Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العربي الجديد شعار

 

13-8-2026

 

العربي الجديد: "حزب التحرير" إلى واجهة الجدل في الدنمارك برسالة لـ"الطلاب المسلمين": دعوات حظره تصطدم بالقانون

 

عاد حزب التحرير الإسلامي إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي في الدنمارك، برسالة وجهها، السبت الماضي، إلى الطلاب المسلمين الجدد في المرحلة الثانوية، دعاهم فيها إلى "التمسك بهويتهم الإسلامية" ومقاومة ما وصفه بـ"ضغوط البيئة المدرسية والشبابية للتكيف مع قيم وسلوكيات لا تتوافق مع الإسلام". ومع أن الرسالة لم تحمل أي تحريض على العنف، إلا أنها أثارت الكثير من الجدل والتصريحات بشأن حظر الحزب من عدمه، وهو نقاش كان حاضراً على امتداد السنوات الماضية في الدنمارك.

 

الرسالة المذكورة أرفقت بفيديو لشخصيات بارزة في الحزب، نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اعتبر أن المدارس تقدم أنماط حياة وقِيماً "غير إسلامية" باعتبارها طبيعية، فيما تصوَّر القيم الإسلامية على أنها قديمة أو غريبة. ورأى الحزب أن المرحلة الثانوية "ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل ساحة للصراع على الهوية والقيم". وأثارت الرسالة ردود فعل سياسية حادة، معيدةً إلى الواجهة سؤالاً أقدم مفاده: "لماذا لا يزال حزب التحرير قادراً على العمل في الدنمارك رغم عقود من الجدل حول مواقفه ومطالب متكررة بحظره؟".

 

لا مؤشرات موثوقة على انتشار واسع لحزب التحرير بين المسلمين في الدنمارك

 

وفي هذا الصدد، وصف وزير الهجرة والاندماج مورتن بودسكوف الحملة بأنها "محاولة مقلقة للتأثير في الشباب المسلمين"، معتبراً الحزب ينتهج "تطرفاً مموهاً"، وطالب مع غيره من السياسيين أعضاء "التحرير الإسلامي" بالرحيل عن الدنمارك "إذا وجدوا أنفسهم غير مرتاحين للعيش فيها". من جهتها، رأت وزيرة الشؤون الكنسية إيدا أوكن أن الرسالة تحمل بعداً سياسياً يتجاوز الخطاب الديني. 

 

وفي نظر عدد من الباحثين في شؤون الإسلام بجامعة كوبنهاغن، من بينهم نيلس فالديمار فيندينغ، والباحث والكاتب جون غراوسغورد، اللذان تحدثا إلى التلفزيون الدنماركي وصحف محلية، إضافة إلى مقرر شؤون الهجرة في البرلمان عن حزب اللائحة الموحدة اليساري، بيدر فيلبوند، الذي تحدث لـ"العربي الجديد"، فإن أهمية الرسالة "تكمن أيضا في صياغتها؛ فالحزب لم يطرح مواقفه الأكثر إثارة للجدل، بل ركز على الهوية والضغط الاجتماعي والقيم الإسلامية، وهي قضايا قد تجد صدى لدى بعض الشباب، حتى من دون تبني مشروعه السياسي".

 

تأثير يتخطى الحجم

 

ورغم بروز مؤيدي الحزب بين بعض أفراد النخبة المسلمة المتعلمة، لا توجد مؤشرات موثوقة على تمتعه بانتشار واسع بين مسلمي الدنمارك، كما لا يعرف مدى شعبية مشروعه السياسي لدى مئات الآلاف من أبناء الجاليات المسلمة. ومع ذلك، يرى الباحثون أن الحزب لا يحتاج إلى إقناع الأغلبية حتى يترك أثراً في النقاش العام.

 

وفي هذا السياق، تكتسب مخاطبة طلاب الثانويات أهمية خاصة، باعتبار هذه المرحلة انتقالاً من الأسرة إلى مجتمع أوسع وبداية تشكل هوية وشبكات اجتماعية مستقلة. ويقدم الحزب نفسه في هذه اللحظة باعتباره مدافعاً عن الهوية الإسلامية في مواجهة ما يسميه الضغط الثقافي. ويحذر منتقدوه من أن التأثير لا يقاس بعدد الأعضاء فقط، بل بقدرة التنظيم على جعل بعض مفرداته جزءاً من النقاش العام حول الإسلام والهوية والاندماج، خصوصاً مع امتلاكه حضوراً منظماً ونخبوياً على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ويتجاوز الجدل الرسالة الأخيرة، حيث أن حزب التحرير يحمل منذ عقود مشروعاً سياسياً يقوم على إعادة تأسيس الخلافة الإسلامية، ويرفض الديمقراطية باعتبارها نظاماً لا يتوافق مع تصوره للحكم. كما أثارت مواقف وتصريحات شخصيات مرتبطة به انتقادات شديدة. وسابقاً لوحق متحدثون باسمه بتهم "تشجيع الإرهاب ومعاداة اليهود".

 

مطالب الحظر تصطدم بالقانون

 

على مدار سنوات، تنامت الدعوات لحظر الحزب في الدنمارك، بينما يرى معارضو حلّه أن الأفكار لا تكفي وحدها لحظر منظمة في الدنمارك، فيما يحذر الباحثون من أن الحظر يمكن أن يتسبب بمشكلة للديمقراطية الدنماركية.

 

في خلفية ما سبق، يمكن الإشارة إلى أن المادة 78 من الدستور الدنماركي تنص على حماية حرية تكوين الجمعيات، ولا تسمح بحلّ جمعية إلا إذا كان هدفها أو نشاطها يسعى إلى تحقيق غرض باستخدام العنف أو بوسائل غير قانونية، ويعود القرار النهائي إلى القضاء. ولهذا فشلت محاولات سياسية متكررة لحظر حزب التحرير؛ ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، تقدم نواب من حزب "الدنماركيين الديمقراطيين"، بزعامة وزيرة الهجرة السابقة المثيرة للجدل إنغا ستويبرغ، بمقترح لإطلاق إجراءات قضائية لحل الحزب، استناداً إلى المادة 78، مع الدعوة إلى حظر مؤقت خلال نظر القضية.

 

المحاولة الآنفة ليست الوحيدة من نوعها؛ إذ سبقتها محاولات للحظر في أعوام 2001 و2007 و2010، ومقترحاً عام 2023 لدراسة الأساس القانوني للحظر. وتزايدت مجدداً في الأيام الأخيرة الدعوة إلى حل وحظر الحزب، في إطار مسار طويل يكشف أن المشكلة ليست في غياب الإرادة السياسية، بل في صعوبة تحويلها إلى أساس قانوني يمكن أن يصمد أمام القضاء. وذلك ما يطرح المفارقة؛ إذ قد ترى قوى سياسية أن "خطاب الحزب خطر على الديمقراطية والاندماج"، لكنها لا تستطيع حظره لمجرد تبنيه أفكاراً راديكالية، ما لم تثبت الدولة توافر الشروط الدستورية للحل. 

 

أثارت الرسالة سؤال أقدم مفاده لماذا لا يزال حزب التحرير قادراً على العمل في الدنمارك رغم عقود من الجدل حول مواقفه ومطالب متكررة بحظره؟

 

حزب التحرير نقطة التقاء لليمين ويسار الوسط

 

يعد حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد، بقيادة مورتن ميسرشميت، من أبرز المطالبين منذ سنوات بحظر حزب التحرير. لكن ذلك لا يقتصر على اليمين القومي؛ إذ ترى قوى من يسار الوسط أيضاً، بما فيها "الاجتماعي الديمقراطي" بزعامة رئيسة الحكومة ميتا فريدركسن، أن خطابه يتعارض مع الديمقراطية والمساواة والاندماج.

 

وهكذا أصبح حزب التحرير نقطة التقاء نادرة بين تيارات سياسية متباعدة، وإن اختلفت دوافعها، فاليمين يركز على الأمن والقيم والاندماج، فيما يركز يسار الوسط على حماية الديمقراطية والمساواة. ويعيد ذلك الجدل طرح سؤال حساس في الديمقراطية الدنماركية: أين تنتهي حرية التعبير والتنظيم، وأين يبدأ التهديد للنظام الديمقراطي؟ فالسلطات مطالبة بمواجهة التحريض على العنف والتطرف، لكنها مطالبة أيضاً بعدم استخدام قوانين الحظر ضد جماعات لمجرد تبنيها أفكاراً غير شعبية أو راديكالية.

 

ولا تعد الرسالة الموجهة إلى طلاب الثانويات مجرد منشور عابر، بل حلقة جديدة في سجال مستمر حول موقع الإسلام داخل الديمقراطية الدنماركية. وبينما تتصاعد الدعوات السياسية لحظر الحزب، تبقى المسألة رهينة بقدرة إثبات أن أهدافه أو نشاطه يستوفيان الشروط القانونية للحل.

 

المصدر: العربي الجديد

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.