- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الأزمة المالية في العراق بين الفساد وانعدام الرؤية
لم تعد الأزمة المالية التي يمرّ بها العراق حدثاً عابراً، ولا نتيجة ظرفٍ اقتصاديٍّ طارئ، بل باتت تعبيراً واضحاً عن خللٍ بنيويٍّ في طبيعة الحكم والخيارات التي أدير بها البلد.
ففرض الضرائب وتقليص الرواتب ليسا حلّاً اقتصادياً بقدر ما هما اعتراف صريح بفشل الدولة في إدارة المال العام، واختيار للطريق الأسهل في تحميل الناس تبعات هذا الفشل، علماً أنّ العراق من البلاد التي حباها الله تعالى بثروات نفطية وافرة.
إنّ الفساد الداخلي الذي يشار إليه عادة بوصفه سبب الأزمة لا يمكن فصله عن الإطار السياسي الذي نشأ فيه؛ فالفساد لم يكن انحرافاً فردياً ولا استثناءً إدارياً، بل هو نتيجة طبيعية لنظام سياسي تأسس بموافقة أمريكية. فقد قبلت الولايات المتحدة، منذ إعادة تشكيل النظام السياسي في العراق، بحكومة عاجزة، لأنها تؤدي وظيفة محددة هي: إبقاء الدولة ضعيفة، والقرار السياسي مرتهناً، والاقتصاد تابعاً، وذلك لبسط هيمنتها ونفوذها على البلاد التابعة لها.
وفي هذا السياق، لا يمكن عزل ما يجري في العراق عن سياسة أمريكا تجاه المنطقة برمّتها، لا سيما في عهد ترامب، حيث تصاعد منطق الضغط الاقتصادي والعقوبات، وإدارة الأزمات بوصفها أدوات هيمنة لا وسائل استقرار.
وبدل أن تواجه الدولة هذه التحديات ببناء اقتصاد مستقل وإصلاح جذري، اندفعت نحو تكريس الجباية، واستسهال الاستدانة، والتفريط بحقوق الناس.
إنّ المال العام ليس ملكاً للحاكم ولا للدولة، بل هو أمانة في أعناقهم سيسألون عنها أمام الله؛ فالمال مال الله تعالى، والناس مستخلفون فيه، والحاكم مؤتمن على توزيعه بالعدل.
وقد حرّم الله تعالى الظلمَ بكل أشكاله، سواء أكان عبر الضرائب الجائرة أم نهب الثروات، وحرّم تكديس المال بيد فئةٍ قليلة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، كما حرّم الربا، والاقتراض المذل الذي يرهق الدولة ويرتهن قرارها للخارج.
وبناءً على ذلك، فإنّ تحميل الشعوب كلفة الفساد خيانة شرعية قبل أن يكون خطأً سياسياً، لأنّ الدولة في الإسلام وجدت لرعاية شؤون الناس وليس لاستنزافهم.
إنّ أخطر ما تواجهه الشعوب اليوم ليس الفقر وحده، بل فقدان الوعي؛ فحين يُقنع أهل البلد بأن لا بديل عن هذا النظام، وأنّ الظلم قدر، وأنّ الفساد واقع لا يُغيَّر، يكون الاستعباد قد بلغ ذروته. ولهذا فإنّ استعادة الوعي هي الخطوة الأولى في طريق الخلاص.
وعلى الشعوب أن تدرك أنّ الأزمة ليست أزمة رواتب، بل أزمة نظام، وأنّ الحل لا يكون بترقيعات اقتصادية داخل منظومة فاسدة، بل بالانتقال إلى نظام بديل يحقق العدل، ويصون الكرامة، ويحرر القرار السياسي والمالي من التبعية الغربية.
إنّ هذا النظام المنشود هو الذي فيه عزكم وكرامتكم، بوصفه نظاماً شاملاً للحكم والاقتصاد، فهو ليس حلماً مثالياً، ولا حنيناً إلى الماضي، بل مشروعاً واقعياً يملك أدواته ومصادره. نظام يجعل الثروات ملكاً للأمّة لا للشركات العابرة، ويحرّر الاقتصاد من الهيمنة الغربية، ويربط السياسة بالأخلاق، والسلطة بالمحاسبة، ويطمئن الإنسان فيه على كرامته وقوته، ليكون عبداً لله لا تابعاً للغرب.
إنّ ما يجري اليوم يجب أن يكون جرس إنذار لا لحظةَ يأس؛ فالأزمات الكبرى هي التي تصنع التحوّلات الكبرى، شرط أن تملك الشعوب وعيها، وأن تتجه بثبات نحو النظام الذي فيه عزّها وكرامتها، لا نحو تدوير الفشل والقهر والجوع.
وطريق الخلاص لا يبدأ من الشعارات، بل يبدأ من العقل الواعي الذي يميّز بين الأزمة والسبب، وبين الحلّ الحقيقي والحلول الترقيعية المؤقتة؛ فالأمّة التي تفكّر تفكيراً صحيحاً، وتزن واقعها بميزان العقيدة، لا تُخدع ولا تُستعبد.
وحين تستعيد الشعوب وعيها، تدرك أنّ عزّها لا يُستورد، وأنّ كرامتها لا تُمنح، بل تُنتزع ضمن نظامها الحق، ليعود المجد المفقود ببصيرة الحاضر وثبات الطريق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، ولا يرفع عن أمةٍ الذلّ إلا إذا عادت إلى ميزان الحق الذي أنزله تفكيراً وسلوكاً وحكماً.
فمجد الأمة ليس ذكرى تُبكى، بل وعيٌ يُستعاد حين يُردّ الأمر إلى الله، ويُقام العدل، وتُحفظ الأمانة، وتُرفض أنظمة الظلم مهما تلونت، وحين تعي الأمة أنّ عزّها في طاعة ربها لا في موالاة غيره، تعود لها مكانتها، ويُكتب لها النصر والتمكين.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق