرَ من ترْكِها وقد سمعَ النداء، قال عليه وعلى آله الصلاةُ والسلام: " الجفاءُ كلُّ الجفاءِ والكفرُ والنفاقُ على من سمعَ مُناديَ اللهِ ينادى يدعوهُ إلى الفلاحِ ولا يُجيبُه" وأخرج الحاكمُ في مُستدْرَكِهِ عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلّم:" ثلاثةٌ لعَنَهُمُ اللهُ: مَن تقدّمَ قوماً وهم له كارهون، وامرأةٌ باتَتْ وزوجُها عليها ساخط، ورجلٌ سمعَ حيَّ على الصلاةِ حيّ على الفلاحِ ثمّ لم يُجِبْ " وقد أمَرَ أبو بكرٍ الصدّيقُ رضي الله عنه ولَدَهُ عبدَ اللهِ أنْ يطلِّقَ زوجَتَهُ عاتكةَ بنتَ زيدٍ بعد أن شغَلَتْهُ عن صلاةِ الجماعةِ فانْصاعَ لأمرِ أبيهِ رضي الله عنهما.
وينبغي الخشوعُ في الصلاةِ والتّفهُّمُ لمعنى الكلامِ ويكونُ ذلك بِقَطْعِ الخواطرِ عن كلِّ ما يُشغِلُ السّمعَ والبصرَ وذلك بالقُربِ من القِبلةِ والنظرِ إلى موضعِ السجودِ والاحترازِ من المواضعِ المنقوشةِ وأنْ لا يَتْرُكَ عندَه ما يُشغِلُ حِسَّهُ فإنّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمّا صلّى في انْبجانِيّةٍ لها أعلامٌ نَزَعَها وقال: "إنها ألْهَتْنِي آنِفاً عن صلاتي " وعلى مَنْ يريدُ الصلاةَ أن يقْضِيَ أشغالَهُ قبل الصلاةِ ويَذكُرَ الآخرةَ وخَطَرَ القيامِ بين يديْ اللهِ عزّ وجلَّ وهولَ المَطلَعِ وأن يكونَ راجياً بِصَلاتِهِ الثّوابَ كما يخافُ من تقصيرِهِ العِقاب.
وهذه صُوَرٌ من صلاةِ السّلَفِ الصالحِ رحمهم اللهُ جميعا: عن محمدِ بنِ أبي حاتِمٍ الورّاقِ قال: دُعِيَ مُحمّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ إلى بُستانِ بعضِ أصحابِه، فلمّا حضرتْ صلاةُ الظُّهرِ صلّى القومُ، ثم قام للتطوّعِ فأطالَ القيام، فلمّا فرَغَ من صلاتِهِ رفعَ ذيْلَ قميصِهِ فإذا زُنْبورٌ قد أَبَرَهُ في ستَّةَ عَشَرَ موضِعا، وقد تورّمَ من ذلك الجسدُ وكانتْ آثارُ الزُّنبورِ في جسدِهِ ظاهرةً، فقال له بعضُهُمْ كيف لم تخرجْ من الصلاةِ في أوّلِ ما أَبَّرَك؟ فقال: كنتُ في سورةٍ فأحببتُ أن أُتِمَّها.
قال عمرُ بنُ عبدِ العزيز يوماً لابنِ أبي ملكيّة: صِفْ لنا عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ فقال: واللهِ ما رأيتُ نَفْساً رَكِبَتْ بين جَنْبَيْنِ مثلَ نَفْسِه، ولقد كان يدخلُ في الصلاةِ فيخرُجُ مِنْ كلِّ شيءٍ إليها، وكان يركعُ أو يسجُدُ فتقفُ العصافيرُ فوقَ ظهرِهِ وكاهلِهِ، لا تحسَبُهُ من طولِ ركوعِهِ وسجودِهِ إلا جِداراً أو ثوباً مطروحا، ولقدْ مرّتْ قذيفةُ مَنْجَنِيقٍ بين لِحْيَتِهِ وصدرِهِ وهو يصلي، فواللهِ ما أحَسَّ بها، ولا اهتزَّ لها، ولا قَطَعَ مِنْ أجلِها قراءَتَهُ ولا تعجَّلَ ركوعُه.
قال اللّه تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
وقال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}.
روي البخاري في صحيحه أن عائشة رضي اللّه عنها قالت: " إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان بين يديه علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا اللّه إن للموت لسكرات ثم نصب يديه فجعل يقول إلى الرفيق الأعلى حتى قبض "
اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعل معونتك العظمى لنا سندا
وردت في فضل السُّحور عدة أحاديث منها :
- عن عبد الله بن الحارث ، يحدِّث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:" دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متسحِّر ، فقال : إنها بركة أعطاكم الله إياها ، فلا تدَعُوه " رواه النَّسائي وأحمد .
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" تسحَّروا فإن في السَّحور بركة ". رواه البخاري ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي .
- عن المقدام بن مَعْدِ يكَرِب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" عليكم بغداء السُّحور فإنه هو الغداء المبارك " رواه أحمد والنَّسائي ، وسنده صحيح - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين " رواه ابن حِبَّان بسند صحيح . ورواه أبو نُعَيم والطبراني في المعجم الأوسط . ورواه أحمد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه .
فالسحور بركة أعطانا الله إياها ، والله وملائكته يصلَّون علينا ونحن نتسحَّر ، ويُفضَّل السُّحور بالرُّطبِ وإلا فبالتمر وتحصل بَرَكة السُّحور بجرعة من ماء . والسُّحور هو فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ، ولو لم يكن من فضلٍ للسُّحور إلا صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِهِ على المتسحرين لكفى . وقد روى أحمد فضائل السُّحور في حديث واحد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { السَّحور أكلُهُ بركةٌ فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدُكم جُرعةً من ماء فإن الله عزَّ وجلَّ وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين " فليحرص الصائم على تناول طعام السحور ليحصِّل هذه الفضائل .
الحمد لله الذي فـتح أبواب الجـنـان لعباده الصائمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسـلين، المبعوث رحمة للعالمين، وآله وصحبه الطيـبين الطـاهرين، ومن تبـعه وسار على دربه واهتدى بهديه واستـن بسنــته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، أمـا بعد:
اجتمعت على الدولة العباسية في النصف الأول من القرن الثالث الهجري قوتان رهيبتان:
الأولى: المجوسية متجسمة في أتباع بابك الخـرمي، الذي قتل من المسلمين والمسلمات في عشرين سنة مائتين وخمسة وخمسين ألفا.
والثانية: البيزنطية متكئة على جيوش ثيوفلس بن ميخائيل ملك القسطنطينية والأناضول، الذي رصد لحرب المسلمين مائة ألف جندي أو يزيدون.
ولما ضيقت الجيوش الإسلامية الخناق على بابك، وقامت بحركات عسكرية واسعة في الشرق، لم يسبق لها نظير في تاريخ الحروب، كانت الرسائل دائرة حينئذ بين عدوي الإسلام ثيوفلس وبابك نصير المجوسية. فبادر ثيوفلس إلى حرب المسلمين في الشمال؛ ليخفف الضغط عن بابك الخـرمي في الشرق، فبينما الفيالق المحمدية تخوض الموت خوضا في أذربيجان وأرمينيا، للبطش بزعيم المجوسية، كان ثيوفلس يغدر في البلاد الإسلامية التي على حدود الأناضول مثل ملطية وزبطرة وغيرهما، فيسبي المسلمات، ويسمل أي يفقأ عيون الشيوخ المسلمين، ويقطع أنوف أطفالهم وآذانهم، وقد ارتكب من الفظائع ما تقشعر له الأبدان، منتهزا خلو هذه الديار من الجيوش الكافية المشغولة بحرب بابك.
وكان من بين النساء المسلمات اللاتي ساقهن ثيوفلس من زبطرة إلى عمورية بالقرب من أنقرة، سيدة من نساء بني هاشم، ممتلئة بالعزة والأنفة والشجاعة والشرف، وكانت ترى أن كل ما في الدنيا من عزة وشجاعة وشرف متمثل في نفس الخليفة أمير المؤمنين، المعتصم بن هارون الرشيد؛ لأنه إمام المسلمين، وقائد جيوشهم، فهو ـ بمن تحت إمرته من ملايين الأسود، وبما هو قائم من نـصرة دين الله ـ قادر على أن يزيل عن رعيته كل بؤس مهما كان شديدا !
وفي ضحوة يوم من أيام الشتاء، سنة ثلاث وعشرين ومائتين هجرية، آذار سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ميلادية، كان أمير المؤمنين جالسا في قصره العظيم بمدينة (( سر من رأى)) ومن حوله حشمه وأهل قصره، فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين، شيخ مسلم بالباب، هارب من أسر الروم، يريد المثول بين يديك.
فلما أذن له دخل فقال: يا أمير المؤمنين، جئتك من عمورية، المجاورة لأنقرة، وكنت أسيرا فيها، فسمعت سيدة مسلمة من أسرى زبطرة تنادي ـ رغم ما بينك وبينها من جبال ومفاوزـ وامعتصماه! فجئتك هاربا من أسرهم، مقتحما صنوف الأخطار؛ لأبلغك صوتها!
فلما سمع الخليفة أمير المؤمنين، المعتصم بن هارون الرشيد مقالة ذلك الشيخ نهض في الحال مجيبا نداءها: لبيك ، لبيك! ودعا إليه عبد الرحمن بن إسحاق قاضي بغداد، وشعبة بن سهل، أحد كبار العلماء، وثلاثمائة وثمانية وعشرين رجلا من أهل العدالة، فقال لهم:
إني ذاهب في سبيل الله؛ لأنقذ تلك المرأة المسلمة التي دعتني من أعماق بلاد الروم، وقد لا أعود إليكم، فاشهدوا أني وقفت جميع ما أملكه من الضياع، فجعلت ثلثا لولدي، وثلثا لله تعالى، وثلثا لموالي.
ثم أمر من صاح في قصره: النفير، النفير! ثم امتطى صهوة جواده، وأخذ معه حقيبة فيها زاده، وأصدر أوامره بأن تكون الجيوش التي تلحق به أعظم جيوش سالت بها الأباطح قبل ذلك اليوم!
فما زالت الجيوش تتبعه يوما بعد يوم، يسلك بعضها إلى أنقرة وعمورية طريق الساحل إلى جانب طرطوس ومرسين، ومنها إلى قونية فمدينة أنقرة.
والجيوش الأخرى اتبعت الطرق الداخلية بقدر ما تحتمله تلك الطرق من الجيوش، وما زالوا كذلك حتى اخترقوا الأناضول ومعاقله وحصونه، فوصلوا إلى أنقرة في ربيع سنة ثلاث وعشرين ومائتين هجرية، ثمان وثلاثين وثمانمائة ميلادية، فدمرها المعتصم على رؤوس أهلها.
ولما انتهى المعتصم من هذه المدينة، سار إلى عمورية، فكانت أمنع مدائن البيزنطيين، وأعز على الروم من القسطنطينية نفسها، فنزل على حصونها وأبراجها وأسوارها، وكانت أمنع أسوار عرفت إلى ذلك العهد، فما زال يلح عليها بمجانيقه ورهيب آلاته، حتى دخلها في شهر رمضان في تلك السنة، وكان أول ما طلبه الوصول إلى السيدة التي استجارت به وهي في سجنها، فقال كلمته الأولى: لبيك، لبيك!
وقد ثبت بالتاريخ أن أمير المؤمنين المعتصم كان يدير الحركات العسكرية بنفسه في هذه الوقائع، ويصدر الأوامر اليومية إلى جيوش كانت منه على مسافة أيام. وهو الذي رسم خطط هذه الحرب، وعين للقواد مراكزهم، ومناطق هجومهم.
ولما تفرغ المعتصم من بابك وقتله وأخذ بلاده، استدعى الجيوش لتأتي بين يديه، وتجهـز جهازا لم يجهـزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب، والدواب والنفط والخيل والبغال شيئا لم يسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال، وعبأ جيوشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر قريب من طرسوس.
وقد ركب ملك الروم في جيشه فقصد نحو المعتصم فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل أحد قادة المسلمين بلاد الروم من ناحية أخرى فجاءوا في أثره وضاق ذرعه بسبب ذلك. فسار إليه ملك الروم في شرذمه من جيشه واستخلف على بقية جيشه قريبا له، فالتقيا هو وأحد قادة جيش المسلمين، فثبت له القائد، وقتل من الروم خلقا كثيرا، وجرح آخرين وتغلب على ملك الروم، وبلغه أن بقية الجيش قد شردوا عن قرابته، وذهبوا عنه، وتفرقوا عليه، فأسرع الأوبة، فإذا نظام الجيش قد أنحل، فغضب على قرابته وضرب عنقه!
وجاءت الأخبار بذلك كله إلى المعتصم، فسره ذلك وركب من فوره، وجاء إلى أنقره فوجد أهلها قد هربوا منها، ثم فرق المعتصم جيشه ثلاث فرق: الميمنة والميسرة والقلب، وجعل بين كل عسكرين فرسخان، وأمر كل أمير أن يجعل لجيشه ميمنة وميسرة وقلبا ومقدمة وساقة، وأنهم مهما مروا عليه من القرى حرقوه وخربوه وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدا إلى عمورية، وكان بينها وبين مدينة أنقره سبع مراحل، فأول من وصل إليها من الجيش أمير الميسرة ضحوة يوم الخميس، لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دورة، ثم نزل على ميلين منها، ثم قدم المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعده، فدار حولها دورة، ثم نزل قريبا منها، وقد تحصن أهلها تحصنا شديدا، وملئوا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدا ذات سور منيع، وأبراج عالية كبار كثيرة!
وقسم المعتصم الأبراج على الأمراء، فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام، وخرج إلى الخليفة فأسلم، وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل، وبني بناء ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية، فكان أول موضع انهدم من سورها، ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة، فألح عليها بالمنجنيق، فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر، فلم تغن شيئا، وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ، فكتب نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم.
فلما اجتازوا الجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما: ممن أنتما فقالا: من أصحاب أمير سموه من أمراء المسلمين، فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب من نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين، وعلى مناجزتهم القتال، كائنا في ذلك ما كان.
فلما وقف المعتصم على ذلك، أمر بالغلامين فخلع عليهما من عطاياه، فأسلما من فورهما، فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد، وأن يوقفا فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتبه نائب البلد إلى ملك الروم، فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما. ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة، فضاقت الروم ذرعا بذلك وألح عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب.
ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور، وكان قد غنم في الطريق غنما كثيرا جدا، ففرقها في الناس، وأمر أن يأكل كل رجل رأسا، ويجيء بملء جلده ترابا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام. ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه، فلم يحوجه الله إلى ذلك.
وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لكن لم يكن ما هدم ليسع الخيل والرجال إذا دخلوا وقوى الحصار، وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه! فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار فذهب أحد الأمراء يطلب نجدته، فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون في حفظه!
فلما يئس ذلك الأمير منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به، فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم، ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها، فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها، وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت، فأحرقوا عن آخرهم!
ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه نائب عمورية، وهو حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه النائب فناداه المنادي: ويحك أيها النائب هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك فقالوا: ليس النائب ههنا مرتين، فغضب الخليفة المعتصم من ذلك، فرجع ونصب السلالم على الحصن، وطلعت الرسل إليه فقالوا له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين، فتمنع ثم نزل متقلدا سيفا، فوضع السيف في عنقه، ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم، فضربه بالسوط على رأسه، ثم أمر به أن يمشي إلى مضرب الخليفة مهانا فأوثق هناك!
وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف، فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب، لئلا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعا إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة، وكانت إقامته على عمورية خمسة وعشرين يوما.
وكان هذا النصر العظيم للدولة العباسية على الروم في الأناضول، بعد نصرها العظيم على المجوسية في فتنة بابك التي دامت عشرين سنة أصدق برهان على أن الله يصدق وعده بنصر المسلمين كلما أخلصوا دينهم لله، واشتروا الحياة الأبدية بثمن رخيص، وهو هذه الحياة القصيرة، ومتعتـها الحقيرة، فرحم الله أياما كان فيها المسلمون مسلمين حقا، وعجـل الله أياما يعز فيها الإسلام وأهله، ويذل فيها الكفر وأهله.
وختاما إخوة الإيمان: نسأل الله عز وجل، في هذا اليوم المبارك من أيام شهر رمضان الفضيل، أن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة، وأن يجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. وأن يعيد لأمة الإسلام أيام عزها ومجدها ويمكن لها في الأرض، نسأله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك قريبا وعلى أيدينا وفي رمضان. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكـم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أبو إبراهيم
الحمد لله رب العالمين حمد التائبين الطائعين المخلصين وصلي اللهم على سيدنا محمد المبعوث هدى ورحمة للعالمين وبعد،
يقول الله عز وجل (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله...)
أرسل الله تعالى سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) لهداية الناس، كل الناس، لإظهار هذا الدين (الإسلام) على كل دين على كل ديانة، لإظهاره على النصرانية واليهودية وعلى كل اعتقاد، وإظهار الإسلام هو إظهار عقيدته وما ينبثق عنها من أحكام وتشريعات، وما تضمنته من عبادات ومعاملات وعلاقات، تقوم على تنفيذ العقيدة دولة تحكم بهذه النظم والتشريعات، فهي (الدولة) هي الطريق الشرعية الوحيدة لتطبيق الإسلام، تطبيقا عاما لكل من تظله دولة الإسلام.
أيها المسلمون: تطبيق الإسلام واجب، ولا يتم تنفيذ هذا الواجب إلا بدولة وبسلطانه ولهذا صار إيجاد الدولة واجبا، ومبايعة سلطان المسلمين (خليفتهم) واجبا (إذا لم يتم الواجب إلا به فهو واجب).
والهدف من إيجاد دولة الاسلام فوق تطبيق الأحكام واستئناف الحياة الإسلامية هو نشر هذا الدين العظيم بطريقته الشرعية ( الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وإنقاذ البشرية من الطواغيت والعباد إلى عبادة الله عز وجل .
فالحكم بالإسلام، وإيجاد سلطان المسلمين، وبناء دولة الاسلام هو الهدف العزيز الذي ينبغي للمسلمين إن يقفوا من موقف حياة أو موت.
يقول الله عز وجل: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا إن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا).
أيها المسلمون: إن الله عز وجل فرض فروضا يجب على المسلمين تنفيذ هذه الفروض، من هذه الفروض ما هو فردي يقوم به الفرد ولا يسقط عنه حتى يقيمه مثل الصلاة والصوم، ومن الفروض ما يحتاج القيام به إلى جماعة ولا يستطيع الفرد وحده أن يقوم به بمعزل عن غيره، مثل فرض العمل لإقامة الدولة الإسلامية، دولة الخلافة، التي تطبق الإحكام الشرعية، وتعاقب المخالفين بإقامة الحدود.
إن فرض إقامة دولة الخلافة، ومبايعة خليفة للمسلمين من أهم الفروض، لان كثيرا من الفروض لا يتم تنفيذها إلا بخليفة، مثل إقامة الحدود على السارق والزاني والقاتل العمد والمرتد، ومثل دحر المعتدين وإعلان الجهاد وطرد يهود.
ما أحوج المسلمين اليوم إلى خليفة يجتث الفساد والمنكرات من حياة المسلمين، ويلغي معاهدات الصلح مع يهود الذي اغتصبوا فلسطين، ويرد الطامعين من الكافرين في بلاد المسلمين واحتلالها.
ما أحوج المسلمين اليوم إلى إظهار دين الله على كل الأديان، بإقامة شريعة الله، وبناء دولة الإسلام، ومبايعة خليفة المسلمين، الذي يقودهم إلى المسلمين إلى الجهاد لإعلاء كلمة الله، ويحمي الذمار والديار، ويطهر حياة المسلمين من كل المنكرات والموبقات والثقافات التي أفسدت على المسلمين حياتهم كالديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية والإباحية والعلمانية.
ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يوحد صفوفهم، ويلم شعثهم، ويعزهم، لظهور خير امة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ مؤمنين بالله عز وجل، ونسود العالم بهذا الدين العظيم..
أيها المسلمون:لقد أعزنا الله بالسلام ولن يعود هذا العز والمجد والحياة الكريمة الآمنة إلا بالإسلام.
فاعملوا لهذا الهدف العظيم مع العاملين له واستجيبوا لله والرسول.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو أيمن