- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أحداث مالي مفتاح المنطقة بالنسبة لأمريكا
في عالمٍ تتحول فيه الأماكن المنسية إلى مفاتيح، وتغدو الفوضى لغةً جديدة تُكتب بها خرائط النفوذ، هناك في عمق الساحل الأفريقي، حيث تبدو مالي للوهلة الأولى دولةً بعيدةً عن مركز القرار الدولي، تتشكل اليوم معادلة أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح. فالأحداث التي تتوالى ليست مجرد اضطراب أمني عابر، بل تشهد مالي منذ أسابيع تصعيداً وارتدادات عميقة لتحول دولي يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال بنية النظام العالمي نفسه.
لم تعد مالي تُقرأ كملف أمني، بل كاختبار مفتاحٍ لإرادات القوى الكبرى، وبين انسحاب القوى التقليدية وصعود لاعبين جدد، تتكاثف المؤشرات على أن ما يجري ليس نهاية أزمة، بل بداية مرحلة قد تعيد تعريف موقع الساحل الأفريقي بأكمله، وتصبح بوابة عبور لمشاريع تدخل أوسع تمتد ظلالها إلى المغرب العربي وعمق أفريقيا. وهنا نقرأ المشهد ليس فقط من باب التحليل، بل أيضاً من باب استشراف ما قد يكون أخطر؛ حين تتحول الفوضى من حالة طارئة إلى إدارة استراتيجية.
أولاً: ما الذي تغير في مالي؟
تشهد مالي منذ أسابيع تصعيدا خطيراً وغير مسبوق في العمليات العسكرية، وصولاً إلى مشارف العاصمة باماكو، ما يهدد كيان الدولة ويعيد تشكيل خريطة النفوذ في منطقة الساحل الأفريقي. ولا يمكن فهم هذه الموجة الجديدة من العنف بمعزل عن التحولات التي عصفت بالبلاد منذ عام 2020، لذلك سوف أستعرض بعضها:
انهيار المعادلة القديمة وشرعية المجلس العسكري:
بنى المجلس العسكري شرعيته على استعادة السيادة الوطنية وإنهاء الوجود العسكري الغربي، لكن هذه الرؤية انهارت نتيجة الفراغ الأمني بعد الانسحاب الكامل للقوات الفرنسية (عملية برخان)، وإنهاء البعثة الأممية (مينوسما). وفي أواخر عام 2023 أصبح هناك فراغ أمني هائل استغلته الجماعات المسلحة لتوسيع نطاق سيطرتها. وفشل الحليف الروسي عبر مجموعة الفيلق الأفريقي (التي حلت محل فاغنر في صيف 2025) في تحقيق الاستقرار، وانسحب من مواقع رئيسية وسط تقارير عن انتهاكات حقوقية زادت من تأزيم الوضع الإنساني (سكاي نيوز، 3 أيار/مايو 2026).
كما تغيرت طبيعة الحرب من صراع حدودي إلى حصار داخلي، وتحولت إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى خنق الدولة اقتصادياً وإنسانياً، حيث تم استهداف البنى التحتية وسلاسل الإمداد للسلع الأساسية، ما هدد العاصمة نفسها وأظهر عجز القوات الحكومية.
تشكّل تحالف استراتيجي بين الفصائل المسلحة:
حيث إن الفصائل المتناحرة سابقاً أعلنت رسمياً عن تحالفها، فجبهة تحرير أزواد التي أُعيد تشكيلها عام 2024 ككيان موحد يضم الطوارق والعرب، نبذت اتفاقية السلام لعام 2015 التي كانت بإشراف الجزائر، وجددت المطالبة بحكم ذاتي كامل للشمال، وأبرمت تحالفاً عسكرياً مع الجماعة الجهادية (الذراع المحلي لتنظيم القاعدة)، ما وحّد الخبرات العسكرية والموارد البشرية واللوجستية ضد القوات الحكومية. وهذا التحالف ما كان له أن يكون إلا بدعم خارجي، لما بينهم من تباين فكري كبير.
ثانياً: هل لدى أمريكا مصلحة في التوسع؟
نعم، أمريكا بالفعل لها مصلحة في الساحل وأفريقيا عموماً، فهي لا ترغب بزيادة النفوذ الروسي والصيني، وهي بحاجة إلى تأمين الموارد (اليورانيوم، الذهب، تربة المعادن النادرة، وغيرها كثير)، وحرمان الصين من ذلك. وهناك حجة دائمة تصنعها وتستخدمها، وهي مكافحة التنظيمات المتطرفة.
لكن استراتيجيتها غالباً ما تكون غير مباشرة، عبر الشراكات الأمنية والقواعد المحدودة والعمل من خلال حلفاء إقليميين. وما يمنعها من التدخل المباشر عوامل عدة، منها:
- الرفض الشعبي في دول الساحل لأي وجود أجنبي جديد بعد التجربة الفرنسية.
- صعود الأنظمة العسكرية التي تميل إلى السيادة وترفض الإملاءات الخارجية نسبياً.
- تعقيد الجغرافيا السياسية لدى دول المغرب العربي (المغرب، تونس، ليبيا)، حيث لكل دولة حساباتها الخاصة.
لذلك نرى أن التدخل غير المباشر هو المرجح، عبر تكثيف العمل الاستخباراتي، ودعم غير مباشر لدول مجاورة أكثر استقراراً، واستغلال الفوضى في مالي كنقطة ارتكاز لمراقبة التحولات وإدارة النفوذ في المنطقة برمتها.
وهنا نلاحظ الصراع الخفي، ولكن بطبيعة مختلفة، فأمريكا تواجه خصومها في النفوذ بشكل غير مباشر:
الصين: تعمل بهدوء طويل النفس عبر القروض والطرق والموانئ، لمحاولة فرض نفوذها في المنطقة، وصراعها اقتصادي أكثر منه سياسي.
روسيا: لديها أدوات أمنية، وتلعب في الفوضى والفراغ، وتؤثر أحياناً بلعبة النفوذ، دون أطماع سياسية واضحة، وقد تلقت ضربة قاسية في مالي.
الغرب التقليدي: أي الاستعمار القديم، وهو اليوم أضعف، لكنه يحاول منع انهيار نفوذه القديم واستعادته إن استطاع.
وهؤلاء ليسوا تحالفاً موحداً ضد واشنطن، بل لكل منهم أهداف مستقلة، وأمريكا لا تبحث عن سيطرة كلية، لكنها لا ترغب بأي نفوذ يشكل خطراً عليها أو مزاحم لها. وعليه، تبقى المنطقة ساحة مفتوحة تتقاطع فيها مشاريع متعددة، لا يمكن لأي طرف فيها السيطرة الكاملة عليها، على الأقل حتى الآن.
ثالثاً: كيف تكون مالي بوابة للتدخل الأجنبي؟
كل تدخل خارجي يبدأ عبر الفراغ الأمني، ومالي اليوم تعاني من هشاشة الدولة وتعدد الفاعلين المسلحين، ما يخلق مبرراً جاهزاً تحت عنوان مكافحة الإرهاب. وتسعى أمريكا إلى إعادة بناء شبكتها الاستخباراتية في المنطقة، وتحقيق دعمٍ عبر المراقبة وضربات محدودة دون انتشار واسع، وتقديم نفسها كبديل أقل كلفة من التدخلات التقليدية السابقة.
وهكذا تصبح مالي مختبراً أمنياً يبرر توسع الحضور، ويمارس الضغط على المحيط المالي عبر تعزيز الشراكات مع دول مثل النيجر (رغم وضعها المعقد حالياً)، وتشاد، ودول خليج غينيا.
وتستخدم أمريكا شعار منع تمدد الخصوم لتبرير وجودها، فتجمع بين مكافحة الإرهاب ومنع النفوذ المنافس، ومنه تتمدد نحو المغرب العربي، ولكن ليس بشكل عسكري مباشر، حيث إن أي تدهور في الساحل الأفريقي ينعكس على الجزائر وليبيا، ويفرض تعاوناً استخباراتياً تحت ذريعة مراقبة الحدود ومكافحة التهريب، ومنه تعيد ترتيب الشراكات داخل المغرب العربي.
بمعنى آخر، تصبح مالي نقطة توليد تهديدات تُستخدم لفتح قنوات نفوذ في الشمال، وبذلك تتغلغل واشنطن عبر التدرج (من الأمن إلى الشراكات، إلى النفوذ الإقليمي).
وهذا النجاح يبقى مرتبطاً بمدى تقبل دول المنطقة لهذا التمدد، أو قدرتها على إعادة إنتاج توازنات تمنع أي قوة من تحويل الفوضى إلى هيمنة.
أفريقيا التي عرفت كيف تصوغ لنفسها نموذجاً خاصاً مزدهراً في زمن الإسلام، قادرة على أن تخرج من موقع الساحة إلى موقع الفاعل. فالتاريخ لا يمنح حلولاً جاهزة، لكنه يقدم بوصلة، ومن يملك البوصلة لا يضل الطريق.
وأفريقيا عامة، وبلاد الإسلام فيها خاصة، تعلم أن البوصلة تتجه نحو نظام مبدئي يحقق العزة والعدالة والحرية لهذه القارة التي عانت وما زالت تعاني، ولن يحقق لها ذلك إلا مبدأ الإسلام، فهو الوحيد الذي يعي معنى رعاية شؤون الشعوب، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويخرج الاستعمار بكل أشكاله وتحت أي مسمى.
وهذا الاستعمار الذي استعبد هذه الشعوب وساقها لتكون له عبيداً ونهب ثروات بلادها، كان الإسلام على النقيض منه؛ فقد حرر العبيد، وأطلق حريات الشعوب ضمن بوتقة الإسلام بكل رعاياه، وحقق لهم الازدهار العلمي والتجاري والإنساني.
فاليوم القرار بين أيدي أبناء هذه القارة، فليهبّوا للتخلص من الحكام العملاء، وإخراج الاستعمار، وإعلاء كلمة الله، واستئناف الحياة الإسلامية. والأمة الإسلامية بشبابها وثرواتها لهم عون، فإن قضية الإسلام واحدة، وجميعنا تحت خلافة واحدة، ودولة واحدة، ولغة واحدة.
فاغتنموا السير مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، ورفض العصبيات العرقية والوطنية والإثنية، ولنعد إلى بوتقة الإسلام الجامعة الوحيدة لهذه الأمة.
قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم