- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس السلام أم مجلس تكريس الهيمنة؟
حين يُعاد تسويق الهيمنة باسم الطمأنينة
بينما لا تزال رائحة الدم في غزة عالقة في الهواء، وتحت الأنقاض أطفال ونساء وشيوخ، خرجت الإدارة الأمريكية بمبادرة تحمل اسماً ناعماً يبعث على الاطمئنان: "مجلس السلام". اسمٌ يلامس وجدان الشعوب المتعبة من الحروب، ويستدعي في ظاهر لفظه وعداً بوقف النزيف، لكنه في حقيقته يثير سؤالاً لا يجوز القفز عنه وهو كيف يكون صانع السلام هو نفسه راعي العدوان، وكيف تدار العدالة بأيدي من موّلوا السلاح ووفّروا الغطاء السياسي للقتل والإبادة؟!
حين يعلن انضمام مصر ومعها عدد من البلاد الإسلامية إلى هذا المجلس الذي أطلق من منتدى دافوس برئاسة ترامب، فإننا لسنا أمام خطوة بروتوكولية عابرة، بل أمام حلقة جديدة في مسار سياسي طويل تُعاد فيه صياغة أدوار دول المنطقة بما يخدم النظام الدولي القائم، ويُعاد فيه تعريف مفاهيم خطيرة كالسلام والاستقرار والشرعية.
ما يسمى "مجلس السلام" لم يأتِ في فراغ، بل جاء بعد فشل كل الأدوات التقليدية في احتواء الغضب العالمي من جرائم كيان يهود في غزة، وبعد اهتزاز صورة الغرب أخلاقياً وقانونياً، وبعد انكشاف عجز المنظمات الدولية عن تبرير الصمت أو الشراكة. لذلك كان لا بد من إطار جديد، يحمل اسماً مختلفاً، ويضم وجوهاً إقليمية، ويظهر المشهد وكأنه توافق دولي لا إملاء أحادياً.
غير أن المتأمل في طبيعة هذا المجلس يدرك سريعاً أنه لا يتحدث عن إنهاء الاحتلال، ولا عن محاسبة المجرمين، ولا عن إعادة الحقوق إلى أهلها، بل يتحدث عن إدارة مرحلة ما بعد العدوان، وعن ترتيبات أمنية وسياسية لغزة، وعن "استقرار" يُقاس بمدى أمن الكيان الغاصب لا بمدى عدل القضية. هكذا يتحول السلام من مفهوم قائم على رفع الظلم إلى أداة لتجميده، ومن وعد بإنهاء الصراع إلى وسيلة لإدارته بما يمنع انفجاره في وجه الهيمنة الغربية.
أما استدعاء مصر إلى هذا المشهد فليس اعتباطياً. فمصر بما لها من ثقل تاريخي وموقع جغرافي ودور إقليمي تُستَخدم لإضفاء شرعية عربية وإسلامية على مشروع لا ينبع من إرادة الأمة ولا يخدم مصالحها. إن المطلوب من مصر في هذا السياق ليس قيادة حقيقية ولا قراراً مستقلاً، بل أداء دور الوسيط المنفذ، وتحمل كلفة سياسية وأخلاقية لخيارات لم تصنعها.
حين يُعرض هذا المسار على ميزان الشرع، تتكشف حقيقته بوضوح. فالإسلام لا يعادي السلام من حيث هو سلام، لكنه يرفض أن يكون السلام ستاراً للباطل أو وسيلة لتكريس الظلم. السلام في الإسلام مرتبط ارتباطاً عضوياً بالعدل، ولا قيمة له إذا كان ثمنه الأرض والعقيدة والدم. لذلك لم يكن الصلح في تاريخ الإسلام يوماً اعترافاً باغتصاب، ولا تنازلاً عن حق، ولا تمكيناً لعدو.
أما ما يُسوَّق اليوم فهو سلام يُبقي الاحتلال قائماً، ويمنح المعتدي حصانة سياسية، ويُحمّل الضحية مسؤولية "التهدئة"، ويحوّل المقاومة إلى مشكلة أمنية، ويجعل دماء المسلمين بنداً تفاوضياً. هذا النوع من السلام ليس حلاً، بل وصفة لإعادة إنتاج الصراع بصورة أكثر إحكاماً وأقل ضجيجاً.
إن الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها راعياً للسلام يتناقض مع أبسط قواعد التفكير السياسي. فالطرف الذي يزوّد كيان يهود بالسلاح، ويستخدم الفيتو لحمايته، ويمنع محاسبته في المحافل الدولية، لا يمكن أن يكون وسيطاً نزيهاً. إنما هو طرف أصيل في الجريمة، وكل مبادرة تصدر عنه محكومة بمصالحه، لا بمصالح الشعوب المقهورة.
إن الرؤية الصحيحة لا تبحث عن تحسين شروط التبعية ولا عن المشاركة في إدارتها، بل عن كسرها من أصلها. ولا تبحث عن مقعد في مجلس يرأسه المستعمر، بل عن استعادة القرار السياسي ليكون نابعاً من العقيدة ومصالح الأمة. والبديل الحقيقي ليس مجلساً جديداً ولا مبادرة دولية، بل مشروع سياسي مبدئي يجعل الإسلام أساسا للحكم، ويجعل تحرير الأرض واجباً لا ملفاً تفاوضياً، ويجعل نصرة المظلوم التزاماً لا خياراً.
يا أهل الكنانة: إن ما يُدار اليوم باسم السلام لا يشبه السلام الذي تعرفونه في دينكم ولا في تاريخكم. مصر التي كانت درع الأمة لا يليق بها أن تكون غطاءً لمشاريع تُصفّى تحتها القضايا، ولا جسراً تعبر فوقه الترتيبات الأمريكية إلى المنطقة. إن وعيكم هو خط الدفاع الأول، ورفضكم لتزييف المفاهيم هو البداية الحقيقية لأي تغيير. لا تسمحوا بأن يُقنعكم أحد أن الخضوع حكمة، أو أن الصمت مصلحة، أو أن التبعية قدر.
يا أجناد الكنانة: يا من تحملون السلاح وتعرفون معنى الشرف والانتماء، تذكروا أن الجيوش وُجدت لتحمي الأمة لا لتؤمّن عدوها، ولتدافع عن المظلوم لا لتشارك في حصاره، ولتحفظ كرامة البلاد لا لتكون أداة في يد من يعيدون رسم الخرائط على حساب الدماء. إن التاريخ لا يرحم، والله سائلكم عن الأمانة التي في أعناقكم، وعن موقعكم حين يُنادى لنصرة الحق.
إن "مجلس السلام" ليس إلا عنواناً جديداً لسياسة قديمة، سياسة تُدار فيها المنطقة من خارجها، وتُحل فيها الأزمات بما يحفظ ميزان القوى لا ميزان العدل. أما السلام الحقيقي فلن يولد في دافوس، ولن يُصنع بأيدي من تلطخت بالدم، بل سيخرج يوم تستعيد الأمة قرارها، ويُقام حكمها على أساس الإسلام، وتتحرر إرادتها من الهيمنة، ويُردّ الحق إلى أهله غير منقوص، في ظل الإسلام وحكمه ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. ذلك وعد الله، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر