Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

إلى أين يتجه مسار السياسة في قرغيزستان؟

 

 

في أعقاب عزل الرئيس السابق للجنة الدولة للأمن القومي، كامشيبيك تاشييف، عزل عدد من المسؤولين المرتبطين به من مناصبهم، كما قدّم عدة نواب استقالاتهم من عضوية البرلمان. وقد أصبح ذلك علامة على النهاية الرسمية لتحالف شخصين نافذين كانا يديران السلطة خلال السنوات الخمس الماضية. وقبل تحليل الأحداث الجارية حالياً واتجاهاتها المستقبلية، دعونا نتوقف بإيجاز عند ماضي السياسة في قرغيزستان.

 

وصل الإسلام إلى منطقة آسيا الوسطى، بما في ذلك قرغيزستان، في القرن الثامن الميلادي. ففي عام 751م وقعت معركة طلاس الشهيرة، التي دارت بين جيش المسلمين والجيش الصيني، وانتهت بانتصار المسلمين. ونتيجة لذلك، انقطع نفوذ الصين من المنطقة لما يقارب ألف عام. وخلال تلك الحقبة، حُكمت المنطقة بالإسلام تحت مسميات السلطنة والإمارة والخانية. ومع حلول القرن التاسع عشر، بدأت الإمبراطورية الروسية في الصعود وشرعت في محاولة احتلال آسيا الوسطى. وفي عام 1876م خضعت قرغيزستان للاحتلال القيصري الروسي. وانتهت ثورات المسلمين ضد هذا الاحتلال بالفشل، وكان من بين الأسباب الرئيسية لذلك ضعف ارتباط المنطقة بالسلطة المركزية في عهد الخلافة العثمانية.

 

وبعد سقوط روسيا القيصرية وتأسيس الاتحاد السوفييتي، أصبحت قرغيزستان إحدى الدول التابعة له. وهكذا، بقيت قرغيزستان تحت الحكم المباشر لروسيا من عام 1876 حتى عام 1991. وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي، استقلت قرغيزستان شكلياً، إذ استمر نفوذ روسيا القوي فيها. ويظهر ذلك بوضوح في السياسات التي اتُّبعت خلال عهد أول رئيس، عسكر أكاييف، والتي كانت خاضعة بالكامل لروسيا، فقد أدخل قرغيزستان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تهيمن عليها روسيا عسكرياً، وفتح المجال لنشر القواعد العسكرية الروسية داخل البلاد. أما سياسياً، فقد أصبحت عضواً في رابطة الدول المستقلة التي أنشئت بديلاً عن الاتحاد السوفييتي. ومن الناحية الاقتصادية، فتح المجال أمام تدفق مئات الآلاف من المهاجرين إلى روسيا، وحوّل البلاد إلى دولة تعتمد على الاستيراد، مع التركيز على جلب السلع الأساسية من روسيا. كما منح أكاييف اللغة الروسية صفة رسمية، ما ضمن استمرار الثقافة الروسية في البلاد.

 

وفي أواخر تسعينات القرن الماضي، ومع انشغال روسيا بحربها ضد الشيشان، أعلنت أمريكا حربها ضد الإسلام وغزت أفغانستان والعراق. واستغلت هذه المرحلة لتجد فرصة للتأثير، ولو جزئياً، على السياسيين في قرغيزستان. ولا سيما في عهد جورج بوش الابن، حيث بدأت بإقامة علاقات مع قادة آسيا الوسطى. وبالفعل، في عام 2001، افتتحت قاعدة ماناس الجوية الأمريكية قرب بيشكيك. ولم تعارض روسيا ذلك، إذ كانت حملة أمريكا ضد الإرهاب تحت مسمى الإسلام في أوجها عالمياً، وقد حاولت روسيا من خلال موافقتها على افتتاح القاعدة احتواء السياسة الأمريكية الخبيثة. ولا شك أن هذا الوضع مهّد لدخول نفوذ أمريكا إلى البلاد.

 

وخلال عهد أكاييف، غرق المسؤولون في الفساد، وأدى عجزهم عن الحكم إلى دفع البلاد نحو الهاوية. ونتيجة لسوء الإدارة وانتشار الرشوة على نطاق واسع، تفاقم الفقر ودخل الاقتصاد في حالة من الركود. إضافة إلى ذلك، تم في عام 2003 إجراء استفتاء وأدخلت تعديلات على الدستور، ونتيجة لذلك تقلص دور البرلمان، وتوسعت صلاحيات الرئيس، وفتح الطريق أمام أكاييف لإعادة انتخابه رئيساً من جديد.

 

يمكن اعتبار ذلك داءً لدى من يتولّون قيادة هذا البلد؛ لأنهم إن وصلوا إلى السلطة، سعوا إلى الحكم الأبدي. وفي النهاية، يلجؤون عبر الاستفتاءات إلى توسيع صلاحياتهم وزيادة مدة ولايتهم الرئاسية. وقد سئم الشعب من هذا الوضع، فقام عام 2005 بثورة أسقطت أكاييف، وجاء باكييف مكانه. وخلال حملته الانتخابية، أعلن تشكيل تحالف مع الجنرال فيليكس كولوف، صاحب النفوذ في الشمال. وكان كولوف قد سُجن بدوافع سياسية في عهد أكاييف، ثم أطلق سراحه أثناء الثورة. لكن لم تمضِ سنة حتى انهار هذا التحالف القائم على المصالح، وتركّزت مقاليد السلطة كاملة في يد باكييف.

 

كانت روسيا تعتقد أنه رغم مجيء باكييف من صفوف المعارضة، فإنه بعد وصوله إلى الحكم سينفّذ مطالبها بالكامل، لأن أدوات النفوذ الأساسية في البلاد كانت بيدها، وكانت تعلم أن أيّاً كان من يتولى الحكم سيجبر على تنفيذ أوامرها. غير أن حالة عدم الاستقرار والفوضى والاضطرابات الشعبية فتحت المجال أمام دخول القوى الغربية إلى البلاد، وعلى رأسها أمريكا. إضافة إلى ذلك، كان باكييف نفسه ضمن دائرة القوى الموالية للغرب، كما برزت شخصيات سياسية أخرى ذات توجه غربي بعد هذه الثورة إلى البرلمان ومفاصل السلطة. إلا أنه، كما أسلفنا، وبسبب ارتباط قرغيزستان عسكريا وسياسيا واقتصاديا بروسيا، فإن من يتولى القيادة يضطر للخضوع لها.

 

في المرحلة الأولى من رئاسته، التزم باكييف بموقف روسيا وسعى إلى تنمية اقتصاد البلاد. لكنه لاحقاً اتجه نحو سياسة متعددة الاتجاهات، وسعى إلى افتتاح مركز لتدريب القوات الخاصة الأمريكية في البلاد. وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ بتوسيع التعاون مع الصين. ولم ترض روسيا عن ذلك، إذ كان افتتاح مركز لتدريب القوات الخاصة الأمريكية بمثابة خط أحمر بالنسبة لها، لما يمثله من تهديد مباشر. إضافة إلى ذلك، استحوذ ابن باكييف وأقاربه على مناصب مهمة، وبدأوا بالتحكم في البلاد كما يشاؤون، ما أثار سخط الشعب. ونتيجة لذلك، وفي عام 2010، استغلت روسيا حالة السخط الشعبي وتمكنت من إسقاط باكييف، وشُكّلت حكومة مؤقتة برئاسة روزا أوتونباييفا.

 

وفور انتهاء الثورة، اندلع صراع عرقي في جنوب البلاد، أودى بحياة عدد كبير من الناس، وكانت روسيا وراء هذا الصراع القذر، إذ سعت من خلاله إلى إعادة أوزبيكستان إلى قبضتها من جديد؛ لأنها كانت قد قطعت علاقاتها مع روسيا وبدأت تتجه نحو أمريكا. فقد قامت أمريكا بإغراء كريموف اقتصادياً وأمنياً، ما دفعه إلى التقارب معها بشكل متزايد والابتعاد عن روسيا بشكل ملحوظ. وبناءً على ذلك، كان على روسيا أن تضع حداً لتقارب كريموف مع أمريكا. فإذا ما عبر اللاجئون الأوزبيك من قرغيزستان إلى أوزبيكستان نتيجة هذا النزاع، فسيُتخذ ذلك ذريعة للتدخل عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي بحجة حل الأزمة. وبما أن المشكلة كانت خطيرة، فستُجبر أوزبيكستان على العودة إلى هذه المنظمة. إلا أن أوزبيكستان، رفضت ذلك بتدخل من الإدارة الأمريكية، بل وأغلقت حدودها أمام اللاجئين. وفي النهاية، لم تتمكن روسيا من تحقيق هدفها بالكامل.

 

وكما أسلفنا، فإن حالة عدم الاستقرار في البلاد تفتح المجال لدخول النفوذ الغربي، وقد حدث ذلك بالفعل. ففي عام 2010، استغلت أوتونباييفا الوضع وتولت قيادة السلطة، واعتُمد دستور جديد بمبادرة من تيكيباييف. ووفقاً للدستور الجديد، تحولت البلاد إلى نظام برلماني، وتقلصت صلاحيات الرئيس. ونتيجة لذلك، أصبحت قرغيزستان أول (جمهورية) برلمانية في آسيا الوسطى. ولم ترض روسيا عن ذلك، لأنها تعارض وصول القوى الموالية للغرب إلى الحكم عبر النظام البرلماني، وتفضّل أن تكون السلطة مركّزة بيد شخص واحد تابع لها.

 

غير أنه بعد أوتونباييفا، انتهج أتامباييف سياسة موالية لروسيا. وبأوامر من روسيا ألغت قرغيزستان من جانب واحد في عام 2014 الاتفاق المتعلق بالقاعدة الجوية الأمريكية في مطار ماناس، كما ألغت عام 2015 اتفاقية التعاون مع أمريكا، وكذلك انضمت للاتحاد الجمركي الذي عزز نفوذ روسيا الاقتصادي في البلاد.

 

سعى أتامباييف أيضاً إلى الحكم الأبدي، فقام بتوسيع صلاحيات رئيس الوزراء. وبعبارة أخرى، خطط لإدارة البلاد من وراء الستار بعد مغادرته منصب الرئاسة. ولتعزيز هذا المخطط، أوصل إلى السلطة بعده صديقه سورونباي جينبيكوف. غير أن خطتهما لم تنجح، وانهار تحالفهما. وقد اتسم عهد جينبيكوف بملاحقة أتامباييف وأنصاره، بينما تعززت التبعية لروسيا أكثر في السياسة الخارجية.

 

ومن الجدير بالذكر هنا أن الساحة السياسية في قرغيزستان، منذ نيل (الاستقلال)، تشكلت من مجموعة من الأشخاص المتورطين في الفساد. ولذلك، فإن الصراع على السلطة يتحول سريعاً إلى صراع على نهب الثروات. وللحفاظ على ما جمعوه من ثروات، يبدأون فوراً بالتفكير في الحكم الأبدي، ولذلك فهم يسعون إلى إجراء تعديلات دستورية مختلفة لتمديد بقائهم في السلطة. ويُعد هذا أيضاً من أبرز العوامل التي تقف وراء تكرار الثورات في البلاد.

 

وقد واصل جينبيكوف، باعتباره من هذا الوسط، هذا النهج. ووفقاً للدستور، كانت مدة ولايته الرئاسية محددة بست سنوات. وبعد انتهاء ولايته، احتاج إلى برلمان جديد لتهيئة الظروف لإعادة ترشحه. وهكذا، في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2020، أُعلن فوز الأحزاب القريبة منه. غير أن قمع الحقوق السياسية للأحزاب الأخرى وملاحقتها أثناء الانتخابات أدى إلى تصاعد غضب الشعب. فتدفق أنصار الأحزاب الرافضة لنتائج الانتخابات إلى العاصمة، وسيطروا على مبنى الحكومة. كما اقتحم بعض الأشخاص السجون وأطلقوا سراح شخصيات معروفة كانت معتقلة. ونتيجة لذلك، أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات إلغاء نتائج الانتخابات.

 

ورغم أن من يقف وراء هذه الثورة كان في مقدمتهم الرئيس السابق أتامباييف وسياسيون موالون للغرب، فإن رعاة الغرب لم يتمكنوا من تقييم الوضع بشكل صحيح. ونتيجة لذلك، وفي اجتماع النواب بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر، أُعلن صدر جباروف، الذي أُطلق سراحه من السجن، رئيساً للوزراء. واضطرت روسيا في ذلك الوقت إلى التعامل مع شخصية محايدة تحظى بدعم شعبي. وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر، أقر الرئيس آنذاك سورونباي جينبيكوف ترشيح جباروف رسمياً. وخلال هذه الأيام الأربعة، بذل رعاة الغرب جهوداً مكثفة لمنع جينبيكوف من تسليم السلطة ومحاولة استقطابه إلى جانبهم. ومنذ 15 تشرين الأول/أكتوبر، بدأ جباروف أيضاً بممارسة مهام الرئيس المؤقت. وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في كانون الثاني/يناير 2021، انتُخب جباروف رئيساً. وكما جرت عادة الرؤساء السابقين، أجرى في عام 2021 استفتاءً لتعديل الدستور، ونتيجة لذلك انتقلت البلاد إلى نظام رئاسي، وتم إقرار حق الرئيس في الترشح لولايتين مدة كل منهما خمس سنوات.

 

كان لكامشيبيك تاشييف، الذي ساهم بشكل كبير في وصول جباروف إلى السلطة، دور بارز، إذ تم تعيينه عام 2020 رئيساً للجنة الدولة للأمن القومي، ليصبح الشخصية الثانية الأكثر نفوذاً في البلاد. وخلال فترة تاشييف، وُسعت صلاحيات هذه اللجنة بشكل كبير جداً، حتى تحولت إلى جهاز ينظر في الجرائم بدءاً من قضايا الفساد وصولاً إلى المسائل العائلية الخاصة. كما انخرطت في قمع المعارضة وملاحقة كل من يعارض السلطة، بل حتى من يعبّر عن رأيه فقط. ولعبت اللجنة دوراً رئيسياً في تنفيذ المشاريع التي قد تثير استياء السكان. كما استُخدم مشروع "استرداد الأموال" تحت شعار مكافحة الفساد كأداة لنهب رجال الأعمال، واعتقال المسؤولين السابقين والحاليين، وإخضاع الشخصيات المؤثرة المعارضة للسلطة. وقد ساهم ذلك في ترسيخ الحكم الرئاسي المطلق في البلاد، كما أتاح تركز سلطة هائلة بيد رئيس اللجنة تاشييف. وأدى تركز النفوذ والموارد المادية الكبيرة حوله إلى دفعه نحو طموحات أكبر، إذ قام بتعيين أشخاص موالين له في المناصب الحكومية، ووصل معظم المرشحين الذين دعمهم إلى البرلمان. ووفقاً للدستور الجديد، مُنح البرلمان الحالي الحق في عزل الرئيس.

 

ولم يتأخر ظهور طموحات تاشييف، إذ بدأ نواب البرلمان الجدد يعارضون بعض مبادرات الرئيس، كما بدأ رئيس البرلمان نفسه بمخالفته. بل إن مجموعة من المسؤولين السابقين، الذين عُرفوا باسم "مجموعة الـ75"، قدّموا طعناً بشأن شرعية مدة الرئاسة، ورفعوا مقترحاً إلى البرلمان، لأن الرئيس كان قد انتُخب وفق الدستور القديم، ما أثار تساؤلات قانونية حول إمكانية ترشحه للانتخابات القادمة. ووفقاً لقانون البلاد، فإنه في حال عزل الرئيس لأي سبب، يتولى رئيس البرلمان مهامه بشكل مؤقت. وكان معروفاً أن رئيس البرلمان حصل على مقعده بدعم من تاشييف. وقد أظهرت تطورات الأحداث أن تاشييف، في خضم هذه الاضطرابات، بدأ يطمح إلى الرئاسة. وهكذا، أصبح تاشييف، الذي وصل إلى السلطة مع جباروف، يشكل الخطر الرئيسي على حكمه.

 

ونتيجة لذلك، استغل جباروف سفر تاشييف إلى ألمانيا لتلقي العلاج، وأصدر قراراً بعزله من منصبه. وتبع ذلك عزل أتباعه في السلطة، واعتقال بعضهم، كما أُجبر النواب الذين وصلوا إلى البرلمان بدعمه على التخلي عن مقاعدهم. وفي النهاية، نشرت مقاطع فيديو تتعلق بقضايا فساد خلال فترة توليه السلطة، وفتح قضايا جنائية ضد مقربين منه، كما أدلى هو نفسه بإفادته في وزارة الداخلية.

 

وهكذا، يعمل جباروف على منع ظهور منافس قوي في الانتخابات القادمة، ويمهّد الطريق لتمديد ولايته الرئاسية. وعلى وجه الخصوص، فإن سيطرته على موارد تاشييف تعزز من فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

 

أما فيما يتعلق بالعامل الخارجي في صراع النفوذ بين "الصديقين" على السلطة، فإن روسيا، التي تمتلك النفوذ الرئيسي في البلاد، لم تُبدِ رد فعل يُذكر على عزل تاشييف. بل على العكس، قامت بعض وسائل إعلامها بنشر تقارير ترحّب بإبعاده عن السلطة. وهذا يدل على أنها قد دعمت جباروف بشكل غير مباشر في عزل تاشييف. إضافة إلى ذلك، يُعتبر تاشييف شخصية غير مريحة لروسيا. أولاً، تخشى روسيا من حدوث فوضى في البلاد قد تستغلها القوى الغربية، ولذلك فهي معنية بوضع حد لازدواجية السلطة وضمان إجراء الانتخابات الرئاسية بشكل هادئ.

 

ثانياً، قامت لجنة الأمن القومي، تحت قيادة تاشييف، باعتقال أشخاص شاركوا في حرب أوكرانيا، وأوقفت بشكل حازم الدعوات للمشاركة في هذه الحرب، واتخذت إجراءات صارمة ضد استخدام رموز الأطراف المتحاربة. بل إن اللجنة، في عام 2025، قامت باعتقال موظف في "البيت الروسي" في أوش، إلى جانب عدد من الأشخاص الآخرين، بتهمة الارتزاق. إضافة إلى ذلك، كانت قضية الحدود إحدى الأدوات التي مكّنت روسيا من التدخل في شؤون البلاد وممارسة الضغط والتأثير. وقد أزال تاشييف جميع العوائق التي كانت تعرقل حل هذه القضية، وتمت تسوية النزاعات الحدودية مع طاجيكستان وأوزبيكستان. وبعبارة أخرى، تم (ولو بشكل مؤقت) إلغاء إحدى أدوات نفوذ روسيا التي كانت تتيح لها التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

 

وعليه، لا يمكن استبعاد أن جباروف قد اعتمد أيضاً على دعم خارجي في إقصاء نفوذ تاشييف. ولذلك، سيستمر النفوذ العسكري والسياسي الروسي في البلاد. غير أن أزمة أوكرانيا حرمت روسيا من إمكانية الانخراط في المشاريع الاقتصادية في آسيا الوسطى، بما في ذلك قرغيزستان. ونتيجة لذلك، بدأت قيادة البلاد بتنفيذ المشاريع الاقتصادية الرئيسية بالاعتماد على الصين. وبذلك، تقوم الصين بتفعيل "قوتها الناعمة" وتوسيع نفوذها الاقتصادي بشكل متزايد. فعلى سبيل المثال، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وقرغيزستان 22.7 مليار دولار عام 2024، وارتفع إلى 27.2 مليار دولار عام 2025. كما شهدت استثمارات الصين المباشرة في قرغيزستان نمواً متسارعاً خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما جعل الصين أكبر مستثمر في البلاد. إضافة إلى ذلك، بدأ تنفيذ مشروع سكة حديد الصين-قرغيزستان-أوزبيكستان ضمن مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع يمنح الصين فرصاً كبيرة. كما أن تمويل المشاريع الكبرى يؤدي إلى تقييد قرغيزستان بديون كبيرة، إذ إن الجزء الأكبر من ديونها، التي تقارب 9 مليارات دولار، يعود إلى الصين. وبالتالي، يُتوقع زيادة النفوذ الاقتصادي الصيني، يتبعه نفوذ ثقافي وعسكري.

 

أما علاقة جباروف مع الغرب، فهي تُدار مع الحفاظ على مسافة معينة. ومع ذلك، تسعى أمريكا إلى توسيع نفوذها مستفيدة من الوضع الجيوسياسي. وفي هذا الإطار، أبرمت اتفاقيات بمليارات الدولارات مع دول المنطقة عقب اجتماعات صيغة C5+1 بينها وبين دول آسيا الوسطى. تهتم أمريكا وأوروبا بالمعادن الثمينة والعناصر النادرة في المنطقة. كما تشير الأحوال إلى أن قضايا حقوق الإنسان، التي كانت تُرفع كشعار من الغرب، قد تراجعت إلى المرتبة الثانية. ومع ذلك، يحرص جباروف على الحفاظ على بعض القيم الديمقراطية لاحتواء سخط الشعب وتخفيف التوتر. كما يواصل الاعتماد بشكل محدود على الغرب كقوة موازنة، كي لا يقع تحت تبعية كاملة لروسيا والصين.

 

خلاصة القول، لم يعد هناك حتى الآن عائق جدي يمنع إعادة انتخاب جباروف رئيساً في انتخابات عام 2027. ومع ذلك، وبالنظر إلى سرعة تطور الأحداث السياسية في قرغيزستان، فمن المحتمل أن يتغير الوضع قبيل الانتخابات. وعلى وجه الخصوص، إن المواد التي قد تكون بحوزة تاشييف، الذي عزل قريبا، قد تفتح المجال أمام السياسيين المعارضين للنهوض واستغلال الوضع.

 

إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة النظام الرأسمالي المعمول به في البلاد تزيد من صعوبة معيشة الناس. فارتفاع الضرائب، واستحداث أنواع جديدة منها، وزيادة تعريفات الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه الساخنة والباردة، وكذا ارتفاع أسعار السلع الأساسية، كلها عوامل رئيسية في تصاعد سخط الناس. أما الثروات الطبيعية التي كان ينبغي أن تخدم رفاهية الشعب، فهي تتعرض لنهب الأجانب تحت مسمى المستثمرين. ولا شك أن هذا الوضع يؤدي إلى ازدياد ثراء الرأسماليين مقابل تزايد فقر عامة الناس. ويؤكد ذلك أن الناتج المحلي الإجمالي تجاوز 20 مليار دولار عام 2025 وبلغ مستوى قياسياً، ومع ذلك لم تتحسن ظروف معيشة الشعب بل ازدادت صعوبة!

 

وعليه، فإن الوضع الحالي لقرغيزستان، بل ولآسيا الوسطى وللأمة الإسلامية عموماً، يرتبط بشكل مباشر بتحول بلادنا إلى ساحة صراع بين القوى الاستعمارية. فهدف هذه القوى هو بسط نفوذها ونهب ثرواتنا ومواردنا. ولذلك، فإن تغيير قادة البلاد لا يغير الواقع، إذ إن القوى الاستعمارية تستبدل تابعاً بآخر وتواصل تحقيق أهدافها الأساسية. ونحن المسلمين، لا يمكننا القضاء على هذا الظلم ونفوذ المستعمرين من جذوره إلا بالاتحاد على أساس الإسلام. أما سائر الحلول المطروحة، فهي إما مؤقتة وإما جزء من مناورات تلك القوى.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هارون عبد الحق

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.