-بيـان صحـفي- رداً على خبر نشره موقع صحيفة خبر (Habergazete.com)
- نشر في تركيا
- قيم الموضوع
- قراءة: 1199 مرات
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه أفضل الصلاة والتسليم وبعد:
ناقشنا في لقاءات سابقة مفهوم الإستراتيجية وتعريفها وألقينا نظرة تاريخية على إستراتيجية أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الإتحاد السوفياتي وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001
إستراتيجيات الحرب الباردة: والتي امتدت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينات.
أولى الاستراتيجيات كانت إستراتيجية الرد الشامل
وفي الستينات ظهرت «إستراتيجية الرد المرن»
في العام 1971 أعلنت القيادة الأمريكية عن إستراتيجية جديدة سميت «إستراتيجية الردع الواقي»
على عتبة الثمانينات، حصل تغير جذري في الإستراتيجية الأمريكية كانت سمتها الأولى أن القوة هي المؤثر الوحيد في السياسة الخارجية لواشنطن، والثانية أن مساحة تنفيذها وانتشارها تشمل كل المناطق الهامة ما وراء البحار التي تشكل مصالح حيوية للولايات المتحدة و سميت الإستراتيجية الجديدة «الفعل من موقع القوة»
أحداث 11 سبتمبر 2001
مثلت فرصة ذهبية لتطبيق أفكار المحافظين الجدد الداعية إلى استخدام كل عناصر القوة المتاحة لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم
إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2002/2006
نظرية الحرب الاستباقية Preemptive War أو نظرية «بوش» الأمنية. ولقد حدد المذهب العسكري الأمريكي الجديد، هذا لاستراتيجية الحرب الاستباقية الأمريكية بضع أهداف إستراتيجية منهما اثنان رئيسيان هما: مكافحة الإرهاب، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل حيث أن تقرير الإستراتيجية الصادر عام 2002 يحسم نقطة انعطاف بين سياستين :الأولى سياسة الاحتواء و الردع و الثانية سياسة القضاء على الأعداء
الإستراتيجية الأمريكية في عهد أوباما
تقرير المراجعة الدفاعية لـ 2010- 2014
أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية في شباط 2010 تقرير"المراجعة الدفاعية 2010-2014" (Quadrennial Defense Review) والذي يتكون من 128 صفحة، وقد استغرق صياغته عاما كاملا، وشارك في إعداده 700 شخصية من وزارة الدفاع ومنظومات التسليح ومراكز الدراسات المعنية وخبراء عسكريين بهذا الشأن .
حدد التقرير إطار العمل الإستراتيجي لوزارة الدفاع , وكيفية استخدام الموارد لتحقيق النصر في الحرب, ورسم الخطوط العريضة في التعامل مع التهديدات الآنية والوسيطة ,وتطوير القدرات العسكرية المختلفة للحروب القادمة, كما وحدد التقرير قائمة الأهداف الإستراتيجية، و شكل المخاطر والتهديدات المحتملة في الفترة المحددة , وكذلك إدامة زخم الإنفاق العسكري, وقد أعلنت الموازنة الدفاعية الأمريكية لعام 2011 والتي قدرت بـ 708.8 مليارات دولار لهذه السنة وبزيادة مقدارها 44 مليار دولار عن العام الماضي ، و تضمنت ميزانية حربي العراق وأفغانستان التي تبلغ قرابة 320 مليار دولار لعامي2010 - 2011 , مما يؤكد استمرار سياسة الإحتكاك الإستراتيجية بالوجود المباشر وتخفيف الأنفاق عبر القضم بالقدرة المكتسبة (إستراتيجية مركبة), وكذلك استخدام العمليات العسكرية الخاصة الأقل كلفة وذلك باستخدام الطائرات بدون طيار, وخصخصة المعلومات, وتنفيذ العلميات الخاصة النوعية , وتؤكد الإستراتيجية بان النزعة العسكرية الأمريكية لا تزال قائمة , وباستخدام مطرقة الإرهاب النووي الأمريكية بدلا من نزع أسلحة الدمار الشامل ,وذلك يوسع قائمة الإرهاب وفق المنظور الأمريكية, ونجد أن الإستراتيجية تعتمد التوازن البراغماتي الواقعي, والمتمثل بتقليل الإنفاق الحربي الأمريكي , ولكنه لم يعالج ترهل الانفتاح العسكري الاستراتيجي في القواعد البرية والبحرية ونشر الأساطيل في البحار وتكاليف إدامتها عملياتيا ولوجستيا, وكذلك تراجع القدرة العسكرية وأنهاك القوات المسلحة , ناهيك عن تعزيز الاحتياط الاستراتيجي, والإنفاق الإضافي للانفتاح ألمخابراتي ألشبحي في أسيا وأوربا والباكستان والسودان واليمن والصومال ولبنان ..الخ , وفق تطبيقات الإستراتيجية الوسيطة لتستعيد أمريكا قدرتها الصلبة, والملاحظ انخفاض سقف الأهداف الإستراتيجية العسكرية, ولعل ابرز المحاور الأساسية التي طرحت عبر التقرير هي:-
إنهيار أمريكا حتمية تاريخية:
يشير المؤرِّخ (بول كينيدي Kennedy) في كتابه الشهير (صعود وسقوط القوى الكبرى) إلى أن أحد العوامل التي تؤدي إلى أُفول نجم القوى الكبرى: هو عدم قدرة هذه القوى على الحفاظ على توازن معقول بين متطلبات الدولة دفاعيًّا، والوسائل المتوفرة لديها للحفاظ على هذه الالتزامات، وعدم قدرتها على الحفاظ على القواعد التقنية والاقتصاديَّة التي تقوم عليها قوتها من التآكل في مواجهة أنماط الإنتاج العالميَّة المتغيِّرة دومًا.
وكمثال على نتيجة العدوان العسكري الأمريكي على العالم الإسلامي كان بوش قد تسلَّم الحكم في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وهي لديها فائض قدره 254.8 مليار دولار عام 2000م، وتراجع هذا الفائض إلى 91 مليار دولار سنة 2001م، ثم أصبحت الموازنة تعاني عجزًا كبيرًا وصل إلى 455 مليار دولار في العام المالي الأمريكي المنتهي في سبتمبر 2008م، قبل أن تؤدي التكاليف الهائلة لمواجهة الأزمة الماليَّة والاقتصاديَّة الأمريكيَّة، ومحاولة إنقاذ رأسماليتها المتداعية، من خلال أموال دافعي الضرائب ومجمل الإيرادات العامة، إلى وصول عجز الموازنة العامة للدولة لمستويات قياسيَّة تُقدَّر بنحو 1700 مليار دولار في العام المالي الأمريكي 2009م.
مؤشرات الانهيار:
1- الفشل العسكري والسياسي :
والفشل العسكري الأميركي يتمثل أولاً في الانسحاب المقدر للقوات المسلحة الأميركية من العراق بعد نجاحها نجاحاً ساحقاً في تمزيق نسيج المجتمع العراقي، وإثارة النعرات الطائفية فيه، ونشر الإرهاب ليصبح أسلوباً للحياة، مع أن الولايات المتحدة الأميركية قد غزت العراق بزعم تحريره من ديكتاتورية صدام حسين وتحويل نظامه السياسي ليصبح نظاماً ديموقراطياً نموذجياً، تحتذيه بقية البلاد العربية!
ويتجلى الفشل العسكري في سقوط آلاف الضباط والجنود الأميركيين قتلى وجرحى على يد جماعات المقاومة العراقية والعصابات الإرهابية في الوقت نفسه، واضطرار القوات المسلحة الأميركية إلى الانسحاب من المدن والمكوث في قلاع عسكرية بعيدة تحاشياً للهجمات المدمرة.
غير أن الفشل العسكري الأعظم أصبح واضحاً فعلاً الآن في أفغانستان، التي لم تستطع القوات المسلحة الأميركية بعد تسع سنوات من غزوها وإسقاطها لنظام «طالبان» أن تهيمن عليها عسكرياً. والأخطر من كل ذلك أنه على رغم أن القائد العسكري الأميركي هناك وهو الجنرال ماكريستال قد حاول أن يبتز الرئيس أوباما وطلب منه زيادة القوات العسكرية لتحقيق النصر على «طالبان»، فإن أوباما بعد تفكير دام ثلاثة شهور كاملة وهو يوازن بين المكاسب والخسائر المتوقعة، قرر إضافة 30 ألف مقاتل فقط الى القوات الأميركية الموجودة هناك ليصبح عددها الإجمالي مئة ألف.
وبناء على هذا المدد تم التخطيط للقيام بأكبر حملة عسكرية ضد «طالبان»، وتقدمت القوات الأميركية مصحوبة بقوات حلف الأطلسي إلى إقليم هلمند للسيطرة عليه، ففوجئت بعدم وجود مقاتلي «طالبان» لأنهم انسحبوا إلى الجبال التي يعرفون تضاريسها جيداً حتى ينقضوا من جديد على القوات الأميركية المهاجمة. ولم يهنأ الأميركيون طويلاً بتوغلهم في الإقليم بلا خسائر تذكر إذ سرعان ما ظهر قناصة «طالبان» لكي يوقعوا ضحايا كثيرين في صفوف القوات الأميركية والأطلسية.
ويلفت النظر بشدة أن الكاتب المعروف روبرت فيسك وصف هذه الحملة العسكرية التي روجت لها أبواق الدعاية الأميركية بأنها أشبه بسهم في الظلام! وذلك لأن القوات الأميركية تتوغل في إقليم أفغاني لا تعرف تضاريسه جيداً، لتحقيق أهداف غير محددة بدقة، وبصورة عشوائية حقاً!
وبالتالي تنتظر القوات المسلحة الأميركية هزيمة ساحقة على يد مقاتلي «طالبان»، الذين أصبحوا يسيطرون على معظم الأراضي الأفغانية، في حين عجز نظام كارزاي العميل بفساده، والقوات الأميركية بأسلحتها، عن وقف المد الطالباني الذي يتوقع أن يهيمن في القريب على كل الأقاليم الأفغانية.
وبالتالي سيتجلى الفشل العسكري الأميركي الذريع، خصوصاً أن الرئيس أوباما اعترف به ضمناً حين قرر سحب \القوات الأميركية نهائياً في شهر تموز (يوليو) 2011. وهذه الهزيمة شبيهة تماماً بهزيمة أميركا في حرب فيتنام، ولذلك لم يكن غريباً أن يقرر بعض الكتاب الأميركيين أن أشباح فيتنام تلوح في أفق أفغانستان!
2- فشل المجتمع الأمريكي :
إن الفشل العسكري للإمبراطورية الأميركية لا يعادله سوى إمكانية فشل المجتمع الأميركي ذاته. وهذا الفشل الاجتماعي - كما عبر عن ذلك كاتب آسيوي مرموق هو كيشور مبهوباني في مجلة «ويلسون» الفصلية - يطلق عليه بحسب مصطلحات علم الاجتماع الانهيار الاجتماعي. ويعني ذلك على وجه الدقة انحدار القيم الثقافية وسقوط المؤسسات الاجتماعية بكل أنواعها. وهذه المقالة المهمة عنوانها المثير هو «هل المجتمع الأميركي مهدد بالفشل؟»، ويحدد هذا الباحث الآسيوي المرموق ستة أسباب تشير إلى احتمال فشل المجتمع الأميركي أو انهياره.
السبب الأول يتمثل في عيوب جسيمة أصابت «التفكير الجمعي الأميركي»، والدليل على ذلك وقوع الأزمة المالية الكبرى والتي نجمت - في أحد جوانبها - عن قبول المجتمع الأميركي بالافتراضات الخاطئة من قبل خبراء الاقتصاد الأميركي بأن الأسواق المالية غير الخاضعة للتنظيم والتي لا تتدخل الدولة في ضبطها، من شأنها تحقيق النمو الاقتصادي وخدمة الصالح العام. وقد ثبت زيف هذه المقولة، لأن هدف خبراء الاقتصاد ورجال الأعمال المضاربين كان في الواقع زيادة ثرواتهم الشخصية على حساب الصالح العام.
والسبب الثاني للانهيار هو تآكل قيمة المسؤولية الفردية، مع أن هذه القيمة هي من بين القيم الرئيسية التي قام عليها نسق القيم الأميركي. والدليل على ذلك استمرار العجز المزمن في الموازنة الاتحادية، وعدم استعداد أي إدارة أميركية للاعتراف بالمسؤولية عن هذا العجز، بالإضافة إلى خوف الساسة الأميركيين من مسألة زيادة الضرائب مع أنها أصبحت أساسية لأي مجتمع حديث. ويؤكد تآكل قيمة المسؤولية الفردية شيوع ثقافة اللامبالاة الفردية وغياب المسؤولية.
والسبب الثالث للانهيار هو سوء استخدام القوة الأميركية، سواء القوة العسكرية أو السياسية. وقد كان ظاهراً للعيان سوء استخدام الإمبراطورية العظمى لقوتها العسكرية سواء في العراق أو أفغانستان، ومن ناحية أخرى طيش حملاتها ضد الإرهاب في العالم، خصوصاً ضد تنظيم «القاعدة» بقيادة أسامة بن لادن، مع أنها هي التي صنعته أيام الغزو السوفياتي لأفغانستان.
وإذا أضفنا إلى ذلك سوء استخدام القوة السياسية الأميركية والذي يتمثل في الانحياز الفاضح للسياسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، مما أجج مشاعر الملايين من المسلمين من ناحية، وانسحاب أميركا من معاهدة «كيوتو» من ناحية أخرى، مما أعاق سياسات مكافحة الاحتباس الحراري على مستوى العالم، لأدركنا أن سوء استخدام القوة الأميركية هو أحد أسباب انهيارها في الوقت نفسه!
ونصل إلى السبب الرابع من أسباب الانهيار وهو أنه خلف الواجهة البراقة للنظام السياسي الديموقراطي الأميركي يقبع أكثر النظم السياسية فساداً في العالم! وذلك لأن الفساد الأميركي له بنية عضوية متماسكة، حيث تتساند جماعات المصالح في المؤسسة العسكرية وأقطاب الصناعة ومديرو البنوك والشركات المالية، حتى يمارسوا الفساد الواسع المدى بالاستناد إلى القانون، بعد تحريف نصوصه والانحراف في تفسير قواعده!
غير أن أخطر أسباب الانهيار هو سقوط «العقد الاجتماعي» الذي قام على أساسه المجتمع، والذي مبناه أنه يبقى قوياً ومتماسكاً ما دام أن كل مواطن لديه فرصة متساوية للنجاح.
ومما يؤكد انهيار العقد الأميركي الذي كان يعطي المواطنين عموماً الأمل في الصعود إلى قمة السلم الاجتماعي عبر آلية الحراك الاجتماعي، هو هبوط معدلات الحراك الاجتماعي إذا ما قورنت بمعدلات الحراك الاجتماعي في أوروبا الغربية على سبيل المثال.
ونصل أخيراً إلى المظهر الأخير من مظاهر فشل المجتمع الأميركي وهو يتمثل في نمط الاستجابات الأميركية للعولمة، والذي يكشف عن فشل هيكلي للمجتمع الأميركي. فقد ظن الأميركيون أنهم الأقدر في مجال المنافسة العالمية، غير أنه تبين لهم أن الهنود والصينيين أصبحوا أكثر تنافسية منهم في مجال المهارات العمالية والفنية. ومن هنا أصبحت هناك حاجة ماسة لإعادة هيكلة الاقتصاد الأميركي، وخصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى والتي أثبتت أن هناك خللاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والسوق.
3- إنهيار النظام الإقتصادي الرأسمالي :
الأزمة الماليَّة التي أتت على الأخضر واليابس في الولايات المتحدة، وأثَّرت بشكلٍ ملموس على أخواتها - من الدول الليبراليَّة - في الرضاعة، فقد ارتبطت بوادرها بصورةٍ أساسيَّة بالربا، وفي ظل منح القروض العقاريَّة بسعر فائدة معوم؛ أي: متغير، ومع الارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذُ عام (2004م)، فقد انعكس هذا الارتفاع على تلك القروض، حيث أدى إلى زيادة في أعبائها من حيث خدمتها وسداد أقساطها، وفي المقابل توقَّف عددٌ كبير من المقترضين عن سداد الأقساط الماليَّة المستحقَّة عليهم؛ مما ترتب عليه تحميلهم أعباءً إضافيةً نتيجةً لهذا التأخير وفقًا لسياسة سعر الفائدة، ومما يدل على إثخان جراح الأزمة، وعجز الدول الغربية - رغم استنفارها كل مقوماتها المالية - عن الحد من انتشارها.
وتأتي قيمة الحرية الاقتصادية المنفلتة من أي ضوابط أو قيود، أو رقابة فعَّالة من الدولة - في مقدمة المنظومة القيميَّة التي شكَّلت الثقافة الاقتصادية في الغرب والعالم في العقدين الأخيرين، ونتج عن سيادة هذه الثقافة الرأسمالية موجة عاتية من الفساد ضربت الشركات الأمريكيَّة عامي 2001م و2002، وخلَّفت وراءها انهيارًا كاملاً لشركة (إنرو Enron) النفطيَّة، لكن الانهيار الأشد هولاً انهيار الشركات الماليَّة والعقاريَّة الذي بدأ بانهيار عملاقتي الرهن العقاري: (فاني ماي Fannie Mae)، و(فريدي ماك Freddie Mac)، فهذا النظام كرَّس غياب العدالة الاجتماعيَّة من خلال الثراء في أيدي فئات محدودة من البشر على حساب أعداد هائلة من الآخرين؛ مما أدَّى إلى انتشار الفقر بين صفوفها انتشار النار في الهشيم.
خاتمة:
إن الأمة الحية هي التي تستطيع أن تتغلب على مصاعبها بحكمة واقتدار ، وما نراه في أمريكا اليوم من عجز وضعف وخداع وتضليل يبرهن القول بأنها ومبدأها في حالة تداعي وانهيار ، بيد أن الأمر يتطلب برهة من الوقت إلى حين بروز قوة بديلة وأمة رائدة جديدة ولن تكون هذه الأمة سوى الأمة الإسلامية التي لعبت هذا الدور بكفاءة من قبل وستعود لتلعبه عما قريب-بإذن الله-فتخرج البشرية من الضنك والكارثة والظلمة التي تعيشها إلى عدل وطمأنينة ونور الإسلام .
الخبر: خطة لإنقاذ منطقة اليورو وعملتها الموحدة
اتفقت دول الإتحاد الأوروبي بعد مفاوضات شاقة ومطولة على خطة إنقاذ تاريخية تصل قيمتها إلى 750 مليار يورو لمساعدة دول منطقة اليورو التي تعاني من أزمات مالية. وأُقرت هذه الخطة في العاشر من أيار بعد مفاوضات استمرت أكثر من 11 ساعة في بروكسل بين وزراء المالية الأوروبيين الذين تم استدعاؤهم وبشكل عاجل. وتهدف الخطة إلى تهدئة الأسواق المالية التي شهدت اضطراباً كبيراً نتيجة للوضع الاقتصادي المتأزم في اليونان والخوف من انتقال الأزمة من هذا البلد إلى دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا والبرتغال وغيرها. وكان الإتحاد الأوروبي قد واجه ضغوطاً لحمله على التحرك إذ باتت الأزمة تتخذ أبعادا دولية تهدد بالانتشار في العالم بأسره. وقد أجرى الرئيس الأميركي أوباما اتصالاً بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لمطالبتها بإجراءات تُعيد الثقة إلى الأسواق.
التعليق: شهد اليورو نجاحاً بارزاً ضمن السنوات الإحدى عشر التي مضت على إطلاقه، إلا أن أزمة الديون في اليونان ودول أوروبا زلزلت اليورو ووضعت الاتحاد الأوروبي في مأزق يهدد المشروع الأوروبي بأسره، فقد صرح وزير الميزانية الفرنسي فرنسوا باروان لمحطة إذاعة أوروبا1 في 21 أيار قائلاً "سننقذ العملة الموحدة بأي ثمن لأنها تمثل مصلحتنا المشتركة". وأتت تصريحاته تلك بعدما صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في كلمة لها أمام البرلمان الألماني بأن اليورو في خطر، وحذرت من أن فشل اليورو يعني فشل الوحدة الأوروبية.
وعلى الرغم من الجهود الأوروبية لاحتواء المشكلة ورغم خطة الـ750 مليار يورو التي تلت خطة لمساعدة اليونان بقيمة 110 مليار يورو فإن البورصات لا زالت في حالة تأرجح مستمر بسبب المخاوف الناتجة عن أزمة الديون في منطقة اليورو، الأمر الذي دفع وزراء مالية دول الإتحاد الأوروبي لبحث وسائل ضبط الموازنات وفرض ميزانية طوارئ في أوروبا للحيلولة دون تكرار أزمة ديون اليونان في اي من دول الإتحاد. وتعتزم المفوضية الأوروبية فرض انضباط مالي متشدد في الإتحاد الأوروبي وتعزيز الرقابة الاقتصادية. وقد نبه وزير الدولة البريطاني للشؤون المالية ديفيد لوز إلى أن بلاده ستبدأ "مرحلة تقشف" وقال لصحيفة فايننشل تايمز "سننتقل من مرحلة وفرة الى مرحلة تقشف في المالية العامة". وقد أعلن الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي أنه يريد خفض العجز في ميزانية بلاده، وأعلنت فرنسا على لسان رئيس وزرائها إنها ستجمد الإنفاق العام وتخفض تكاليف التشغيل الحكومية وقال وزير الميزانية الفرنسي فرنسوا باروان أن رفع سن التقاعد من المسائل التي تخضع للدراسة حالياً. وهكذا نرى أن سياسات التقشف قد بدأت باجتياح بلاد الإتحاد الأوروبي.
فقد بات واضحاً أن الشعوب الأوروبية أصبحت على موعد مع حالة تقشف وفقر مرير منتظر، وهي من سيدفع ثمن فساد النظام الاقتصادي والنقدي الرأسمالي. ولعل المواجهات التي شهدناها بين الشعب اليوناني وأجهزة الأمن ما هي إلا بداية لمواجهات لاحقة قد تمتد إلى دول أُخرى، خاصة بعدما حذر خبراء اقتصاديون من أن نشوب أزمات ديون على غرار ما حصل في اليونان هو احتمال قائم يغذيه الوضع الهش للاقتصاد العالمي وتكتم الحكومات الضعيفة مالياً عن ديونها. هذا وقد كشفت دراسة صادرة عن أحد المعاهد الدولية عن عدم قدرة العديد من الدول الصناعية على خفض ديونها إلى مستويات مقبولة قبل عقود من الزمن، وعلى سبيل المثال فسيستغرق هذا الأمر بحسب هذه الدراسة 50 عاماً في ايطاليا و27 عاماً في البرتغال و25 عاماً في بلجيكا.
بعد العجز الذي برز لدى دول الغرب على الصعيد العسكري في مستنقع أفغانستان وتقهقر قوى الاحتلال أمام القليل من المجاهدين رغم الفارق الشاسع في العدة والعتاد، وبعد الضعف السياسي الذي أصاب الغرب حيث فقدت أنظمته وثقافته لًمَعانَها وظهر فسادها على أثر الفضائح المتتالية في ما يسمى الحرب على الإرهاب حيث انتشرت صور التعذيب في أبو غريب وتم اعتماد قوانين ما يسمى مكافحة الإرهاب التي أزالت الفوارق بين ما يسمى دول القانون والدول القمعية... بعد هذا العجز على الصعيد العسكري والسياسي والثقافي والأخلاقي هاهي دول الغرب تعاني عجزاً وتقهقراً على الصعيد المالي والاقتصادي. لقد أصبحت أنظمة الغرب الرأسمالية عبئاً على أصحابها، فباتت تُشبه الدابة المريضة التي لا يُنتفع بها ولا يُرجى برؤها، وأصبح القضاء على تلك الأنظمة لازما لإراحة أصحابها من العذاب الذي تحدثه.
وفي هذا الحال أصبح واضحاً أن المشروع الإسلامي بنظامه الاقتصادي والنقدي والاجتماعي ونظام الحكم فيه، والذي يعمل له حزب التحرير وتنتظره الأُمة الإسلامية بفارغ الصبر، هو المخرج الذي ينقذ العالم بأسره من عذاب الرأسمالية الفاسدة. وسيكون البيان الأول في دولة الخلافة القادمة قريباً بإذنه تعالى بمثابة رصاصة الرحمة التي تقضي على الرأسمالية.
شادي فْرِيْجَة
الممثل الإعلامي لـحزب التحرير- إسكندينافيا