Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الثامنة والعشرون

هل اقترب الفجر؟ قراءة الواقع على ضوء سنن التغيير وإقامة الخلافة

 

يتردد سؤال في أوساط المسلمين اليوم: هل النصر قريب؟ غير أن هذا السؤال لا يُجاب عنه بالعاطفة ولا بالأمنيات، بل بميزانٍ شرعيٍّ ينظر في واقع الأمة ومدى التزامها بالطريق الذي رسمه الشرع لإقامة الدين في الحياة. فالنصر في المفهوم الإسلامي ليس حادثةً مفاجئة، ولا انفجاراً عاطفياً، بل ثمرة عمل سياسي واعٍ منضبط بأحكام الشرع، يسير وفق طريقة الرسول ﷺ في التغيير حتى إقامة سلطان الإسلام.

 

إن قراءة الواقع قراءةً سياسيةً على أساس العقيدة هي أول خطوة في معرفة موضع الأمة من النصر. فالمسألة ليست شعوراً عاماً بالضيق، بل تشخيص دقيق هل يوجد مشروع مبدئي واضح لإقامة الحكم بما أنزل الله؟ هل توجد كتلة واعية تحمل هذا المشروع، وتعمل لإيجاده في واقع الناس؟ أم أن الساحة مليئة بردود أفعال جزئية، وحلول ترقيعية، ومطالب إصلاحية داخل أنظمة تقوم على غير الإسلام؟

 

أولى علامات قرب النصر هي وضوح الرؤية السياسية. الرؤية التي تعني إدراك أن الإسلام مبدأ شامل، يتضمن نظام حكم، ونظاماً اقتصادياً، ونظاماً اجتماعياً، وسياسةً خارجية، وأنه لا يقبل التجزئة ولا الحلول الوسط. فالمشكلة ليست في سوء إدارة بعض الحكام، بل في غياب نظام الإسلام أصلاً، وأن تستبدل به أنظمة وضعية تجعل السيادة للبشر لا للشرع. ومن ثم فإن أي مشروع لا يستهدف اقتلاع هذا الأساس وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة يظل يدور في إطار إصلاح جزئي لا يحقق التمكين.

 

النبي ﷺ في مكة لم يطالب قريشاً بتخفيف الظلم أو تحسين توزيع الثروة داخل نظامها، بل واجه أصل النظام القائم على السيادة للبشر، وأعلن أن الحكم لله وحده. اشتغل ﷺ بتكوين جماعة مؤمنة واعية، تصهرها العقيدة، وتحمل فكرة محددة عن المجتمع والدولة. كان العمل سياسياً فكرياً؛ صراعاً فكرياً مع مفاهيم الجاهلية، وكشفاً لفساد قياداتها، وبناءً لرأي عام على أساس الإسلام. هذا الوضوح هو الذي مهّد لإقامة الدولة في المدينة، لا مجرد الشعور بالمظلومية.

 

العلامة الثانية هي تمايز الصفوف على أساس المشروع. حين تتضح الفكرة، ينكشف من يقبل بالإسلام مبدأً للحياة، ومن يرضى بالحلول الوسط أو بالاندماج في الأنظمة الوضعية. التمايز ليس انقساماً عبثياً، بل فرز طبيعي بين من يحمل مشروع التغيير الجذري، ومن يكتفي بالعمل الخيري أو الدعوي الفردي أو المشاركة السياسية ضمن أطر لا تجعل السيادة للشرع. في المدينة، تمايز المؤمنون الصادقون عن المنافقين، وتحدد الصف الذي يحمل أعباء الدولة والجهاد، وهذا التماسك كان شرطاً في الثبات أمام التحديات.

 

أما الأزمات المتلاحقة التي تضرب بلاد المسلمين اليوم، فهي ليست دليل هزيمة بقدر ما هي كاشفة لعجز الأنظمة القائمة. التبعية السياسية، والارتهان للمؤسسات المالية الربوية، والانهيارات الاقتصادية، وتآكل الثقة بين الشعوب وحكامها، كلها مؤشرات على خلل في أساس الحكم. الأنظمة التي تستمد شرعيتها من الدساتير الوضعية، وتحتمي بالقوى الدولية، تعيش على دعم خارجي أكثر من اعتمادها على رضا شعوبها. وهذا الواقع يفتح المجال لطرح البديل المبدئي الذي يعالج الجذور لا الأعراض.

 

غير أن كشف فساد الواقع لا يكفي. فلا بد من وجود عمل منظم لإيجاد البديل. وهذا العمل هو إقامة حزب مبدئي، يتبنى أحكام الإسلام تبنياً سياسياً، ويعمل لإقامة الدولة بإيجاد رأي عام منبثق عن وعي عام، ثم طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة الحكم بالإسلام. هذه هي الطريقة الشرعية المستنبطة من سيرة الرسول ﷺ، وهي ليست خياراً تكتيكياً، بل التزام شرعي.

 

رمضان يذكر الأمة بسنة الصبر المنضبط. الصيام ليس انفعالاً عابراً، بل التزام يومي بأمر الله، وانضباطٌ في السلوك، وتحملٌ للمشقة في سبيل الطاعة. وكذلك العمل لإقامة الإسلام؛ يحتاج إلى صبر على الأذى، وثبات على الفكرة، ورفض للمساومة. النبي ﷺ عُرضت عليه حلول وسط في مكة، كأن يُعبد إلهه عاماً ويعبد آلهتهم عاماً، فرفض رفضاً قاطعاً، لأن المسألة مسألة سيادة، لا تفاوض فيها.

 

النصر إذاً قريب بقدر اقتراب الأمة من استيفاء شروطه؛ من وضوح المشروع، ووجود كتلة واعية، وعمل سياسي منضبط بطريقة الرسول ﷺ، وصبر على الطريق دون انحراف. ليس معيار القرب كثرة الشعارات ولا ارتفاع الأصوات، بل مدى تجذر فكرة الخلافة في وعي الأمة بوصفها فرضاً شرعياً وضرورةً سياسية.

 

الفجر لا يأتي لمجرد أن الليل طال، بل حين تتحرك الأمة وفق السنن التي وضعها الله للتغيير. فإذا وجدت القيادة الفكرية والسياسية التي تجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، وتعمل لإقامة دولة توحد بلاد المسلمين وتحمل الدعوة إلى العالم، فإن وعد الله بالاستخلاف يتحقق. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾، ونصرة الله تكون بنصرة دينه في واقع الحكم والحياة.

 

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل النصر قريب؟ بل: هل نحن نسير في الطريق الذي يقودنا إليه؟ فإذا سارت الأمة في هذا الطريق، كان الفجر حتمياً، وكان قيام الخلافة وعداً صادقاً لا ريب فيه، بإذن الله.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.