- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الرعاية الصحية... ما بين أنظمة الجباية ونظام الرعاية
يعد القطاع الصحي من أهم القطاعات الحيوية التي يظهر فيها الشقاء وسوء الرعاية لأنها تلامس حياة الناس بشكل مباشر، ونظرة أو زيارة واحدة لأحد مراكز الصحة العامة أو المستشفيات الحكومية في أي بلد من بلاد المسلمين تغني عن كثير من الشرح في وصف واقع الحال، حيث البنية التحتية المتهالكة، وعدم توفر الأدوية والعلاجات، ونقص المستلزمات الطبية، والكلفة الباهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة، والتي لا يطيقها كثير من الناس في ظل سوء الرعاية هذا، أضف إلى ذلك الفساد والواسطة والمحسوبيات، والمماطلة وطول الإجراءات وعدم إعطاء الأطباء والكوادر الطبية حقوقهم وغيرها من الأمور...
وليس سوء الرعاية والفساد في هذا المجال مقتصرة على بلاد المسلمين والبلاد الفقيرة، وإن كانت فيها أوضح، فليست القضية في غنى البلاد أو فقرها بالدرجة الأولى، بل الأمر متعلق بكون هذه الدول دول جباية وليست دول رعاية، فإذا نظرنا للدول الغربية التي عندها تقدُّم في المجالات العلمية والتكنولوجية والتي انعكست على المجال الطبي، نرى أن فساد المبدأ الرأسمالي والنظرة المادية وتحقيق المكاسب والأرباح قد انعكس على القطاع الصحي أيضاً في هذه الدول، حيث اتُّخذ مصدراً من أكبر مصادر تحقيق الأرباح ليضاهي شركات النفط والسلاح وتكنولوجيا المعلومات، ونرى أن الفساد يظهر في كل نواحي الرعاية الصحية تقريباً في هذه الدول: في نظام التأمين الصحي وشركاته، وفي شركات الأدوية وأبحاثها، وفي الملكية الفكرية وبراءات الاختراع...إلخ.
وفي هذه المقالة سنسلط الضوء على سياسة الرعاية الصحية في ظل دولة الخلافة التي يتجلى فيها مفهوم الرعاية وتدبير شؤون الرعية بما يوصل إلى العافية الجسدية والسلامة النفسية.
لقد أولى الإسلام الرعاية الصحية والتطبيب اهتماماً كبيراً، فهي من المصالح والحاجات الأساسية التي لا يستغني عنها الناس مثلها مثل الأمن والغذاء والملبس والمسكن حيث يقول ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، وقد جعل الشرع الرعاية الصحية من مسؤولية الدولة والخليفة مباشرة عملاً بقول الرسول ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وقد أولت الدولة الإسلامية الرعاية الصحية اهتماماً بالغاً كأحد أبواب رعاية الشؤون التي جعلها الإسلام من مسؤوليات الإمام الذي على الناس؛ فرسول الله ﷺ أمر ببناء خيمة لعلاج الجنود المصابين وتقديم الرعاية الطبية لهم في غزوة الخندق، داخل المسجد في خيمة على يد رفيدة الأسلمية، وبذلك يكون قد أعد أول مركز أو مشفى لعلاج المرضى والمصابين في الدولة الإسلامية، والنبي ﷺ بوصفه حاكماً قد بعث طبيباً إلى أبيّ بن كعب، أخرج مسلم من طريق جابر قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيباً فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ»، وعمر رضي الله عنه بوصفه حاكماً أيضاً قد دعا بطبيب إلى أسلم ليداويه، أخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "مَرِضْتُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ مَرَضاً شَدِيداً فَدَعَا لِي عُمَرُ طَبِيباً فَحَمَانِي حَتَّى كُنْتُ أَمُصُّ النَّوَاةَ مِنْ شِدَّةِ الْحِمْيَةِ".
وقد سار الخلفاء والولاة على هذا النهج من بعد فأقاموا المستشفيات (البيمارستانات) وكان منها الثابت ومنها المتنقل، فالثابت هو الذي يُنشأ في المدن، أما المستشفى المتنقل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال، مزودة بالأدوية، والأغذية والمشروبات والألبسة والأطباء والصيادلة، وتمثلت مهمتها في تلبية احتياجات التجمعات النائية البعيدة عن المدن الكبرى والمنشآت الطبية الثابتة، كما أنها وفرت للولاة والخلفاء أنفسهم رعاية متنقلة، وخلال حكم السلطان محمد السلجوقي في بداية القرن الثاني عشر، وُسِّع المستشفى المتنقل بحيث بات يحتاج إلى 40 من الجمال لنقله.
ولم يخل أي مستشفى من أدوية أو مستلزمات طبية، وكانت تتخذ تدابير وإجراءات خاصة لمنع انتشار العدوى، حيث يُخصص للمرضى الداخليين ألبسة من المستشفى يجري تصنيعها في منطقة مركزية للتوريد في حين تظل ألبستهم الشخصية مودعة في مستودع المستشفى، وعند أخذهم إلى قسمهم المخصص، كان المرضى يجدون الأسِرة مغطاة بأغطية نظيفة ومفارش محشوة، وكانت حجرات المستشفى أنيقة ومجهزة بنوافير المياه ويصلها نور الشمس، وقد كان للمستشفى جامعة تابعة له لتدريب الأطباء وتوفير حاجاتهم من المسكن والملبس والمأكل والترحال، وقد كانت الدولة تكرم الأطباء والمعلمين لما يقومون به من دور مهم في رعاية شؤون الناس الصحية.
وقد كانت المستشفيات تفتح أبوابها للجميع على مدار 24 ساعة، حيث يُخصص للمرضى الذكور أطباء رجال، وتخصص للمرضى الإناث طبيبات نساء، في حين رأى البعض إقامة أجنحة منفصلة بموارد بشرية ومنشآت لكل جنس على حدة. وفي علاج الحالات الأقل خطورة، كانت هناك عيادات خارجية مزودة بالأطباء الذين يصفون للمرضى أدوية تؤخذ في البيوت.
لقد منع الإسلام خصخصة الرعاية الصحية وجعل النفقة التي تقتضيها على بيت المال، وفرض على الدولة أن توفر التداوي للرعية مجاناً بغض النظر عن كونهم أغنياء يملكون نفقة التطبيب أو فقراء لا يملكونها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن تَرَكَ مالاً فلِوَرَثَتِه، ومَن تَرَكَ كَلّاً فإلينا»، وبغض النظر عن كونهم مسلمين أو غير مسلمين، فلا اعتبار في تقديم الرعاية الصحية للدين ولا للجنس ولا للعرق ولا للعمر ولا لمكان السكن، فلفظ "رَعِيَّتِهِ" الوارد في قوله ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» عام ولم يخصصه مخصص، والناظر في تاريخ الدولة الإسلامية منذ أقامها ﷺ حتى هدمها الكافر المستعمر يرى أنها كانت ترعى شؤون رعيتها دون تمييز، فلم يكن فيها مواطن درجة أولى وثانية كما هو الحال اليوم.
وليس معنى عدم خصخصة الرعاية الصحية أن يُمْنَع الأفراد أو الشركات في الدولة الإسلامية من تقديم الخدمات الصحية الخاصة، أو من فتح العيادات والمستشفيات الخاصة، أو أن يمنع الناس من التداوي في القطاع الخاص. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلاماً حَجَّاماً فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ». فالغلام هنا قام بالحجامة وقبض أجره من الرسول ﷺ. ولكن يشترط في مَنْ يُقَدِّم الرعاية الصحية من القطاع الخاص، سواء أكان فرداً أم شركةً، أَن يلتزم بقوانين الدولة ورقابتها، وَيُشترط أيضاً أن يكون مَنْ يُقَدِّم أيّاً مِنَ الخدمات الصحية مؤهلاً لذلك، سواء أعمل في القطاعِ الخاص أو العام، ومنْ يُقَدِّم أيَّ خدمة صحية دون أن يكون مؤهلاً لتقديمها يُمْنَع من قِبَلِ الدولة وَيُعاقَب، وأما إذا أدَّى إلى ضرر بعمله هذا فهو ضامن لِمَا سَبَّب من ضررٍ بإقدامِه على ما ليس من اختصاصه.
وتتميز الرعاية الصحية في ظل الدولة الإسلامية بالسرعة والبساطة في تقديم الخدمة الصحية والعلاج وهو أمر يفتقد الناس اليوم، ورد في المادة 97 من دستور دولة الخلافة الذي أعده حزب التحرير: (المادة 97 - سياسة إدارة المصالح والدوائر والإدارات تقوم على البساطة في النظام والإسراع في إنجاز الأعمال، والكفاية فيمن يتولون الإدارة). ومما يُقَلِّل منَ التعقيدات والمعاملات الإدارية في إدارة الرعاية الصحية، توحيد كافة الخدمات والمنشآت الصحية في الدولة الإسلامية في جهاز واحد.
هذا غيض من فيض سياسة الرعاية الصحية في دولة الخلافة، التي وفرت للناس الخدمات بمستوى عالي الرعاية والعلم والتقدم، حتى كانت بلاد الغرب ترسل أبناءها لتعلم الطب على أيدي الأطباء في الدولة الإسلامية، وحتى ضرب المثل بالرعاية الصحية في ظل الخلافة من قبل أعدائها قبل أبنائها. ومما يدلل على ذلك هذه الترجمة لرسالة شاب فرنسيّ أُدخِل إلى مستشفى قرطبة في القرن العاشر الميلادي، يقول فيها:
"والدي العزيز: لقد ذكرت في رسالتك السابقة بأنك سوف تبعث لي ببعض النقود كي أستعين بها في علاجي، لكني لا أحتاج إلى النقود مطلقا؛ لأن المعالجة في هذا المستشفى الإسلامي مجانية، بل إن المستشفى يدفع إلى كل مريض تماثل للشفاء مبلغ 5 دنانير، وملابس جديدة حين يغادر المستشفى؛ كي لا يضطر إلى العمل في فترة النقاهة. والدي العزيز: لو تفضلت وجئت لزيارتي فسوف تجدني في قسم الجراحة ومعالجة المفاصل، وسوف تشاهد بجانب غرفتي مكتبة، وصالوناً للمطالعة والمحاضرات، حيث يجتمع الأطباء فيه يوميا للاستماع إلى محاضرات الأساتذة. أما قسم الأمراض النسائية فيقع في الجانب الثاني من ساحة المستشفى ولا يسمح للرجال أن يدخلوا إليه، وفي الجهة اليمنى من الساحة تجد صالونا كبيرا مخصصا للمرضى الذين تماثلوا للشفاء؛ حيث يقضون فيه فترة النقاهة، ويحتوي الصالون على مكتبة خاصة وآلات موسيقية. والدي العزيز: إن كل نقطة وكل مكان في هذا المستشفى غاية في النظافة، فالفراشُ والوسادة التي تنام عليها مغلفة بقماش دمشقي أبيض، أما الأغطية فمصنوعةٌ من المخمل الناعم اللطيف. جميع غرف المستشفى مزودة بالماء النقي الذي يصل إليها بواسطة أنابيب خاصة وفي كل غرفة مدفأة لأيام الشتاء. أما الطعام فهو من لحم الدجاج والخضار، حتى إن بعض المرضى لا يريدون مغادرة المستشفى طمعا بالطعام اللذيذ".
فما أمس حاجتنا اليوم لدولة ترعى شؤوننا بأحكام الإسلام، وتخلصنا من الضنك والشقاء الذي لحق بنا في الناحية الصحية وسائر نواحي الحياة في ظل النظام الرأسمالي وأنظمة الجباية التي تحكمنا، فيا رب أكرمنا بأن نعيش في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، واجعلنا من جنودها ومن شهودها.
كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
براءة مناصرة
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change