- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الخامسة
الهجرة إلى الحبشة وسياسة الثبات لا التوازنات
لم تكن الهجرة إلى الحبشة مشهداً عاطفياً لأفراد يفرّون بدينهم فقط، بل كانت خطوة سياسية محسوبة بدقة في ميزان الدعوة وهي ما تزال في طور الاستضعاف. حين اشتد الأذى في مكة، وتحوّل التعذيب إلى سياسة ممنهجة لإخماد الرسالة، لم يُؤمر المسلمون بالرد المسلح، ولم يُطلب منهم الاندماج في المجتمع، بل وُجِّهوا إلى خيار ثالث وهو الانتقال المؤقت إلى أرضٍ تتوفر فيها حماية للدعوة، دون تنازل عن العقيدة أو خضوع للأفكار والأعراف والمشاعر والتقاليد التي تخالفها.
اختيار الحبشة لم يكن قراراً عشوائياً. لم تكن الأقرب جغرافياً فقط، بل كانت تتمتع بميزة سياسية أساسية وهي أن فيها حاكماً "لا يُظلَم عنده أحد"، هذه العبارة القصيرة تختزل معياراً مهماً في التفكير السياسي: البحث عن بيئة تحقق قدراً من العدل يتيح استمرار الفكرة ونموها، حتى لو لم تكن تلك البيئة تدين بالإسلام. لم يكن الهدف اندماجاً عقدياً، بل حماية مرحلية.
النبي ﷺ كان يدرك خريطة القوى في الجزيرة وحولها. قريش تملك نفوذاً اقتصادياً واسعاً، لكنها ليست القوة الوحيدة في الإقليم. الحبشة، بقوتها البحرية وعلاقاتها التجارية، كانت توازناً مهماً في البحر الأحمر. إرسال مجموعة من الصحابة إلى هناك كان رسالة مزدوجة: حماية للأفراد، وإظهار أن الدعوة ليست محاصَرة داخل جغرافيا مكة.
عندما حاولت قريش استعادة المهاجرين عبر الضغط، أرسلت عمرو بن العاص بوفد محمّل بالهدايا لإقناع النجاشي بتسليمهم. هنا برز مشهد يكشف الثبات العقدي والذكاء السياسي. جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لم يُجامل في عرض الإسلام، ولم يُخفِ ما يعتقده بشأن عيسى عليه السلام. تلا آيات من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته. لم يُخفِ المسلمون اختلافهم العقدي، لكنهم عرضوه بوضوح واحترام. النتيجة؟ رفض النجاشي تسليمهم، وأعاد هدايا قريش.
هذا الموقف يقدّم نموذجاً دقيقاً: الإسلام لا يعزل نفسه عن الواقع الدولي، ولا يذوب فيه. لا ينعزل، ولا يساوم بحجة الواقعية. يتعامل، يتحالف مرحلياً إن لزم، يستثمر التناقضات بين القوى، لكنه لا يفرّط في ثوابته. لم يقل جعفر ما يُرضي البلاط الحبشي على حساب العقيدة، ولم يدخل في صدام استفزازي بلا داعٍ. كان خطاباً واضحاً، موزوناً، يعبّر عن عقيدة ثابتة واضحة.
في واقعنا المعاصر، كثيراً ما يُطرح خياران متناقضان: إما الانغلاق الكامل بدعوى الحفاظ على الهوية، أو الذوبان في الأنظمة القائمة بحجة الواقعية السياسية. تجربة الهجرة إلى الحبشة تكسر هذا الاستقطاب الحاد. يمكن لأمة أن تتعامل مع نظام دولي معقد، وأن تبحث عن مساحات حركة، دون أن تتخلى عن رؤيتها الخاصة. ويمكنها أيضاً أن ترفض الضغوط التي تمس جوهرها، حتى لو كانت قادمة من قوى عظمى.
السياسة في الإسلام ليست مجرد إدارة مصالح آنية، ولا هي مثالية معزولة عن موازين القوى. هي قراءة واعية للواقع، وفهم للعلاقات الدولية، مع ثبات على العقيدة وما انبثق عنها من أحكام. الهجرة إلى الحبشة لم تكن إعلان ولاء للنجاشي، ولم تكن قبولاً بما يعتقد، بل كانت خطوة ضمن مسار أكبر هدفه إقامة كيان مستقل. وحين توفرت النصرة في المدينة، عاد المهاجرون، لأن المرحلة تغيرت.
الهجرة إلى الحبشة تعلمنا أن البحث عن ملاذ آمن ليس ضعفاً إذا كان ضمن رؤية واضحة. وتعلمنا أن عرض الفكرة بثقة، دون تنازل، أمر واجب حتى لو اختلف الجميع معنا. وتعلمنا أيضاً أن السياسة لا تُدار بالعاطفة، بل بفهم الواقع، وقراءة ما يحيط به، وفق أحكام الإسلام.
هكذا كانت الهجرة إلى الحبشة: عمل سياسي، ورؤية، وخطوة محسوبة في الطريق نحو تمكين لم يأتِ صدفة، بل جاء ثمرة منهج يفهم الواقع دون أن يساوم على الرسالة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر