Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أربعة دروس من حرب أمريكا على إيران

 

لقد هزّ فشل حرب أمريكا وكيان يهود ضد إيران الجيوش في أنحاء العالم. ويمثل ذلك الفشل نقطة تحوّل تُجبر المخططين العسكريين على إعادة النظر في العقائد الراسخة المتعلقة بالحروب والردع وإسقاط القوة. كما تواجه قيادات الجيوش والمؤسسات العسكرية في البلاد الإسلامية نتيجة غير متوقعة لهذه الحرب، بعدما صوّرت التقديرات استسلام إيران أمراً محسوماً. وقد عززت ردود فعل إيران الرمزية تجاه استفزازات أمريكا وكيان يهود في الماضي هذا التصور داخل جيوش المسلمين، ومفاده أن الهزيمة حتمية في أي صراع مع أمريكا أو كيان يهود.

 

وعلى الرغم من الواقع المؤسف المتمثل في فساد جانب كبير من الثقافة العسكرية المعاصرة لدى المسلمين بسبب البراغماتية والنظريات الغربية في الحرب وإدارة الدولة، فإن نتيجة هذه الحرب ينبغي أن تدفع جيوش المسلمين إلى إعادة تفكير جادة. وينبغي أن تشجعها على رفض نماذجها الحالية وتبني الجهاد وإقامة دولة الخلافة التي تطبّقه. وتقف البلاد الإسلامية على أعتاب تغيير تاريخي، في ظل الانحدار الحاد لأمريكا والغرب ووجود فراغ فكري وسياسي جاهز للملء. ولا يبقى سوى تحدٍّ واحد، هو قرار القادة العسكريين المخلصين داخل جيوش المسلمين، ولا سيما الأقوياء والقادرين منهم، بالوقوف إلى جانب الأمة نصرةً للإسلام.

 

يعرض هذا المقال أربعة دروس رئيسية من حرب أمريكا وكيان يهود على إيران لتتأملها جيوش المسلمين:

 

الدرس الأول: أمريكا ليست منيعة

 

لعقود، صوّر الحكام العملاء في البلاد الإسلامية القوة العسكرية الأمريكية على أنها لا تكاد تُقاوم. غير أن حربي أفغانستان والعراق أظهرتا بالفعل أن إلحاق الضرر بالقوات التقليدية للخصم لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية المنشودة. وقد دلّت المقاومة التي أعقبت احتلال أمريكا للبلدين على أهمية الإرادة السياسية في تحديد نتائج الحروب. ورغم أن إيران لم تُحتل، فإن الحرب الأخيرة عززت قيمة إرادة المقاومة، حتى مع القضاء على قيادات رفيعة المستوى.

 

لقد عطّلت إيران بمفردها منظومة الأمن الأمريكية في الشرق الأوسط، الممتدة على مدى عقود. وهذا إنجاز يرى القادة العسكريون الإقليميون أنه غير قابل للتحقيق. فقد دخلت إيران الصراع من دون قوة جوية فعّالة، لكنها اعتمدت على الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة ومنصات الإطلاق الموزعة والعمليات غير المتكافئة، وتمكنت من استهداف قواعد الولايات المتحدة وكيان يهود في أنحاء المنطقة. وأصبحت هذه القواعد، التي كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها مناطق خلفية آمنة، أهدافاً مكشوفة في الخطوط الأمامية.

 

وقد وصفت تقارير في مؤسسات مثل وول ستريت جورنال وفايننشال تايمز ونيويورك تايمز اضطرابات كبيرة وتقييمات للأضرار وإعادة تقييم أوسع لمدى تعرض البنية التحتية الخليجية التي تستضيف القوات الأمريكية للخطر. ودفع ذلك واشنطن إلى التخطيط للطوارئ من أجل توزيع أصولها بصورة أكبر، وزيادة الاعتماد على مراكز بديلة مثل الأردن وكيان يهود، وتقليل تركّز عملياتها في الخليج. وقد أجبر ضعف هذه المنشآت الولايات المتحدة على توزيع قواتها، ونشر تدابير دفاعية، وتوخي الحذر العملياتي.

 

والدرس الأكبر هو أن الوجود العسكري الأمريكي في البلاد الإسلامية لا يستمر إلا بسبب الحكام العملاء. فهذه القواعد والحكام الذين يستضيفونها كالأفاعي في باحتنا، وينبغي قطع رؤوسها من أجل أمن المسلمين. فمن هذه القواعد تُشنّ الهجمات على بلاد المسلمين أو تُدار. وهذه القواعد قابلة للتعرض للخطر في الواقع، ويمكن إزالتها أو تدميرها بسهولة، كما توضح الاستراتيجية الإيرانية. ولا يتطلب الأمر سوى قرار عدد قليل من الرجال الأحرار في جيوشنا، ممن يرفضون تصديق الصور الزائفة لتفوق أعدائنا، بأن يضربوهم بقوة وجرأة وذكاء.

 

الدرس الثاني: القوة الأمريكية تعتمد على الحكام والقادة العملاء محلياً

 

تُسقط الولايات المتحدة قوتها في الشرق الأوسط من مسافة آلاف الكيلومترات، ولا تستطيع الحفاظ على وجودها هناك بالاعتماد على حاملات الطائرات والقاذفات بعيدة المدى وحدها. فهي تحتاج إلى مطارات وموانئ ومنشآت استخبارات وتصاريح للتحليق وإمدادات وقود وشبكات اتصالات وحماية سياسية توفرها الحكومات الإقليمية العميلة.

 

وهذا الاعتماد ليس خاصاً بالصراع الإيراني الحالي. فقد كان تعاون باكستان اللوجستي والاستخباراتي وتعاونها في مجال العبور محورياً في الحملة الأمريكية في أفغانستان. وبالمثل، اعتمد غزو العراق واحتلاله اللاحق بدرجة كبيرة على الوصول إلى قواعد الخليج والبنية التحتية الإقليمية. وقد رفضت تركيا السماح بفتح مسار غزو رئيسي من الشمال عام 2003، موضحةً كيف يمكن لقرار دولة واحدة ذات موقع استراتيجي أن يعقّد التخطيط الأمريكي بدرجة كبيرة. ثم مارست إيران نفوذاً في العراق بعد الغزو، لمساعدة أمريكا على تحقيق الاستقرار في البلاد.

 

وقد كشفت الحرب مرة أخرى هذه الحقيقة البنيوية. فالقواعد والمنشآت الأمريكية في قطر والبحرين والكويت والأردن والسعودية والإمارات تمنح واشنطن عمقاً استراتيجياً، لكنها تجعل الدول المضيفة عرضة للانتقام أيضاً. ولذلك تواجه دويلات الخليج معضلة؛ فهي تعتمد على حماية أمريكا، بينما تخشى أن تحوّل عمليات أمريكا على أراضيها إلى ساحات قتال. كما أن تردد الرئيس ترامب المتكرر في تصعيد إضافي، بما في ذلك إلغاؤه ضربات مخططاً لها بعد مناشدات يائسة، يُظهر أن حرية العمل الأمريكية مقيّدة بمصالح وكلائها الإقليميين ومخاوفهم.

 

والدرس واضح: إن الهيمنة الأمريكية في المنطقة تقوم فقط على موافقة إقليمية. ويجب على القادة العسكريين المسلمين المخلصين في إيران وباكستان وسائر البلاد الإسلامية أن يتعاونوا لإزالة الوجود الأمريكي، الذي أصبح بالفعل في أضعف حالاته بسبب الضربات الإيرانية. وهناك حاجة إلى مزيد من التنسيق بين جيوش المسلمين لبناء نظام أمني إقليمي جديد يتمحور حول الخلافة، بدلاً من الدول القومية المصطنعة. ولا تحتاج دول الخليج إلى اتفاق دفاعي مع باكستان، بل إلى إطار أمني جماعي في صورة الخلافة، يوحّد قوتنا للتحرك ضد كيان يهود وإزالة وجوده السرطاني نهائياً.

 

الدرس الثالث: ميزة الجغرافيا

 

إن أعظم أصل استراتيجي لإيران هو جغرافيتها، وينطبق الأمر نفسه على البلاد الإسلامية الأوسع. حيث تقع إيران بجوار مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادةً جزء كبير من النفط والغاز الطبيعي المسال المتداول عالمياً.

 

ومن خلال تهديد الملاحة وتعطيل تدفقات الطاقة، حوّلت إيران مواجهة عسكرية إقليمية إلى مشكلة اقتصادية عالمية. فقد انخفضت حركة المرور عبر المضيق بشدة، وغيّرت السفن مساراتها، وتفاعلت أسواق النفط مراراً مع مؤشرات التصعيد أو الدبلوماسية. وتركزت المحادثات الأخيرة التي شاركت فيها إيران وسلطنة عمان بدرجة كبيرة على ترتيبات الملاحة، بينما ربط الرئيس ترامب المفاوضات المحتملة بإعادة فتح الممر المائي.

 

وهكذا أثبتت إيران كيف يمكن لقوة إقليمية أن تستخدم نقطة اختناق بحرية حيوية لفرض تكاليف على الولايات المتحدة تتجاوز بكثير ميدان المعركة المباشر. فالجغرافيا ورقة ضغط يمكن استخدامها لإخضاع أعدائنا. وتمتلك البلاد الإسلامية الأوسع عدة ممرات استراتيجية مهمة، منها مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والمضائق التركية، والطرق البرية وطرق الطاقة الرئيسية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. ويمكن لقيادة إسلامية مخلصة وواعية أن تحقق انتصارات دبلوماسية لصالح الإسلام والمسلمين من خلال استغلال الجغرافيا الاستراتيجية، وهو ما يفتقر الحكام الحاليون إلى الإرادة والرؤية للقيام به.

 

الدرس الرابع: دروس من التاريخ الإسلامي

 

يقدم التاريخ الإسلامي أمثلة على قادة عسكريين جمعوا بين الإيمان والشجاعة والإعداد والهدف السياسي. فقد عُرف خالد بن الوليد رضي الله عنه بالحركة والقدرة على التكيف في ميدان المعركة. وأدرك صلاح الدين أن الوحدة السياسية للأمة يجب أن تسبق النجاح العسكري المستدام. وواجه سيف الدين قطز تقدماً مغولياً بدا أنه لا يمكن إيقافه في عين جالوت. كما جمع السلطان محمد الثاني بين الطموح والهندسة والإمداد والاستخبارات والإعداد الدقيق قبل فتح القسطنطينية.

 

ولا ينبغي اختزال هذه الإنجازات التاريخية في شعارات، كما يحدث في سياسات التعليم العسكري الحالية في بلادنا. فقد نجح هؤلاء القادة الأبطال لأن القناعة ساندتها الإدارة والتنظيم، والصبر، ووحدة القيادة، ومعرفة الخصم، وفوق كل ذلك الثقة الراسخة بالله ﷻ ونصره. وينبغي للقادة العسكريين المسلمين المخلصين اليوم أن يقتدوا بأبطالنا وأن يغيروا مجرى التاريخ كما فعل أسلافهم.

 

لقد فشلت الولايات المتحدة وربيبها، كيان يهود، في إخضاع إيران، وتلقّتا في المقابل عقاباً عسكرياً. فإذا كان أعداؤنا عاجزين عن احتواء منطقة إسلامية قوية واحدة، فكيف سيواجهون جيوش باكستان وتركيا ودول الخليج ومصر وغيرها مجتمعة؟

 

والخلاصة: لقد كشفت حرب أمريكا على إيران ضعف أمريكا وغطرستها. والمهمة المطروحة الآن أمام أصحاب القرار في بلاد العرب والعجم، سواء في مصر أو السودان أو سوريا أو تونس أو تركيا أو إيران أو باكستان، ليست استبدال شكل من أشكال الهيمنة بآخر، بل بناء نظام إقليمي مستقل في ظل الخلافة، في وقت أصبح فيه أعداؤنا في أضعف حالاتهم.

 

ويجب على القادة المسلمين المخلصين إدراك حدود القوى العظمى والإيمان بقوة المسلمين ومواردهم الهائلة. وعليهم ألا يعودوا يؤمنون بالفكرة المدمرة للدولة القومية التي لم تجلب للبلاد الإسلامية إلا الخراب والانقسام. كما يجب على العقل العسكري المسلم اعتماد إطار الإسلام والجهاد، وإزاحة المفاهيم الغربية الفاسدة للحرب والسياسة. لقد حان وقت الدفع المنسق النهائي لقلب النظام الأمني والاقتصادي والسياسي الإقليمي الموالي للغرب، وبدء عهد جديد من الانتصارات في ظل الخلافة.

 

يا ضباط جيوش المسلمين: أعطوا النصرة لإقامة الخلافة الراشدة، التي ستوحّد الأمة الإسلامية كلها ومواردها الهائلة وجيوشها القوية في دولة عظيمة تحت قيادة خليفة واحد، يخوض الجهاد في سبيل الله ويهزم الكافرين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد سلجوق – ولاية باكستان

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.