- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الفخّ الرقمي: قناع "الروحانية" للنظام العلماني ومؤامرته على الإسلام
لم تعد وسائل التواصل الإلكتروني، ولا سيما منصّات مثل تيك توك وإنستغرام، مجرّد أدوات لتمضية الوقت، بل تحوّلت اليوم إلى أسلحة فكرية قويّة تُعيد تشكيل وعي الإنسان وأخلاق المجتمع. فـ"الثقافة الفتنوية" التي تتسرّب عبر هذه المنصّات تستهدف تقويض الأسس المعنوية للمسلمين، حيث يمارس النظام العلماني العالمي هيمنته عليهم ليس سياسياً واقتصادياً فحسب، بل أيضاً عبر الاستعمار الثقافي. وتقف تيك توك وما شابهها في طليعة هذه الاستراتيجية، إذ إن الهدف الجوهري للثقافة التي تروّج لها هو استعباد الإنسان للشهوة، وإزالة مشاعر الحياء والعفّة، وتفكيك الشخصية الإسلامية.
وهذا ليس مساراً عفوياً، بل هو غزو فكري عقدي محسوب بدقّة. فقد صرّح شون باركر، الرئيس السابق لفيسبوك، متحدثاً عن الهدف من إنشاء شبكات التواصل، بأنها صُمّمت لـ"استغلال نقاط الضعف في علم نفس الإنسان" و"السيطرة على الوعي البشري عبر جرعات صغيرة متواصلة من الدوبامين". وكذلك أكّد عالم السياسة الشهير والمستشار الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي ضرورة "تقديم وسائل تسلية تافهة للجماهير للسيطرة عليهم ومنعهم من التفكير السياسي الجاد"، وهو ما تنفّذه خوارزميات تيك توك اليوم بدقّة لافتة.
وقد بُنيت خوارزميات هذه المنصّات بحيث تشجّع أدنى النزعات الإنسانية؛ حبّ الشهرة، والاستعراض، وتجاوز الحدود الأخلاقية. ويصف تريستان هاريس، المصمّم السابق في جوجل والمتخصّص في أخلاقيات التكنولوجيا، شبكات التواصل بأنها "سلاح سحري للتحكّم في الوعي الإنساني"، كاشفاً أن هدفها فصل الناس عن القيم المعنوية ودفعهم للتكيّف مع "الترندات" التي تفرضها الخوارزميات. ومع أن الحياء في الإسلام شعبة من شعب الإيمان، فإن هذا النظام الرقمي يدفع النساء والرجال معاً إلى سلوكيات غير لائقة أمام العامة وإخراج الحياة الخاصة إلى الشارع، ما يفضي إلى إهدار الوقت وسطحيّة التفكير، ويُلهي الشباب عن القضايا الملحة الجادة المصيرية للأمة.
ولا ينبغي للمسلمين أن يواجهوا هذا الغزو بالمنع وحده، بل بردٍّ منظّم وبدرع فكري. ويبدأ ذلك بتعليم أبنائنا النظر إلى الأحداث بميزان الإسلام وتكوين "الفلتر العقدي". وبناء هذا النظام الدفاعي يتطلّب خطوات عملية لا غنى عنها. فأولاً، لا يجوز للمسلمين أن يتركوا الفضاء الرقمي ساحةً للأفكار الدخيلة الأجنبية، بل ينبغي استخدامه أداةً قويّة للدعوة والصراع الفكري. ولا بدّ من الانتقال إلى الهجوم عبر تقديم محتوى بديل عالي الجودة يُسهم في بناء الشخصية الإسلامية، في مواجهة المحتوى التافه المنتشر على وسائل التواصل.
ويجب إدراك أن شبكات التواصل في ظلّ الديمقراطية الرأسمالية لا تخدم إلا تحقيق الربح والسيطرة الفكرية على الناس. وليست سياسات النظام الأوزبيكي استثناءً من ذلك. فرغم وصف الرئيس شوكت ميرزياييف في خطاباته لوسائل التواصل بأنها "ميدان فكري يؤثّر سلباً على عقول الشباب"، فإن النظام عملياً لا يستخدم هذا المجال إلا لفرض سيطرته السياسية. فخلف كلمات ميرزياييف "اليوم، لحماية الشباب من الأفكار الأجنبية على الإنترنت، من الضروري تعزيز مناعتهم الفكرية"، يكمن مفهوم "الروحانية الوطنية"، الذي يعني الولاء للنظام، لا التفكير المستقل المبني على الإسلام.
ويقوم النظام بحجب أي دعوة فكرية أو سياسية تخدم النهضة الإسلامية على شبكات التواصل بسرعة، ووصمها بتهمة "التطرّف". وتُعدّ قوائم المواد المحظورة التي تُعلنها دورياً وزارة العدل، بناءً على خلاصات خبراء لجنة الشؤون الدينية وقرارات المحكمة العليا، دليلاً واضحاً على ذلك. والأكثر إيلاماً أن عداء النظام للقيم الإسلامية يتجلّى بوضوح في أحكامه الجائرة: فمن جهة، يُصدر أحكام سجن لسنوات بحقّ مسلم بسيط لمجرّد ضغطه "إعجاباً" على نشيد إسلامي أو مشاركته مع أقاربه؛ ومن جهة أخرى، يُظهر الإنسانية والرحمة تجاه شخصٍ شقيٍّ أساء علناً لنبينا ﷺ على وسائل التواصل، مكتفياً بحبسه إدارياً لمدة 12 يوماً!!
وهذا النفاق، أي الكيل بمكيالين، يفتح الباب لانتهاك المقدّسات الإسلامية، بينما يُجرّم تعلّم الإسلام ونشره. وتُثبت هذه الإجراءات القمعية أن هدف النظام ليس بناء مجتمعٍ أخلاقي، بل تشكيل جماهير غير مؤذية سياسياً ومشوّهة فكرياً، مع كنس أي تأثيرٍ للإسلام من الفضاء الرقمي بالكامل.
أما الحماية الحقيقية لوعي المسلمين فلا تكتمل إلا في ظلّ الدولة الإسلامية؛ الخلافة. ففي الخلافة، لن تُستخدم السياسة الإعلامية لإفساد الناس معنوياً أو لانتهاك المقدّسات، بل لرفعهم فكريا والارتقاء بسلوكهم.
وخلاصة القول: إن الفتن في شبكات التواصل اليوم اختبار لقوّتنا الإيمانية والفكرية، وواجبنا هو إخضاع التكنولوجيا لخدمة الإسلام وبناء حصن الشخصية الإسلامية في وعقول وقلوب أبنائنا. قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
صلاح الدين الأوزبيكي