Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سفينة نوح هي الخلافة في زمن التقلبات السياسية

 

لم تكن سفينة نوح عليه السلام مجرد ألواح ومسامير، بل كانت موقفاً قبل أن تكون وسيلة نجاة. وحين كان نوح عليه السلام يبني سفينته، لم يكن الطوفان قد بدأ بعد، لكن الانقسام كان قد وقع؛ فريق يسخر، وفريق متردد، وقلة فقط اختارت الركوب قبل أن ترى الماء.

 

اليوم، يتكرر المشهد لكن بمسميات أخرى، ووسائل مختلفة، وطوفان أشد خداعا. والأحداث السياسية تتسارع كأمواج متلاحقة، والمواقف تتبدل، والخطاب يتلون حسب المصالح، وحملة الدعوة يُتّهمون بالتهور حينا، وبالبطء حينا آخر، ويطلب منهم أن ينتظروا، أو يهادنوا، أو يركبوا الموجة حتى تتضح الصورة.

 

اليوم تفتح الأبواب للعدو باسم "السلام"، وتزين الخيانة بعبارات المصالح، ويطلب من حملة الدعوة أن يكونوا واقعيين، وأن يتفهموا المرحلة، وأن لا يرفعوا صوتهم عاليا، لكن الحق لا يعرف لغة التدرج حين يكون التنازل عن أصل لا عن فرع.

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فالركون ليس مشاركة في الجريمة، بل تبرير وتطبيل وسكوت. اليوم سفينة نوح في زمننا هي الموقف الواضح من العدو، هي الثبات على الحق، هي البراءة من مشروع الغرب ورفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، وعدم الانخداع بشعارات السلام الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾ فالولاية ليست توقيع اتفاقية فحسب، بل مشاركة في مشروع، وتبرير للرواية، وتنازل عن جوهر الصراع.

 

سفينة نوح في واقعنا مشروع حق واضح المعالم: موقف لا يساوم، ومنهج لا يقبل التدرج، ولا الموالاة، ولا الدخول في مظلة الرأسمالية، بل كيان قائم بذاته، لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يقبل بحلول خارج نطاق حكم الله وشرعه. ومن رفض الركوب بحجة الواقعية السياسية، أو خاف من الغرب، أو راهن على كراسي مؤقتة، وجد نفسه لاحقا وسط الطوفان بلا مركب. فهل نفعت القرابة حين جاء الطوفان؟ أم أن الله نفى عنها صفة القرابة؟ فالسخرية من أهل الحق ودعوتهم، والاعتصام بغير قوة الله، والوقوف موقف المتفرج، مخرجات من الإيمان، بل لم ينج إلا من ركب، لا من سخر، ولا من اغتر بقوته.

 

ومع الأسف نرى اليوم كثيرين اختاروا جبال الغرب: جبل الاقتصاد، جبل الحماية الدولية، جبل الواقعية السياسية... لكن الله قال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ولن ينجو من طوفان الفتن، والتنازلات، والتضليل الإعلامي، إلا من ركب سفينة الحق مبكرا، وتحمل ثقل الطريق، وصبر على أذى الساخرين، ورفض أن يقف في المنطقة الرمادية.

 

فالطوفان قادم، ومن اختار قوة الغرب لا قوة الله، أو تسلق جبل المصالح، سيكتشف متأخرا أنه الخاسر لأن سفينة نوح تسير إلى النجاة الجماعية تحت راية الحق، بينما الطوفان السياسي لا يرحم المترددين، ولا المنافقين ولا المطبلين لأن في عالم السياسة اليوم النجاة فردية.

 

الطوفان قادم لا محالة؛ طوفان كشف، وطوفان حساب، وطوفان سقوط الأقنعة، وحينها لن يسأل الناس: هل كنتم تحسنون الظن؟ بل أين وقفتم؟ ومع من اصطففتم؟ ولمن بررتم؟ ولماذا طبلتم؟

 

سفينة نوح عليه السلام ليست مجرد وسيلة نجاة من بحر هائج، بل كانت كيانا جامعا، وقيادة واحدة، ووجهة واضحة، وفق منهج الله الذي لا يخضع للتدرج ولا للمصالح، ولهذا لم ينقذ الله الناس أفراداً متفرقين، بل أنقذهم بسفينة.

 

واليوم تتجلى الحكمة ذاتها: فالنجاة لا تكون بمواقف فردية، ولا ببيانات خداعة، وشعارات مزيفة، إنما تكون بكيان جامع يمثل الإسلام في الحكم والسياسة، تماما كما مثلت سفينة نوح مشروع النجاة الوحيد في زمن الطوفان.

 

نعم إنها سفينة الخلافة؛ هي سفينة هذا الزمان، ليست شعارا عاطفيا، بل نظام حكم، وراية واحدة، دولة تتبنى قضايا الأمة لا تفاوض عليها.

 

قال الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ فالسفينة لم تُبن بجهد بشري خالص، بل بوحيٍ ومنهج. وكذلك الخلافة لا تقام بالأهواء، ولا تدار بمنطق الواقعية السياسية، بل بمنهج رباني كامل. الخلافة، كالسفينة، لا تتسع للحياد، فإما ركوب كامل، أو بقاء في طوفان التبعية والذل.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالولاية ليست تحالفات دولية، ولا اتفاقيات أمنية، بل نظام حكم وفق منهج الله ورسوله. وكما لم تنقذ قرابة ابن نوح، ولا حسن ظنه بالجبل، لن تنقذ اليوم اتفاقيات التطبيع، ولا مشاريع السلام، ولا جبال الاقتصاد والدعم الدولي.

 

قال تعالى على لسان نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، والرحمة اليوم ليست في الاندماج في النظام العالمي الرأسمالي، بل في ركوب سفينة الخلافة، قبل أن يجرف الطوفان كل من ظن أن بإمكانه النجاة خارجها، فالطوفان ليس ماء هذه المرة، بل تطبيع، وتفكيك، وعداء للدين...

 

فالخلافة ليست اختراعا لا واقع له، بل هي الامتداد السياسي الطبيعي للنبوة في إدارة شؤون الأمة، وحفظ دينها، وصيانة مواقفها من العدو، كما أن نوحاً لم يساوم الطوفان، ولم يعقد هدنة مع الماء، ولم يقبل سلاماً مؤقتاً مع الغرق. فإن الخلافة كسفينة نوح لا تتعايش مع التطبيع ولا مع الغرب ومنظومته الرأسمالية، لأنها قائمة على أصل: الولاء لله، والبراءة من الكفر، وحمل الدعوة إلى العالم. ولا نجاة إلا بسفينة واحدة بقيادة إمام عادل يقودها إلى بر الأمان.

 

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ»، فالإمام، أي الخليفة، ليس لقبا يتغنى به، بل درعٌ واقٍ للأمة، كما كانت السفينة درعا من الطوفان من الهلاك، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وهذا نص خطير الدلالة: إذ يربط ﷺ النجاة من الجاهلية بوجود بيعة لقيادة عامة، لا بمشاعر إيمانية، كما أن الإيمان بنوح لم يكن كافيا دون ركوب السفينة، وقال ﷺ: «فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». لم يقل: الزم رأيك، ولا اعتزل الواقع، ولا ساير الأقوى... بل جماعة تحت قيادة إمام، أي خليفة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ».

 

وبما أن السفينة لا تحتاج إلا قائدا واحدا، فإن رسول الله يبين لنا بقوله ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» وهو حديث يبين خطورة تفتيت القيادة، لأن السفن المتعددة في الطوفان تعني الغرق، فكما لم ينقذ الله أقرب الناس لنوح خارج السفينة، لن تنقذ الأمة اليوم أصدقُ الشعارات دون الخلافة بقيادة خليفة عادل، فالنجاة ليست عبادة صوم وصلاة فقط، بل العمل على الدعوة لإقامة الخلافة الراشدة.

 

الخلافة ليست خيارا بين خيارات، بل هي فرض وضرورة ونجاة. ومن ظن أن بإمكانه النجاة بالحياد، أو بالصمت، أو بالمساومة، سيكتشف متأخرا أن الطوفان لا يعترف بالمنطقة الرمادية ولا بالطريقة التدريجية، ولا يؤمن بفقه الواقع.

 

فطوبى لمن كان من صنّاعها، ولمن ركبها عن وعي، وصبر على أذى الساخرين، وثبت حين طبّل ونافق الجميع؛ لأن السفينة واحدة، والطوفان واحد، والنجاة لا تكون إلا بها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.