Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

من حصار إيران إلى هندسة شرق أوسط جديد

 

 

لم تعد التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، لمن يتأملها خارج ضجيج الأخبار اليومية، مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية والسياسية المنفصلة. فالحرب على إيران، والحصار البحري، والحضور العسكري الأمريكي الكثيف، واحتضان أنقرة لقمة الناتو، واتفاق الدفاع الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان، والانفتاح على احتمال انضمام مصر، ثم حديث تركيا عن إمكانية إدماج كيان يهود وإيران في منظومة أمنية إقليمية واحدة، كلها تتحرك، على اختلاف مستوياتها، في اتجاه واحد: إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط وإعادة تعريف قواعد علاقاته الأمنية والسياسية.

 

ومن هذه الزاوية، يحق لنا أن نتساءل: أي شرق أوسط تريد أن تخرج به واشنطن من هذه الحرب، حتى تروج لانتصار مزعوم؟ فإيران، وفق القراءة الأمريكية، ليست مجرد خصم عسكري ينبغي إلحاق الهزيمة به، وإنما عقدة استراتيجية ينبغي إعادة ضبط موقعها داخل الإقليم. ورأس الكفر أمريكا، لا تبدو معنية فقط بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي أو إلحاق الضرر بقدراتها الصاروخية والبحرية، وإنما بمنعها من إعادة إنتاج النموذج الذي مكّنها من بسط نفوذها خارج حدودها عبر شبكة الوكلاء والقدرات الصاروخية والتهديد البحري وأذرعها الممتدة في عدد من الساحات العربية.

 

وهنا يكمن الفرق بين ضرب إيران وإخضاعها. فالضربة العسكرية، مهما كانت قاسية، تظل حدثاً عابراً إذا استطاعت الدولة المستهدفة إعادة بناء قوتها، أما إذا أصبحت إعادة إنتاج القوة الإيرانية القديمة بالغة الكلفة والصعوبة، فإن الهدف الأعمق يكون قد تحقق: تغيير موقع إيران في ميزان القوى، لا مجرد هزيمتها في جولة عسكرية.

 

ومن هنا فإن الحصار البحري والحضور العسكري الأمريكي لا ينبغي النظر إليهما كأدوات ضغط ظرفية، بل كجزء من محاولة لمنع إيران من استعادة أدوات القوة التي تسمح لها بفرض شروطها على المنطقة، وهو ما تؤكده التحركات الأخيرة للقيادة المركزية الأمريكية، التي شملت جولة قائدها في ست دول إقليمية وزيارته لحاملة الطائرات أبراهام لنكولن، بما يعكس تحركاً أمريكياً متزامناً لإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بإيران. (سنتكوم في 2026/08/15)

 

غير أن القوة العسكرية الأمريكية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء النظام الذي سيأتي بعد الحرب. فقد كشفت المواجهة حجم استنزاف الذخائر والموارد، كما أظهرت الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية في قاعدة البرج 22 في الأردن أن الانتقال من إضعاف إيران إلى إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية ينطوي على كلفة ومخاطر هائلة. فقد تستطيع واشنطن تدمير القدرات وفرض الردع ومنع إعادة التسليح، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها تأسيس شرعية سياسية وأمنية مستقرة، ومن هنا تبرز حاجتها إلى قوى إقليمية تتحمل معها عبء بناء النظام الجديد.

 

وهنا تحديداً يبرز دور تركيا، الذي يتجاوز موقع الوسيط أو الحليف التقليدي لواشنطن، ليتجه نحو موقع أكثر طموحاً: أحد مهندسي النظام الإقليمي الذي سيولد من رحم هذه المواجهة. فتركيا تمتلك موقعاً جغرافياً يربط الشرق بالغرب، وثقلاً عسكرياً وازناً، وعضوية في الناتو، وشبكة علاقات تمتد من بلاد العرب إلى إيران وروسيا والغرب، بما يجعلها مؤهلة لوصل المظلة الأمريكية بالبنية الأمنية الإقليمية الناشئة.

 

وفي هذا السياق تكتسب رؤية وزير الخارجية التركي حقان فيدان التي طرحها قبل مدة أهمية خاصة، بعدما طرح آلية إقليمية للأمن والتعاون تجمع تركيا وباكستان والسعودية ومصر ودول الخليج، مع ترك الباب مفتوحاً أمام (إسرائيل) إذا اعترفت بدولة فلسطينية على أساس حدود 1967، وإمكان انضمام إيران إلى هذه المنظومة لاحقاً. (الشرق الأوسط، 31 أيار/مايو 2026).

 

وليست هذه مجرد فكرة دبلوماسية عابرة، بل تصور لإعادة بناء النظام الإقليمي بما يسمح بإدماج إيران وحتى كيان يهود ضمن قواعد أمنية جديدة، بحيث يصبح إضعاف إيران مرحلة لإجبارها على إعادة التفاوض والقبول بمنظومة لا تستطيع فيها أي قوة منفردة فرض قواعد اللعبة.

 

ومن هنا يمكن فهم اتفاق مكة بين تركيا والسعودية وباكستان بوصفه أكثر من ترتيب دفاعي ظرفي، فهو قد يمثل نواة لبنية أمنية أوسع، خصوصاً مع الحديث عن إمكانية توسيعه وانفتاحه على دول أخرى، وفي مقدمتها مصر. وانضمام مصر، إذا تحقق، سيضيف إلى المشروع وزناً عربياً وجغرافياً واستراتيجياً كبيراً، فتركيا تمسك ببوابة شرق المتوسط والأناضول، والسعودية بمركز الثقل الخليجي، وباكستان النووية تمنح المشروع عمقه الآسيوي وامتداده إلى المحيط الهندي، بينما تمثل مصر حلقة الوصل بين شرق المتوسط والبحر الأحمر والدول العربية. وعندها لن يكون الحديث عن تحالف ثلاثي محدود، بل عن نواة نظام أمني يمتد من المتوسط إلى الخليج وجنوب آسيا.

 

وهنا تلتقي رؤية تركيا مع مصلحة أمريكا، إذ إن تركيا تدرك أن ارتباطها بالمنظومة الغربية يوفر لها جزءاً مهماً من أهدافها الأمنية والاستراتيجية. ويتكامل هذا الطموح الأمني مع مشروع جيواقتصادي أوسع، يتقدم فيه طريق التنمية الذي يربط الخليج بالعراق وتركيا، والممر الأوسط الذي يصل آسيا الوسطى بأوروبا عبر تركيا، إلى جانب ممر زنغزور الذي يربط تركيا بأذربيجان وآسيا الوسطى، ورؤية "قرن تركيا" التي تسعى إلى ترسيخ موقع البلاد كمركز صناعي وتجاري وعبور بين الشرق والغرب. وكلما اتسعت هذه الشبكات، ازدادت حاجة تركيا إلى بيئة إقليمية مستقرة، فأصبح الأمن شرطاً لتحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد، وهو ما يفسر أهمية العراق وسوريا في حساباتها، رغم ترددها في إعلان نواياها بصورة مباشرة.

 

ولا تحتاج أمريكا، في المقابل، إلى إدارة كل تفاصيل الشرق الأوسط بنفسها إذا استطاعت إنشاء منظومة إقليمية تتحمل قدراً أكبر من مسؤولية الأمن، بينما تبقى هي القوة القادرة على ضمان التوازن وردع انهياره. ومن المفارقة أن صعود دور تركيا قد لا يكون نقيضاً لهيمنة أمريكا، بل إحدى الوسائل التي تسمح بتحويلها من حضور عسكري مباشر إلى قيادة من خلف نظام إقليمي تتقاسم أعباءه القوى المحلية.

 

ومن هذه الزاوية تتجاوز الحرب على إيران ساحتها المباشرة. فأمريكا لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال إيران أو إسقاط دولتها، وإنما إلى إخضاع قدرتها على تحويل وزنها الإقليمي إلى مشروع للهيمنة، أي منعها من إعادة بناء شبكة عسكرية تهدد جيرانها، أو استخدام مضيق هرمز كسلاح دائم، أو إطلاق سباق نووي بلا قيود، أو إعادة تشكيل المنطقة عبر وكلائها. وبعبارة أدق: المطلوب ليس تدمير إيران، وإنما تدمير قدرتها على فرض نظامها الخاص على الشرق الأوسط.

 

ويبدو أن إيران نفسها قد التقطت هذا البعد. فقد حذّر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني السعودية من التعويل على "اتفاق ورقي" مع تركيا وباكستان، بينما رأت صحيفة كيهان ووكالة تسنيم أن الاتفاق يستهدف إيران و"محور المقاومة" ويأتي في إطار سياسة سعودية جديدة للبحث عن الأمن عبر تركيا وباكستان. وهذه المواقف تؤكد أن إيران لا ترى اتفاق مكة ترتيباً سعودياً محدوداً، وإنما حلقة في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وتقليص هامش حركتها ودفعها إلى التعامل مع نظام إقليمي جديد.

 

وهنا يتكرس مفهوم أن التفاوض جزء من الحرب، لا نقيضاً لها، فالمسار التفاوضي ظل أحد أدوات الضغط العسكري والاقتصادي والاستراتيجي على طهران، لإدارة الصراع واستنزاف الخصم ودفعه تدريجياً نحو تسوية تجري من موقع أضعف. ولذلك فإن إبقاء إيران بين احتمال التفاوض واحتمال التصعيد يحرمها من بناء استراتيجية مستقرة، ويجعل المخرج في التصور الأوسع صفقة تعيد تعريف مكانها داخل المنطقة، بحيث تنتقل من قوة تسعى إلى فرض قواعدها إلى طرف داخل منظومة أمنية مشتركة.

 

وينطبق الأمر، وإن بصورة مختلفة، على كيان يهود، فمكانته داخل هذه المنظومة لن تحددها واشنطن أو أنقرة وحدهما، بل ستتوقف أيضاً على خيار كيان يهود نفسه وعلى مدى التقاء رؤى الأطراف الثلاثة حول شكل الشرق الأوسط المقبل. وقد تلتقي مصالح الكيان، رغم اختلاف دوافعه، عند حقيقة أن تصفية قضية فلسطين هي شرط لإعادة تعريف موقعه وفتح الطريق أمام إدماجه أمنياً وسياسياً في المنطقة. ولعل مشاركة تركيا ومصر في "مجلس السلام" المعني بغزة تكشف مبكراً عن هذا الدور الإقليمي المتنامي في إدارة الملف الفلسطيني وإعادة ترتيب أمن المنطقة. وبعيداً عن زيف الشعارات، تصبح قضية فلسطين هنا جزءاً من معادلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لا ملفاً منفصلاً عن ترتيباته الاستراتيجية.

 

وفي هذا السياق يمكن فهم التحول الأعمق الجاري: الانتقال من شرق أوسط تحكمه المحاور المتنافسة إلى نظام أمني إقليمي مشترك، تحتفظ فيه أمريكا بدور الضامن الأكبر، وتتولى القوى الإقليمية إدارة جانب متزايد من أمنه، وتبرز تركيا أحد أهم مهندسيه، بينما يعاد تعريف موقع إيران وكيان يهود داخله.

 

فإذا نجح هذا المسار، فلن تكون الحرب مجرد مواجهة مع إيران، بل لحظة تأسيسية لإعادة صياغة الشرق الأوسط على أساس موازين قوة جديدة، شرق أوسط تكون فيه إيران موجودة من دون قدرة على الهيمنة، وتركيا صاعدة من دون أن تحل محل أمريكا، ودمج كيان يهود هو حجر الزاوية في هذا المشروع، فيما تتحمل القوى الإقليمية مسؤولية متزايدة عن أمن منظومة تبقى واشنطن مظلتها الاستراتيجية. وهنا تحديداً تكمن فكرة الشرق الأوسط الجديد: تحويل موازين القوة التي فرضتها الحرب إلى نظام أمني وسياسي قادر على إنتاج "سلام" أكثر استدامة من مجرد توازن الردع.

 

إن هذه الوصفة الشيطانية، مهما بلغت من المكر والتدبير، ستتحطم بإذن الله على صخرة الخلافة الراشدة الثانية التي يوشك أن يبزغ فجرها، ولن تحول دون قيامها رهانات نتنياهو ولا مكر أردوغان ولا عجرفة ترامب، فالله يمهل ولا يهمل، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.