Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)، وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]

 

(الأقليات) في قبضة الفقر والتمييز

من ضياع المادة إلى نظام الخلافة والعدالة الإلهي

 

 

الأستاذ الدكتور محمد ملكاوي

 

نعيش اليوم في عصر "الاستعلاء المادي"، حيث بلغت الحضارة الغربية ذروتها التقنية، لكنها في المقابل تعيش حالة من "الإفلاس الأخلاقي". إن المأزق الذي يعيشه العالم اليوم ليس نقصاً في الموارد، بل هو عطب في العقول والأنظمة التي أدارت هذه الموارد. لقد دفن الإنسان الغربي عقله في "تراب المادة"، فصار يرى العالم من خلال أرقام البورصة ومؤشرات النمو، متجاهلاً "الإنسان" الذي هو محور الوجود.

 

قبل أن نبدأ في تفكيك الأزمات المتعلقة بالأقليات، يجب أن نفهم من هم هؤلاء الذين يطلق عليهم الغرب "أقليات". الأقلية في المفهوم السياسي الغربي هي مجموعة تتميز بعرق أو دين أو لغة تختلف عن الفئة المهيمنة. ولكن المفارقة المذهلة في الولايات المتحدة اليوم هي أن "الأقليات" بمجموعها (السود، اللاتين، الآسيويين، وغيرهم) بدأت تشكل إحصائياً أكثر من نصف السكان في العديد من الولايات والمدن الكبرى، ومع ذلك لا تزال تُعامل كفئات "هامشية" في مراكز صنع القرار المالي والسياسي! بل ومن حيث نسبة المال التي يملكونها مقارنة مع الفئة المتحكمة في أمريكا.

 

وحين يتحدث الناس عن الأقليات في أمريكا، يذهب الخيال فوراً إلى المهاجرين الجدد، ولكنهم يتناسون الجريمة الكبرى التي بُنيت فوقها ناطحات سحاب "وول ستريت". إنها قصة سكان أمريكا الأصليين، الذين لم يكونوا أقلية، بل كانوا أمةً تملك الأرض والماء والتاريخ.

 

لقد بنيت الولايات المتحدة عبر ما يسمى "المصير الواضح" (Manifest Destiny)، وهي فكرة استعلائية دفنت العقل الغربي في وهم "التفوق العرقي"، ما شرعن إبادة الملايين من سكان البلاد الأصليين والذين عرفوا باسم الهنود الحمر وتهجير من تبقى منهم عبر ما عُرف بـ"طريق الدموع" (Trail of Tears). لقد سلبوا منهم كل شيء، حتى حقهم في الوجود فوق الأرض، ودفعوا بهم إلى "محميات" هي في الحقيقة سجون جغرافية مفتوحة.

 

والأدهى من ذلك، أن الظلم لم يتوقف عند ذلك التاريخ المؤلم الذي تم به القضاء على ملايين من سكان أمريكا. فاليوم ونحن في عام 2026، وفي قلب أغنى دولة في العالم، لا يزال هناك مواطنون أصليون في مناطق من ولايتي نيفادا وكاليفورنيا يعيشون في ظروف بدائية صاعقة! فبسبب القوانين الجائرة التي تمنعهم من استغلال أراضيهم الأصلية، وبسبب التهميش المالي المتعمد، تعيش أسر من قبائل "بايوت" و"شوشوني" في مساكن هي أشبه بالكهوف والمغارات الجبلية، أو مقطورات متهالكة تفتقر للكهرباء والماء النظيف. هؤلاء ليسوا فقراء صدفة، بل هم ضحايا "عنصرية هيكلية" أرادت لهم أن يختفوا من الذاكرة لكي لا يطالب أحد بالحقوق المسلوبة.

 

فبينما تنفق أمريكا المليارات على استعمار الفضاء، يعيش أصحاب الأرض في "الكهوف"، وهذا هو قمة "العمى الحضاري" ودفن العقل في المادة. إنهم يحمون "حقوق الملكية" للشركات الكبرى، ويغتصبون "حقوق الوجود" للأقليات الأصلية!

 

هذا المشهد يذكرنا بكلمات النبي ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ففي الإسلام، لا يجوز سلب الأرض من أصحابها حتى في حالة الحرب، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية التي وقعها عمر رضي الله عنه مع حكام القدس حين تم فتحها، والتي لا تزال درة في جبين العالم. كما أن نظام "إحياء الموات" في الإسلام يعطي الحق لمن يعمر الأرض، لا لمن يغتصبها عنوة. إن العدالة الإلهية المتمثلة بنظام الإسلام الاقتصادي لا تعترف بشيء اسمه "حق الفتح" الذي يبرر الإبادة، بل تعترف بـ"حق الإنسان في التملك وإحياء الموات من الأرض".

 

وهذا الظلم التاريخي الذي مارسته عصابات البيض من رعاة البقر في أمريكا هو الذي مهد للطريق الذي سلكته أمريكا لاحقاً ضد السود والأقليات الأخرى. فعندما اعتاد العقل الجمعي على رؤية الأصليين يعيشون في "كهوف"، أصبح من السهل عليه أن يمنع السود من دخول "جامعة" أو "مطعم". إنها سلسلة متصلة من "الاستعلاء العرقي" الذي لا يكسره إلا "التواضع الإيماني" والنظام العادل الذي جاء به الإسلام، والذي مكن بلالاً الحبشي أسود اللون، والذي كان عبدا في الجاهلية، أن يقف فوق الكعبة ليقول للعالم: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.

 

بهذا العقل المستنير بالوحي، نخرج من "كهوف العنصرية" إلى رحاب العدالة الإسلامية التي لا تفرق بين صاحب أرض ومهاجر، ولا بين غني وفقير ولا بين أبيض أو أسود.

 

ونحن ندرك تماما أن العنصرية والهمجية ضد الأقليات سابقا ولاحقا ليست مجرد مشاعر، بل هي نتاج نظام ظالم العنصرية فيه أساس وليست حالة طارئة. وحتى عهد قريب ظلت جامعات عريقة في أمريكا مثل "مسيسيبي" و"ألاباما" تمنع السود من دخول أبوابها ولم يفتحوا الأبواب إلا بقوة السلاح والحرس الوطني. وحتى في أبسط حقوق الإنسان، كدخول المطاعم، كانت هناك لافتات صريحة تقول "للبيض فقط"!. واليوم، ورغم زوال اللافتات، بقيت "اللافتات غير المرئية"؛ ففي دراسات حديثة، يواجه ذوو البشرة السمراء والأسماء العربية "رفضاً غير مبرر" في التوظيف وفي أرقى الجامعات، وقد تم إلغاء قوانين "التمييز الإيجابي" مؤخراً والتي تقضي بقبول نسبة محددة من الأقليات في الجامعات، ما يعيد الأقليات إلى نقطة الصفر في سباق الفرص. حيث إن الفرص تبقى متاحة لذوي المال والسلطة وتعود لحرمان من حرموا من المال والثروة أصلا.

 

هذه العنصرية ضد الأقليات ليست شيئا طارئا بل هي مبنيةٌ على فلسفة اقتصادية غربية تسمى "الندرة النسبية". حيث يقول آدم سميث أن الموارد شحيحة ولا تكفي لسكان بلد معين، ومن هنا نشأ الصراع للحصول على الموارد قبل أن تنفد. هذه الفلسفة هي التي تبرر اليوم إقصاء الأقليات والفقراء؛ لأن "الحصة" لا تكفي الجميع في نظرهم. والأقوى أو الأغنى يحصل على الموارد أولا ويحرم الباقين.

 

فوفقاً لتقارير منظمة أوكسفام، يمتلك أغنى 1% في العالم أكثر من ضعف ثروة 7 مليار نسمة! وهذا التمايز ليس ناتجا عن الندرة في الموارد بل على الاحتكار وتخلف العقول!

 

في أمريكا، يمتلك أغنى ثلاثة أشخاص ثروة تعادل ما يمتلكه نصف سكان الولايات المتحدة الأدنى دخلاً. هذه نتيجة حتمية للنظام الرأسمالي الذي فرض وجود الندرة النسبية فكأنه يقول للأغنياء الأقوياء سارعوا بأكل المال أكلاً لمّا قبل أن يأخذ منه الفقراء.

 

من هنا جاء التشريع الإسلامي ليغير مفهوم "الملكية". فالمال في الإسلام هو "مال الله"، والإنسان مستخلف فيه. يقول الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.

 

والاستخلاف يعني أن لك حق "الانتفاع" وليس "الاحتكار". فعندما يحرم الإسلام "الاحتكار"، فإنها تفتح شرايين الاقتصاد للجميع، للأغلبية ولمن يسمونهم زورا وبهتانا الأقلية على حد سواء.

 

ففي الوقت الذي يعامل الفقر في الغرب وكأنه نتيجة لكسل الفرد أو العرق المعين في الحصول على الموارد الشحيحة بنظرهم، يأتي الإسلام ليقول إن الفقر هو نتيجة خلل في المنظومة الاقتصادية يجب استئصاله.

 

من هنا تم القضاء على الفقر مطلقا في دولة الخلافة الإسلامية في أقل من 3 عقود، بينما اليوم وبعد مضي أكثر من 200 عام على النظام الرأسمالي، تبلغ نسبة الفقر بين السود في أمريكا حوالي 17.1%، وبين البيض 8.2%. ما يثبت أن النظام الرأسمالي إضافة إلى أنه ينشئ الفقر حتما، فإنه يجعل من الأقليات الأكثر فقرا ومعاناة بين الناس.

 

أما الإسلام فإنه يقتل الفقر ذاته بدلا من أن يقتل الفقراء. فقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".

 

قتل الإسلام الفقر بالحث على العمل، وجعل العامل المنتج أكثر أجرا من القاعد عن العمل وهو قادر عليه. وحرم التمييز بين الناس من حيث فرص العمل سواء تمييزا عرقيا أو بناء على علاقة الفرد بالسلطة كما هو حاصل اليوم، حيث تجد ابن الوزير وزيرا، وابن الحاكم ثريا، وهكذا...

 

ثم شرع الزكاة وهي مال يؤخذ من مال الغني ويُردّ على الفقير بشكل منظم. وإن تخلف أحد عن دفع الزكاة قاتلهم الإمام حتى يدفعوا الزكاة كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بعد أن توفى الله نبيه عليه الصلاة والسلام.

 

ومن ثم تشريع الملكيات، فالإسلام شرع "ملكية الفرد" و"ملكية المجتمع" وملكية الدولة. وجعل المرافق الأساسية التي يحتاجها الناس بشكل عام ملكية عامة، لا يحق لشركة أو لفرد احتكارها أو استعمالها لمصالح فردية وهي الضمان الأخير لمنع الفقر فإن لم يتمكن الإنسان من تغطية حاجاته بعمله وجهده، تتم رعايته من زكاة الأغنياء، وإن لم تكف تتم رعايته من مال الملكية العامة والذي له حق فيه وليس لأحد أن يمن عليه بها ويجعله يشعر بأنه أقلية منبوذة.

 

وقد تمكن الإسلام في أقل من 30 عاما من نشوء دولته من القضاء على الفقر بشكل تام، حتى إنه في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، طاف عمال الزكاة فما وجدوا فقيراً واحداً يأخذها، لأن الشرع الحاكم ركز على "إشباع الحاجات" لا "تراكم الأرصدة" والثروات، فقال عمر قولته المشهورة "انثروا الحب في الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد الإسلام".

 

وقدم الإسلام "عدالة شاملة" بغض النظر عن اللون والجنس، فجعل للمرأة نصيبا في الميراث بينما أنظمة الرأسمالية لا تعير اهتماما لمثل هذا الأمر، فقد يرث الذكر كل الميراث، وفي بريطانيا مال من يسمون "اللوردات" يذهب للولد الذكر الأكبر ويتم حرمان الغير.

 

وحين شرع الإسلام الأنظمة التي تقضي على الفقر، وتساوي بين الناس بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللون، أضاف إلى ذلك حسن الخلق حتى لا يشعر الفقير وهو يأخذ حاجته بأي شكل من أشكال النقص. قال ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».

 

إن الغرب اليوم يعيش حالة من "الاحتضار الأخلاقي" خلف واجهة من البريق المادي. لقد دفنوا عقولهم في "تراب المادة" فنسوا "رب المادة". إن الانهيار المالي القادم ليس انهياراً في التكنولوجيا، بل هو انهيار في "العدالة".

 

والحل اليوم ليس في محاكاة نموذج يغرق في وحل المادية العفنة، بل في العودة لنظام يحمي الأقلية بـ"ذمة الله"، ويقتل الفقر بـ"حق الزكاة وحق الملكية وحق الرعاية"، ويصون المجتمع بـ"مكارم الأخلاق". لقد آن الأوان لنرفع الظلم ليس عن المسلمين في بلاد الإسلام فحسب بل وعن العالم أجمع الذي أصبح معظم سكانه عبيدا لمن يملك المال.

 

ويكفي أن الله تعالى إنما أنزل رسالاته ليقوم الناس في ظل نظام عادل حيث يقول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وزاد على ذلك ضرورة وجود نظام يملك القوة لتحقيق هذه العدالة حيثما وجبت فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.

 

فإلى نظام الخلافة على منهاج النبوة ندعو الناس أجمعين للقضاء على النظام الذي يميز بين الناس حسب لونهم وعرقهم ودينهم إلى نظام يقول لهم إن الله خلقهم من نفس واحدة وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتميزوا بلونهم وعرقهم.

نظام يرد الحقوق إلى أهلها دون الحاجة لثورة الفقراء، أو السود أو اللاتين أو غيرهم. وبعيدا عن تنمر الحكام الأثرياء كما يفعل اليوم ترامب حين يصف المرأة الصومالية بأنها قاذورة، وأن اللاتينيين مصدر قذارة وجريمة، وأن القادمين من أصول عربية أو إسلامية هم بلاء على أمريكا.

 

نظام يجعل بلالاً الحبشي سيدا، وعمر بن الخطاب خادما، وأسامة بن زيد (الخادم) حبيبا لرسول الله وابن حبيبه.

 

أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى العالم أجمع بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة عاجلا غير آجل لينعم العالم أجمع بعدل لم يعرفوه، وخير لم يرو من قبله خيرا، وأمنا لم يذوقوا طعمه لأكثر من قرن.

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.