Logo
طباعة
الجزائر على حافة اللحظة التاريخية  كيف تتحول الطاقة إلى سيادة؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجزائر على حافة اللحظة التاريخية

كيف تتحول الطاقة إلى سيادة؟!

 

 

الخبر:

 

يعود اسم الجزائر إلى صدارة أسواق الطاقة العالمية، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بإيران وما رافقها من اضطرابات في الإمدادات، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، في تطورات ألقت بظلال ثقيلة على حركة النفط والغاز عالميا.

 

وفي خضم هذه التحولات، تتجه دول عدة إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارا، لتبرز الجزائر باعتبارها أحد الخيارات المطروحة بقوة، مدعومة بحراك دبلوماسي لافت شهدته الأيام الماضية.

 

وزارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني الجزائر، وأعلنت رغبة روما في تعزيز التعاون لزيادة إمدادات الغاز وتوسيع الشراكة في قطاع الطاقة. وتلتها زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في ظل حديث متزايد عن إجراء محادثات لتوسيع إمدادات الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب "ميدغاز" من الجزائر بنسبة تصل إلى 10%، تمهيدا لتحركات أوسع قد تشمل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إلى جانب مساع برتغالية لتعزيز التعاون، وسط تقارير تفيد بإمكانية قيام الرئيس أنطونيو خوسيه سيغورو بزيارة الجزائر قريبا. (الجزيرة في 2026/04/06)

 

التعليق:

 

في زمن الاضطرابات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه فقط، بل بقدرتها على قراءة اللحظة واستثمارها. واليوم، تبدو الجزائر أمام فرصة نادرة، حيث تتقاطع حاجات الاتحاد الأوروبي الملحة والمتزايدة مع إمكانياتها الطاقية، في سياق دولي مضطرب أعاد للطاقة مكانتها كأداة سيادية بامتياز.

 

منذ اندلاع الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، (الحرب على أوكرانيا ثم على إيران)، ارتفعت حدة القلق الأوروبي بشأن أمن الإمدادات. وتشير بيانات رسمية أوروبية إلى أن الاتحاد كان يعتمد قبل سنوات قليلة على واردات خارجية لتغطية أكثر من 55% من احتياجاته الطاقوية، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة ساهم في دفع معدلات التضخم إلى مستويات تجاوزت 8% في بعض دوله خلال عامي 2022-2023. ورغم الجهود الحثيثة لتنويع المصادر، لا تزال أوروبا تبحث عن موردين مستقرين، قريبين جغرافياً، وقادرين على تلبية الطلب دون مخاطر سياسية مرتفعة.

 

هنا، تبرز الجزائر، ككنز استراتيجي حقيقي لأوروبا. فبحسب بيانات أوبيك، تمتلك الجزائر احتياطات غازية تُقدّر بنحو 4.5 تريليون متر مكعب، وتُصدّر سنوياً ما بين 50 و55 مليار متر مكعب من الغاز، جزء معتبر منها يتجه نحو أوروبا عبر خطوط أنابيب مباشرة. هذه الأرقام لا تعكس فقط قدرة إنتاجية، بل تكشف عن موقع استراتيجي يصعب تعويضه بسهولة في المدى القصير.

 

لكن، وعلى الرغم من هذه المعطيات، فإن امتلاك الموارد لا يعني تلقائياً امتلاك القوة. فالتاريخ الحديث مليء بدول امتلكت الثروات، لكنها عجزت عن تحويلها إلى نفوذ دائم، ولنا في فنزويلا خير دليل ومثال. وهنا يكمن التحدي الحقيقي للجزائر: كيف تتحول من مورد موثوق إلى لاعب لا يمكن تجاوزه؟

 

الجواب يبدأ من فهم ما تحقق بالفعل، ولكن أيضا من استقراء ما يمكن تحقيقه: لم يعد الحديث عن مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مطلباً جزائرياً أحادياً، بل أصبح مساراً مقبولاً أوروبياً. فقبول بروكسل بمبدأ إعادة النظر في الاتفاق الموقع عام 2002 يمثل تحولاً نوعياً، لأنه يعني عملياً فتح باب التفاوض من جديد، وفي لحظة تميل فيها كفة الحاجة الطاقوية لصالح الجزائر، بشكل واضح.

 

هذا التحول يمنح الجزائر هامشاً تفاوضياً أوسع، ويضعها في موقع قوة يسمح لها بطرح شروط تضمن الحد الأدنى من السيادة، من منطلق الشراكة الندية. فبدل أن يبقى الاتفاق إطاراً يسهّل تدفق السلع الأوروبية نحو السوق الجزائرية، يمكن إعادة صياغته ليصبح أداة تحقق مكاسب متبادلة، تشمل تحسين ولوج المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الأوروبية، وجذب استثمارات صناعية حقيقية، وربط ملفات الطاقة بالتجارة وحركة الأشخاص.

 

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى قطر، التي دخلت إلى السياسة الدولية من باب الطاقة، رغم محدودية المساحة والسكان، وضعفها عسكريا، حيث مكّنها تنويع أسواقها وتطوير قدراتها في الغاز المسال من التفاوض مع الدول الكبرى، ولكن نتيجة غياب البوصلة، لم تستطع أن تملك قراراتها السياسية، فصارت جزءاً من أجندات دولية.

 

ومع ذلك، فإن الخروج من التبعية السياسية والاقتصادية أمر ممكن، والجزائر هنا من أقدر الدول التي يمكنها تحقيق الاستقلال الفعلي عن الغرب في وقت وجيز متى توفرت الإرادة السياسية، لأن لديها كل مقومات الدولة السيادية.

 

من هنا، تصبح المسألة سباقاً مع الزمن، لا لجني أرباح اقتصادية آنية، وإنما للفوز في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.

 

وإذا أرادت الجزائر أن تحوّل هذا الظرف الدولي إلى مكسب استراتيجي دائم، فعليها أن تتجاوز منطق الاستثمار في عائدات الطاقة لتزيد من ثروة جنرالات الجيش على حساب أبناء الشعب، إلى منطق بناء دولة قوية تستمد سيادتها من مبدأ الإسلام العظيم في جميع جوانب الحياة، وهنا علينا جميعا أن نتذكر بأن أمريكا التي تخوض اليوم حرب بسط النفوذ على مضيق هرمز، كانت تدفع الجزية لولاية الجزائر العثمانية في عهد جورج واشنطن بمقتضى اتفاقية عام 1796.

 

ولذلك، ليست القوة في امتلاك الثروات، بل في القدرة على تحديد كيف ومتى وبأي شروط تُستخدم، والأهم تحت أي سقف يتم ذلك؟ هل تحت سقف الرأسمالية الجائرة أم سقف الخلافة الراشدة الموعودة؟

 

ختاما، فإن الجزائر اليوم أمام فرصة حقيقية للتصالح مع هويتها الإسلامية بالعودة إلى حضن الأمة الطبيعي، ولإعادة صياغة علاقاتها ليس مع الاتحاد الأوروبي فحسب، بل مع بقية الدول الكبرى، مستفيدة من لحظة دولية تتقاطع فيها الحاجة مع الإمكانية، وتبحث فيها البشرية عن مخلص من جحيم الرأسمالية، ولا يكون ذلك عند المسلمين إلا بتبني الإسلام كبديل حضاري ومشروع نهضوي قادر على مواجهة الحملة الصهيوصليبية، ووضع حد لشطحات ترامب. والسؤال هنا لم يعد: هل تملك الجزائر أوراق قوة؟ بل هل ستنجح في تحويل هذه الأوراق إلى سيادة فعلية؟ وهل آن لها أن تستمد أسباب قوتها من الإسلام، فتقيم دولته وتعيد بريق سلطانه، أم أنها ستكتفي بربح جولة في معركة الاستقلال والتحرر؟

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.