Logo
طباعة
أمريكا وإيران والسلاح النووي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أمريكا وإيران والسلاح النووي

 

 

الخبر:

 

في مقابلة مع محطة CNBC قال ترامب "إن على إيران التوقف عن السعي لامتلاك أسلحة نووية. وأن الولايات المتحدة ستراقب خطط إيران بشأن برنامجها النووي".

 

التعليق:

 

ورد هذا التصريح في الوقت الذي تتركز فيه الأنباء العالمية على ما يجري في إيران من اضطرابات اختلطت بالمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية مع تحول نحو نظام أكثر انفتاحا على العالم وأقل اعتمادا على نظام قائم على ولاية الفقيه والمذهب الشيعي في الحكم. وكانت المظاهرات قد اجتاحت كبرى مدن إيران منذ بداية شهر كانون الثاني 2026، على خلفية انهيار العملة وغلاء المعيشة. وقد أعلنت إيران مرارا أن التظاهرات التي بدأت بمظهر سلمي مشروع للمطالبة بحقوق الشعب، استغلها الموساد. وكان وزير خارجيتها قد صرح بأنه قدم أدلة لأمريكا عن تورط الموساد في المسيرات وتحويلها إلى أعمال شغب وقتل رجال الأمن، حيث قال "أصبح الآن معلوما لدى ترامب أين يوجه سلاحه للقضاء على أعمال الشغب والقتل في شوارع طهران" يقصد كيان يهود.

 

ثم جاء الآن تصريح ترامب لينقل المسألة من شوارع مضطربة وإجراءات تعسفية إلى مسألة النووي الإيراني، وهو في الحقيقة لب الصراع وأس المسألة. فقضية النووي الإيراني هي في صلب قضية الاستقرار الجيوسياسي للشرق الأوسط الجديد. خاصة أن أمريكا قد ألحقت إيران بهذا الإقليم الساخن، واستعملتها بشكل فعال على مدى عقود مضت من خلال إنشاء حزبها في لبنان ودعمه المستمر وإدارته من الخلف، أو العمل على دعم بشار أسد وتثبيت حكمه وتدمير البنية التحتية المادية والشعبية في سوريا، أو في مساندة أمريكا في العراق لإيصاله إلى درجة من الاستقرار ليصبح قادرا على القيام بمهامه كدولة مستقرة وفاعلة تحت سيطرة أمريكا. كما أن إيران لعبت دورا مهما في إسناد نفوذ أمريكا في أفغانستان بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي منه عام 1989.

 

من هنا أصبحت إيران لاعبا رئيسا في منطقة الشرق الأوسط، واستطاعت أمريكا استغلالها بشكل قوي ومؤثر منذ ثورة الخميني عام 1979 وإلى الآن. وقد استطاعت أمريكا أن تطمئن دول الخليج العربي تحديدا، خاصة السعودية، أن إيران ستكون عامل استقرار في المنطقة ولن تشكل تهديدا لاستقرار المنطقة بشكل عام والخليج بشكل خاص. إلا أن أمريكا ولحد الآن لم تتمكن من تهدئة روع كيان يهود، وإقناعه بضرورة إشراك إيران في استقرار قضايا الشرق الأوسط الساخنة. فكيان يهود يرى أن إيران يجب ألا تمتلك قوة ردع أو هجوم تعادله أو تتفوق عليه، ويعتبر ذلك بالنسبة له قضية مصيرية وليست استراتيجية، بمعنى أن وجود كيان يهود يصبح مهددا من أساسه إذا امتلكت أي دولة في الإقليم سلاحا استراتيجيا يعادله قوة أو يتفوق عليه.

 

وهذا هو أس القضية التي لا تزال تشكل عقبة كأداء أمام مشروع أمريكا النهائي لشرق أوسط مستقر، بمعنى أن موارده لا تنقطع عن شريان الحياة في الغرب عامة وأمريكا خاصة، وأن الممرات المائية لن تغلق أبدا أمام التجارة الدولية، وأن نظام الإسلام السياسي لن يعود إلى هذه المنطقة مطلقا. والقضية هنا أن الاستقرار الذاتي للإقليم يقتضي وجود توازن قوى ذاتي بضمانات خارجية ترتبها أمريكا. والتوازن الذاتي للقوى يقتضي ألا يكون لأي دولة في الإقليم تفوق استراتيجي محض، كامتلاك سلاح نووي بشكل منفرد. من هنا كان امتلاك إيران السلاح النووي قضية استراتيجية محضة، تخدم مشروع أمريكا القادم، ولا تصطدم معه. وفي الوقت نفسه يقض مضجع كيان يهود.

 

وقد رأينا خلال حرب الإبادة على غزة كيف حاول كيان يهود أن يدمر منشآت إيران النووية. ورأينا كيف كبحت أمريكا جماحه من خلال قيامها بغارات محدودة أعلنت بعدها القضاء على قدرات إيران النووية، بالرغم من وجود تقارير سياسية وفنية خاصة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أن إيران لم تخسر أيا من قدراتها على تخصيب اليورانيوم، ولم يتم القضاء على ما تم تخصيبه سابقا.

 

ولذلك بحث كيان يهود عن سبل أخرى للحيلولة دون أن تصبح إيران قوة معادلة له في الشرق الأوسط. واستعمل ما لديه من مخبرين وعملاء في إيران لتحويل المسيرات والمظاهرات إلى عنف دموي قد يساعد على انهيار النظام لعله بذلك يبعد شبح قوة نووية أخرى في المنطقة.

 

من هنا جاء تصريح ترامب لوكالة CNBC يوم 22/1/2026 يكرر تهديده لإيران بخصوص برنامجها النووي. وهذا التصريح ليس موجها لإيران، فأمريكا تعلم تماما ما يجري فيها. وترامب عينه هو الذي أوقف العمل باتفاقية مراقبة البرنامج النووي الإيراني في شهر أيار 2018 والتي وقعها وأقرها مجلس الأمن الدولي بعد توقيعها من مجموعة 5+1 التي أنشئت عام 2015 وشاركت فيها أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين إضافة إلى إيران. وحين أوقف ترامب العمل بهذه الاتفاقية كان قد فسح المجال أمام إيران للقيام بما تراه مناسبا دون أي مراقبة دولية لنشاطها.

 

فتصريح ترامب هذا هو في الحقيقة كشف عن حقيقة ما يجري في إيران، وهو استمرار كيان يهود باستهداف مقدرة إيران حتى لا تصل إلى درجة من القوة تعادل أو توازي قوته. وأمريكا قد تعيد الكرة مرة أخرى لتقوم بضربات استباقية تعلن فيها من جديد عن تدمير منشآت إيران النووية. وفي الوقت نفسه تمنح النظام في إيران فرصة قوية لتسكين الشارع الإيراني تحت غطاء اللحمة الداخلية أمام هجوم أجنبي غادر، بإذكاء الروح الوطنية والقومية لدى الشارع الإيراني.

 

فإلى أن يقضي الله أمره بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة، ستبقى منطقة الشرق الأوسط وهي قلب البلاد الإسلامية، مسرحا لنشاط أعداء الأمة الإسلامية، يمعنون في أبنائها قتلا وتشريدا، وفي خيراتها نهبا وتبذيرا، وفي قيمها طعنا وتمزيقا.

 

﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمد جيلاني

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.