- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
صراع المصالح الدولية وأرض المسلمين بين الهيمنة والتمزيق
تشهد البلاد الإسلامية في هذه المرحلة تصاعداً خطيراً في الصراع الدولي، حيث أصبحت ميداناً مفتوحاً لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فحرب أمريكا على إيران، وتحويل بلاد المسلمين إلى ساحات مواجهة، ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الأجنبية التي جعلت الأمة تعيش حالة من الضعف والتبعية.
وهذا الواقع ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مسار طويل من الهيمنة السياسية والاستراتيجية، حيث تتصارع القوى الكبرى على النفط والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية، بينما تبقى شعوب المنطقة هي الضحية الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، غير أن واقع المسلمين اليوم يشهد عكس ذلك بسبب تفرقهم وابتعادهم عن تحكيم شرع الله فقد جعلوا للكفار عليهم سبيلا.
ليست إيران في نظر القوى الكبرى مجرد دولة إقليمية، بل تمثل عقدة جيوسياسية خطيرة بسبب موقعها بين آسيا والشرق الأوسط، وإشرافها على مضيق هرمز، وامتلاكها ثروات نفطية ضخمة، وقربها من روسيا والصين، وامتلاكها قوة عسكرية تهدد مصالحها، فمضيق هرمز يعد من أهم شرايين الطاقة العالمية، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط المتجهة إلى آسيا، وخاصة الصين والهند واليابان.
ولهذا فإن الصراع حول إيران يتجاوز مسألة البرنامج النووي، ليصل إلى الصراع على النفوذ العالمي، خاصة في ظل التنافس الأمريكي الصيني.
وهذه طبيعة الصراع الدولي منذ قرون، حيث تتنافس الدول الكبرى على السيطرة والنفوذ، وهم يصبون حروبهم في بلاد المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فالصراع مع القوى الكبرى ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل صراع حضاري وسياسي واقتصادي.
إن السياسة الدولية لا تقوم على المبادئ بل على المصالح، فالدول الكبرى تستعمل الحلفاء والأدوات لتحقيق أهدافها، فإذا انتهى دور الأداة استبدلت بها غيرها، وهذا ما حدث مراراً في تاريخ المنطقة:
- دعم أنظمة ثم إسقاطها.
- تحالفات مؤقتة ثم صراعات.
- استخدام قوى إقليمية ثم التخلي عنها.
فالاعتماد على القوى الكبرى كان دائماً سبباً في ضياع استقلال الأمة، وهذا ما حذر منه الخالق عز وجل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾.
لم يكن تقسيم بلاد المسلمين أمراً عشوائياً، بل كان نتيجة سياسات استعمارية منظمة منذ هدم الخلافة العثمانية، فبعد الحرب العالمية الأولى قسمت إلى دول صغيرة متفرقة، ورسمت الحدود السياسية الحديثة، فتمزقت الأمة الواحدة إلى عشرات الدول، بدل أن تتوحد امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فالتفرق السياسي كان من أعظم أسباب الضعف الذي تعيشه الأمة اليوم، وأصبحت بلاد المسلمين ميادين صراع بين القوى الكبرى، فالعراق كان ساحة حرب، وأفغانستان، والشام، واليوم تمتد التوترات إلى مناطق جديدة... والسبب في ذلك غياب القوة السياسية الموحدة التي تحمي الأمة.
وقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا الحال فقال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ» فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»، فالأمة كثيرة العدد لكنها ضعيفة بسبب التفرق.
إن وجود القواعد العسكرية الأجنبية في بلاد المسلمين، وتحول أراضيهم إلى منصات انطلاق للحروب، دليل واضح على فقدان السيادة الحقيقية، فبلاد المسلمين أصبحت قواعد عسكرية، وساحات صراع، ومناطق نفوذ، بينما تقف الجيوش عاجزة عن حماية الأمة، مع أن الله تعالى أمرنا بإعداد القوة بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، لكن إعداد القوة لا يكون بوجود التبعية، بل بالاستقلال الحقيقي.
ومن أخطر ما أصاب الأمة اختزال الإسلام في العبادات الفردية، وإبعاده عن شؤون الحياة والسياسة والحكم، بينما الإسلام نظام شامل للحياة، قال رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».
فالإسلام لم يكن مجرد عبادات، بل كان نظام حكم يقود الأمة، لذلك فإن وحدة الأمة ضرورة، وهي ليست فكرة سياسية فقط، بل هي حكم شرعي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
إن ما يجري اليوم من صراعات دولية في بلاد المسلمين ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب الكيان السياسي الجامع الذي يحمي الأمة ويصون مقدساتها ويمنع استباحة أراضيها، فما دامت الأمة متفرقة، ستظل بلادها ساحات صراع، وستظل القوى الكبرى تتحكم بمصيرها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
والحل الشرعي الإسلامي لمشاكل الأمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية هو بعودتها إلى تحكيم شرع الله، وإقامة الكيان السياسي الجامع الذي يوحدها على أساس الإسلام، فتطبق أحكامه وتستأنف به الحياة الإسلامية، وبذلك تتحقق العزة والاستقلال وتنتهي التبعية والصراعات المفروضة على بلادها.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بهاء الحسيني – ولاية العراق