- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
معركة حطين والطريق إلى تحرير القدس
شهر رجب من الأشهر الحرم، وميز الله الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.
في هذا الشهر حدثت أحداث عظيمة غيرت التاريخ وقلبت الموازين منها حدث تحرير المسجد الأقصى واستعادته من قبضة الصليبيين في ٢٧ رجب ٥٨٣هـ على يد البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. نجحت الحملات الصليبية في احتلال القدس عام ٤٩٢هـ - ١٠٩٩م ودخلوا القدس وقاموا بالمجازر وبأبشع الأعمال وأفظعها وقد بلغ عدد قتلى المسلمين من الأطفال والنساء والرجال قرابة سبعين ألفاً حتى إن الدماء سالت أنهارا في المسجد الأقصى وفي الحارات والدروب، وبذلك استقر الصليبيون في بلاد الشام وأسسوا على سواحلها إمارات عدة امتدت من خليج الإسكندرونة إلى عسقلان ومن خليج العقبة إلى شمال الرها. فنهض البطل صلاح الدين الأيوبي بمهمة تحرير القدس وفلسطين بأعمال سياسية وعسكرية.
في الجانب السياسي استعاد مصر التي اقتطعت من جسم الخلافة العباسية عندما أقام الفاطميون دولتهم فيها عام ٣٥٩هـ، فأعادها عام ٥٦٧هـ ووحدها مع بلاد الشام، وكذلك شمال العراق واليمن والمغرب وسواحل أفريقيا الشمالية تحت جبهة واحدة في ظل الخلافة العباسية.
وقام بعد ذلك برص صفوف المسلمين نحو هدف تحرير المسجد الأقصى خاصة بعد حادث اعتداء أرناط أمير الكرك على قافلة تجارية لصلاح الدين عام ٥٨٢هـ، وإمارة الكرك هذه واقعة بين بلاد الشام ومصر، وكان بين صلاح الدين وبينها هدنة، من بنودها السماح للقوافل الإسلامية بالانتقال من مصر إلى الشام أو العكس في سلامة وأمن. وكانت نتيجة اعتداءات أرناط على القافلة الإسلامية مصادرة الأموال، وأسر الرجال. ويروي المؤرخون أن قافلة المسلمين لما وقعت في قبضة الصليبي صاحب الكرك استهان بالدين الإسلامي، والنبي ﷺ وقال للأسرى: "إن كنتم تعتقدون في محمد فادعوه أن يفك أسركم، ويخلصكم من شر ما وقعتم فيه"، فنمى هذا إلى السلطان صلاح الدين فغضب غضبا شديدا وحلف لئن أسره ليقتله بيده.
وبعد هذا الاعتداء الفاضح أخذ السلطان يعد العدة ويجمع الجيوش، ويهيئ كتائب المجاهدين ليوقع النكال الشديد بالإفرنج قاطبة ويسترد أرض الإسراء ومهبط الأنبياء، وبعد أن جمع الجموع ونظم الجيوش عقد مجلساً للتشاور في منازلة العدو وتوقيت المعركة، فاتفقوا على الخروج في ١٧ ربيع الآخر سنة ٥٨٣هـ بعد صلاة الجمعة، وبين تكبير المسلمين وتضرعهم بالدعاء خرج صلاح الدين من دمشق.
ولم يأل جهدا رحمه الله في استنفار المسلمين واستنهاض هممهم للجهاد في سبيل الله، وكان لا يُرى إلا مهتما مغتما تعلوه كآبة الحزن والأسى، بل كان عزوفا عن الطعام ولا يتناول من الغذاء إلا الشيء اليسير، ولما سئل عن سبب ذلك أجاب: كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؛ كان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال.
وهجم صلاح الدين على الصليبيين هجوما عنيفا فرق فرسانهم عن مشاتهم، وتقهقرت فلولهم إلى تلال حطين من شدة ما لقوا من الهول والشدة والعطش الشديد، وبعد معارك ضارية بين الطرفين انتصر فيها صلاح الدين انتصار حاسما، وانهزم الصليبيون هزيمة منكرة، ولم يفلت منهم أحد وكانوا بين قتيل وأسير، وبلغ عدد قتلاهم عشرة آلاف، وفي تلك الأثناء سقط أسقف عكا قتيلا ووقع من بين يديه "صليب الصلبوت"، فاستولى عليه المسلمون، وأسر ملك بيت المقدس وأسر أرنا موقد شرارة الحرب، وأقيمت للسلطان صلاح الدين خيمة اجتمع فيها بذوي الرأي من أتباعه ومستشاريه، فسجد الجميع شكرا لله على ما نالهم من نصرة، ثم أمر بإحضار الملك جاي لوز جنان وصاحب الكرك أرناط فأجلسهما داخل خيمته وقد أخذ العطش من الملك كل مأخذ، فطلب ماء فأحضر له ماء مثلوجا، فشربه إلا قليلا منه ثم ناوله صاحب الكرك فقال السلطان حينئذ: "إن لم نعطه هذا الماء حتى يكون آمنا على نفسه"، ثم قام وأنب صاحب الكرك على سوء صنيعه مع قافلة المسلمين وتطاوله على مقام النبوة، ثم ضرب عنقه بيده تنفيذا لوعده وبرا بيمينه.
ثم توجه نحو بيت المقدس وحررها من الصليبيين. وهو في طريقه إليها أرسل له أحد المأسورين في القدس هذه الأبيات:
يا أيها الملك الذي * لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة * تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت * وأنا على شرفي أنجس
ودخل المسجد الأقصى يوم الجمعة 27 رجب ٥٨٣هـ في ذكرى الإسراء والمعراج، وأعيدت فيه الصلاة والخطبة بعد انقطاع، وخطب القاضي محيي الدين بن زكي الدين، ومما قاله في هذا اليوم العظيم: "أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام...)، هكذا تم تحرير القدس في ذكرى الإسراء والمعراج.
واليوم ما أحوجنا لتدبر هذا النصر العظيم لصناعة مثله وتحرير المسجد الأقصى وكل مغتصبات المسلمين، الطريق واضح كما سار عليه البطل صلاح الدين والأمة الإسلامية في ذلك التاريخ وهو توحيد البلاد الإسلامية وإعادة اللحمة بين أجزائها المتفرقة ورص صفوف جيوش الأمة الإسلامية.
تحدث المستشرق هاملتون جب عن نصر صلاح الدين على القوى الصليبية في كتابه "إنجازات صلاح الدين": (إنه رأي بوضوح ضعف الجسد السياسي للمسلمين والذي كان أحد العوامل التي سمحت بتأسيس استمرار الإمارات الصليبية كل ذلك ونتيجة للفساد السياسي، وكانت ثورة صلاح الدين ضد هذه الأوضاع، وكان هناك طريق واحد لوضع حد لذلك من خلال إحياء النظام السياسي الإسلامي وتوحيد الجبهة الإسلامية في ظل الخلافة العباسية).
نحن أمام حقيقة شرعية تاريخية لاستعادة وتحرير الأقصى وهي العمل على توحيد بلاد المسلمين في ظل الخلافة الثانية وهي وعد الله سبحانه وبشرى حبيبنا المصطفى ﷺ، ففي رواية لمسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)
منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان