- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هجرة المغاربة شهادة على أمة مخذولة
الخبر:
أفادت وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية "إيفي"، الخميس، بأن آلاف المهاجرين عبروا سيرا على الأقدام إلى سبتة المحتلة في شمال أفريقيا، بعد اجتيازهم عدة نقاط تفتيش حدودية.
ووفق وسائل إعلام مغربية محلية فالمدينة تشهد منذ 20 تموز/يوليو الجاري تصاعدا ملحوظا في محاولات الهجرة غير النظامية سباحة انطلاقا من السواحل المغربية، بمعدل يفوق 200 شخص يوميا في بعض الفترات. (سكاي نيوز عربي، 2026/7/30)
التعليق:
شاهد العالم مقاطع الفيديو والصور للهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة المحتلة في مشاهد وصور غير مسبوقة، معظمهم عبروا سباحة من شواطئ قريبة، مثل شاطئ الريفيين في مدينة الفنيدق شمال المغرب، منهم من نجح في العبور، ومنهم من فشل في دخول المدينة، بينما قضى عشرات منهم نحبهم أثناء محاولتهم العبور.
إن السبب في هجر الشباب لبلادهم وأهلهم، ليس رغبتهم بتركهم، بل هو نظام سياسي عاجز عن توفير الكرامة والعيش الآمن لرعاياه. فحين يخاطر شاب بحياته في مياه المضيق هربا من واقعه، فذلك أبلغ رد على من يزعم أن التنمية قد بلغت مبلغها وأن الأوضاع في تحسن مستمر، فالأفعال أصدق من الأقوال، وسلوك الناس هو المحك الحقيقي لصدق أي خطاب رسمي.
ومما يزيد المفارقة إيلاما أن هذه الموجة الجماعية للهروب تزامنت مع خطاب رسمي يتحدث عن الإنجازات والمكتسبات، في مشهد يفضح الفجوة الفاصلة بين ما يقال على المنابر الرسمية وما يعاش في الأحياء والقرى المنسية. فبينما تتحدث الخطابات عن دورة تنموية جديدة، يظهر آلاف الشباب بأقدامهم وأجسادهم حقيقة أوضاعهم، فيختارون المجازفة بالغرق أو الاعتقال على البقاء في وطن لا يجدون فيه عملا كريما ولا أفقا يرتجى. وليست هذه الهجرة الجماعية إلا صرخة توجه إلى الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية التي أدمنت إذلال الناس وتجويعهم وقهرهم.
أما إسبانيا، الوجهة التي يخاطر هؤلاء الشباب بحياتهم للوصول إليها، فهي كغيرها من دول الغرب، لا تتعامل مع هذا التدفق البشري بوصفه أزمة إنسانية تستوجب الرحمة، بل بوصفه تهديدا أمنيا يستوجب الوقوف في وجهه. فقد استنفرت السلطات الإسبانية أجهزتها الأمنية وأعلنت حالة الطوارئ في مراكز الإيواء، لا لتوفر ملجأً كريماً لهؤلاء المهاجرين، بل لضبط الحدود ومنع هذا الفائض البشري الذي لا تحتاجه من التسلل إلى أراضيها. وهكذا يجد المهاجر المغربي نفسه بين مطرقة نظام في بلاده لا يرحم، وسندان أوروبا التي لا تقبل منه إلا خدمة مصلحتها، وإلا فمصيره الاعتقال أو الترحيل أو الغرق في مياه مضيق جبل طارق التي ابتلعت من قبله الكثيرين.
شباب يقتحمون البحر سباحة، ليس لأنهم يجهلون خطر الغرق، بل لأنهم أيقنوا أن الغرق في الماء أرحم من الاختناق البطيء في واقع سدت فيه كل أبواب الأمل. وقد صدق الله إذ قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فما هذا الفساد الذي يدفع الناس إلى مخاطر البحر إلا أثر من آثار حكام تولوا أمرهم فأفسدوا في الأرض، وضيعوا الرعية التي استرعاهم الله إياها.
وإن القلوب لتعتصر ألما إذ يُرى الشباب يهاجرون هربا من جور حكامهم، لا هجرة في سبيل الله يبتغون بها مرضاته، بل هروبا من واقع صنعته أنظمة العمالة والتبعية. ولو أن هذه الهجرة كانت ابتغاء دين الله ونصرة لشرعه، لكانت من أعظم القربات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾، لكنها اليوم هجرة مقلوبة، هجرة من الضيق إلى الضيق، ومن ذل داخل الوطن إلى ذل آخر يساق إليه المهاجر في مراكز الإيواء والترحيل خارجه.
لن يكون الخلاص برحلات محفوفة بالمخاطر نحو ضفاف لا ترحم، بل بعودة أمر رشد يصلح ما أفسده الطغاة، ويقيم للناس دينهم ودنياهم، فتستبدل الهجرة القسرية من البلاد إلى حياة يألف فيها المرء أرضه ولا يضطر لهجرتها، مصداقا لقول رسول الله ﷺ «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا».
ولن يزول هذا الظلم، ولن تجد هذه الأمة المستضعفة مكانا آمنا، إلا بزوال أنظمة الجور التي أذاقتها أصناف المهانة، وقيام دولة ترعى شؤونها بشرع ربها، وتحفظ لهم كرامتهم وقوتهم في عقر ديارهم، فلا يضطر الشاب إلى ركوب الأمواج طلبا لرزق ضيعه حاكمه، ولا تضطر الأسرة إلى تمزيق شملها هربا مما صنعته أيدي الطغاة. وحينها فقط تصان دماء الأمة وأعراضها وأموالها.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أدهم عبد الكريم