Logo
طباعة
بين استهداف مطار صنعاء وحشد الجماهير  أهل اليمن وقودٌ لصراع المحاور لا قضية تُرعى بالإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين استهداف مطار صنعاء وحشد الجماهير

أهل اليمن وقودٌ لصراع المحاور لا قضية تُرعى بالإسلام

 

 

الخبر:

 

ألقى زعيم جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي، مساء الخميس 2026/07/23م، كلمةً عقب الضربة التي استهدفت مطار صنعاء قبل أيام، والتي ربطها بمنع هبوط طائرة كانت تقل وفد الجماعة العائد من إيران. وشنّ هجوماً عنيفاً على السعودية، واتهمها بتنفيذ العدوان خدمةً لمصالح أمريكا وكيان يهود، ودعا أنصاره إلى الخروج الحاشد إلى الساحات للتعبير عن رفضهم لما وصفه بالاعتداء السعودي، مكرراً التهديد والوعيد، واعتبر الاستجابة لدعوته واجباً إيمانياً، ومستحضراً قضية فلسطين في سياق هجومه على خصومه. وفي الوقت نفسه أقرّ بتفاقم الأوضاع الإنسانية في اليمن، متحدثاً عن الجوع والفقر ووصول بعض الناس إلى أكل أوراق الشجر والبحث عن الطعام في القمامة.

 

التعليق:

 

إن اللافت في هذا الخطاب أنه لم يكن خطاباً لمعالجة آثار الحرب على اليمن، ولم يكن مجرد إدانة الضربة على مطار صنعاء ونبذ الارتهان لمحاور الصراع، وإزالة أنظمة الحكم الجبرية، بل كان خطاباً لتوظيف الحدث سياسياً، واستعراضاً للقوة أمام الداخل والخارج، ورسالةٌ إلى النظام الدولي بأن الجماعة ما تزال متماسكة وقوية، وكما هو واضح للجميع فإن الخطاب هذه المرة خطاب تعبوي بامتياز، يطغى عليه منطق الحرب والتصعيد، ويكشف حجم الأزمة التي تعيشها الجماعة أكثر مما يكشف عن قوتها، فهذا الخطاب يكشف بجلاء حقيقة المشروع الذي يتبناه هو وجماعته؛ فهو خطاب تعبئة للحرب، لا خطاب معالجة لأزمات الناس، وخطاب استقطاب وانقسام، لا خطاب توحيد للأمة على أساس الإسلام.

 

فبدل أن يتحدث عن معالجات حقيقية لمعاناة الناس، أو يجيب عن أسباب الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه مناطق سيطرته، انشغل بتوزيع الاتهامات والتحريض واستعراض لغة التهديد، وكأن أهل اليمن لا ينقصهم إلا المزيد من الحروب، واللافت في الخطاب أنه، وبينما اعترف بأن الناس بلغ بهم الفقر والجوع مبلغاً يدفع بعضهم إلى أكل أوراق الشجر والبحث في القمامة عن لقمة العيش، يتجاهل السبب المباشر الذي يكتوون به كل يوم، وهو سياسة الجبايات والضرائب والجمارك والمكوس والإتاوات التي أثقلت كواهلهم، بل وتجاهل الأموال التي تُجبى منهم تحت عشرات المسميات، حتى أصبح المرءُ محاصراً بين حصار الخارج وجباية الداخل فصار الفقير يدفع ثمن الحرب مرتين: مرة بالحصار الخارجي، ومرة بجباية الداخل وفق هذا وذلك، هو نفسه يطبق النظام الرأسمالي العلماني على أهل اليمن ويتغنى بالإسلام كشعار فقط.

 

كما أغفل الخطاب الحديث عن مظاهر الثراء الفاحش التي ظهرت على كثير من المتنفذين والمشرفين، الذين تضخمت ثرواتهم، وتوسعوا في شراء الأراضي والعقارات وبناء القصور، بينما يزداد عامة الناس فقراً ومسغبة. وهذا التفاوت الصارخ لا ينسجم مع شعارات نصرة المستضعفين، بل يكشف أن السلطة القائمة ليست استثناء من أنظمة الحكم الجبائية التي تستغل الناس باسم القضايا الكبرى.

 

ومن أخطر ما ورد في الخطاب إصراره على حشد الجماهير والخروج إلى الساحات، وربط ذلك بالإيمان والولاء. وهذا الإصرار المتكرر لا يبدو مجرد دعوة للتظاهر، بل يحمل دلالات سياسية تتجاوز الداخل! إذ تسعى الجماعة إلى إظهار نفسها أمام النظام الدولي وأمام خصومها بأنها ما زالت تملك قاعدة شعبية متماسكة، وأنها لم تتأثر بما ظهر في الآونة الأخيرة من مؤشرات تململ واعتراض في بعض الأوساط القبلية والمجتمعية. ولا يمكن الجزم بالمقاصد السياسية الكاملة لهذا الحشد، لأن خلف الأكمة ما خلفها، لكن من الواضح أنه يُستخدم أيضاً لإرسال رسائل قوة في توقيت يشهد تحركات إقليمية ودولية متسارعة، قد تكون لها انعكاسات على مستقبل اليمن.

 

ولذلك فإن الجماهير التي تُدعى اليوم للخروج لا ينبغي أن تكون وقوداً لتثبيت سلطة أو تحسين موقع تفاوضي لهذا الطرف أو ذاك، وإنما يجب أن تدرك أن معركتها الحقيقية هي مع الأنظمة التي حكمتها بغير الإسلام، وأغرقتها في الفقر والاحتراب، وربطت مصيرها بالمشاريع الدولية والإقليمية.

 

أما استحضار فلسطين في كل خطاب، وتحويلها إلى وسيلة لتخوين الخصوم السياسيين، فلا يحرر فلسطين، ولا يوقف عدوان يهود، وإنما يجعل القضية العظيمة أداة في الصراع السياسي، بينما يبقى الاحتلال قائماً، وتبقى جيوش المسلمين معطلة عن أداء واجبها الشرعي، ويظل جيش يهود آمناً من أي تحرك حقيقي من جيوش المسلمين. إن تحرير فلسطين لا يكون بخطب التهديد كما يزعم ولا بالمزايدات الإعلامية، وإنما بإزالة الحدود المصطنعة، وتوحيد بلاد المسلمين تحت قيادة واحدة تقود الجيوش لتحرير الأرض المباركة.

 

ومن جهة أخرى، فإن وصف الأمة كلها بأنها خاضعة لأمريكا، مع استثناء إيران وحدها ووصفها بالدولة الإسلامية، يكشف معياراً سياسياً لا شرعياً، فالإسلام لا يقاس بالشعارات ولا بالمحاور الإقليمية، وإنما بتحكيم شرع الله كاملاً، وحمل الإسلام رسالة للعالم. وكل دولة تحكم بغير ما أنزل الله، وتبقي الحدود الوطنية، وتخضع لحسابات المصالح الدولية، فهي ليست النموذج الذي أمر الله به، مهما رفعت من شعارات.

 

إننا نؤكد بأن مآسي اليمن، كمآسي فلسطين وسائر بلاد المسلمين، ليست نتيجة الحصار وحده، ولا بسبب هذا النظام أو ذاك فحسب، وإنما هي ثمرة غياب سلطان الإسلام، وتمزق الأمة إلى كيانات متناحرة، وارتهان الحكام للمشاريع الدولية والإقليمية. ولذلك فإن العلاج ليس في المزيد من الحشد والتهديد، ولا في تبديل التبعية بتبعية أخرى، وإنما في استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحد المسلمين، وتطبق شرع الله، وترفع الظلم عن الرعية، وتقطع يد الجباية المحرمة، وتجعل بيت المال قائماً على الأحكام الشرعية لا على إرهاق الناس بالضرائب والمكوس، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فالحاكم في الإسلام مسؤول عن رفع الظلم عن الناس، لا عن زيادة معاناتهم، ولا عن إشغالهم بخطابات الحرب، بينما تتسع دائرة الجوع والفقر يوماً بعد يوم.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.