Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

 على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

المقصود بالتلفيق واتباع المذاهب

إلى Abu Alan

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أسأل الله تعالى أولاً أن يمنّ عليكم بالصحة الدائمة، وأن يحفظكم ويحفظ أسرتكم.

 

أودّ أن أطرح بعض الأسئلة التالية:

 

1. هل الالتزام بمذهبٍ معيّن واجب على المسلمين أم ليس بواجب؟

2. ما المقصود بالتلفيق؟ وهل يُعدّ من لا يلتزم بمذهبٍ معيّن واقعاً في التلفيق؟

3. ما هو رأي حزب التحرير في هذه المسألة؟

4. لقد ناقشتُ شخصاً في هذه القضية، وقلتُ له إن الواجب على المسلم هو العمل بأحكام الشرع، وليس الالتزام بمذهبٍ معيّن، وأن الالتزام بالمذهب إنما هو أحد الطرق للعمل بأحكام الشرع. فهل هذا الكلام صحيح في نظركم؟

أرجو منكم التكرم بالإجابة حتى يتضح لي الأمر ويطمئن قلبي، وجزاكم الله خير الجزاء على إجابتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

في البداية بارك الله فيك على دعائك الطيب، ونحن ندعو لك بخير.

أما بالنسبة لتساؤلاتك فإن الجواب عليها موجود بالتفصيل في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول مبحث (التنقل بين المجتهدين) صفحة 241-243 ملف الوورد:

 

[التنقل بين المجتهدين

 

إن الله لم يأمرنا باتباع مجتهد ولا باتباع إمام ولا باتباع مذهب، وإنما أمرنا بأخذ الحكم الشرعي. أمرنا أن نأخذ ما أتى به الرسول محمد ﷺ. وأن ننتهي عما نهى عنه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ولذلك لا يصح شرعاً إلا اتباع أحكام الله، لا اتباع الأشخاص. غير أن واقع التقليد قد جعل المسلمين يقلدون أحكام مجتهد من المجتهدين ويجعلونه إماماً لهم ويجعلون ما ذهب إليه في الاجتهاد من أحكام مذهباً لهم. فصار موجوداً واقعياً بين المسلمين، الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة والجعفريون والزيديون إلى غير ذلك. وهؤلاء إن كانوا يتبعون الأحكام الشرعية التي استنبطها هذا المجتهد فعملهم شرعي لأنه اتباع حكم شرعي. وأما إنْ كانوا يتبعون شخص المجتهد لا استنباطه، فعملهم غير شرعي وما يتبعونه لا يعتبر حكماً شرعياً، لأنه كلام شخص وليس من أوامر الله أو نواهيه التي أتانا بها رسول الله محمد ﷺ. ومن هنا يجب أن يفهم أتباع المذاهب جميعها أنهم إنما يتبعون الأحكام الشرعية التي استنبطها هؤلاء الأئمة، وإذا فهموا غير ذلك كانوا مسؤولين أمام الله تعالى عن ترك الأحكام الشرعية واتباع أشخاص هم عبيد الله.

 

هذا من ناحية اتباع أحكام المذهب. أما من ناحية ترك هذه الأحكام فإنه ينظر، فإن أخذ الحكم ولكنه لم يعمل به بعد، فإن له تركه وأخذ غيره بناء على مرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله. أما إن عمل به فعلاً فإنه قد أصبح هذا الحكم هو الحكم الشرعي في حقه فلا يجوز له تركه وأخذ غيره من الأحكام إلا إذا كان الحكم الثاني اقترن بدليل والحكم الأول لم يقترن بدليل أو ثبت له عن طريق التعليم أن دليل الحكم الثاني أقوى من دليل الحكم الأول واقتنع بذلك، فإن عليه أن يترك الحكم الأول لأن اقتناعه بالدليل الشرعي وتصديقه به جعله الحكم الشرعي في حقه قياساً على المجتهد حين يجد دليلاً أقوى من الدليل الذي استنبط منه الحكم، فإن عليه أن يترك رأيه السابق ويأخذ بالرأي الجديد لقوة الدليل. أما في غير هذه الحالة فإنه لا يجـوز للمقلد أن يترك الحكم الذي قلده إلى غيره إذا اقترن عمله بذلك الحكم.

 

وأما تقليد غير ذلك المجتهد في حكم آخر فإنه يجوز له، لما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء المقلّد لكل عالم في مسألة. وأما إذا عيّن المقلد مذهباً كمذهب الشافعي أو جعفر مثلاً وقال أنا على مذهبه وملتزم له فهناك تفصيل في ذلك، وهو أن كل مسألة من المذهب الذي قلّده اتصل عمله بهـا فليس له تقليد غيره فيها. وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها.

 

إلا أنه يجب أن يكون واضحاً أن المسألة التي يجوز له أن يترك الحكم الذي كان يقلده فيها إلى حكم آخر، يشترط فيها أن تكون مسألة منقطعة عن غيرها ولا يترتب على تركها الإخلال بأحكام شرعية أخرى. أما إن كانت متصلة بغيرها فإنه لا يجوز له تركها حتى يترك جميع المسائل المتصلة بها، لأنها تعتبر كلها مسألة واحدة. كأن كانت شرطاً في حكم آخر أو ركناً من أركان عمل كامل. وذلك كالصلاة والوضوء وكأركان الصلاة. فلا يصح لمن يقلد الشافعي أن يقلِّد أبا حنيفة في قوله إنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء ويظل يصلي على مذهب الشافعي، ولا يصح أن يقلّد من يقول إن الحركات الكثيرة لا تبطل الصلاة مهما بلغت، أو أن عدم قراءة الفاتحة ليست ركناً من أركان الصلاة، ويظل يصلي مقلداً من يقول إن العمل الكثير يبطل الصلاة أو أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة. فالحكم الذي يجوز تركه هو الحكم الذي لا يؤثر تركه على الأعمال التي يقام بها وفق أحكام شرعية أخرى.] انتهى.

 

فهذا النص يجيب على تساؤلاتك بتفصيل، ولمزيد من التوضيح نذكر ما يلي:

 

1- لا يجب على المسلم تقليد مذهب معين، بل الواجب عليه اتباع الحكم الشرعي بغض النظر عن المجتهد الذي استنبطه، فإذا اطمأن إلى أن رأي المجتهد الفلاني هو الحكم الشرعي وأنه الأرجح فإن عليه أن يتبعه...

 

لكن المقلد العامي لا يقدر على ترجيح الرأي بدراسة الأدلة لافتقاره إلى أدوات البحث التي تمكنه من ذلك، فيكون ترجيحه بناء على ضوابط عامة من الثقة بالمجتهد أو بترجيح أعلميته وتقواه... إلخ. فإن كان يرى أن الشافعي أعلم من غيره وأن رأيه في الجملة هو الأقرب إلى الصواب فعليه أن يأخذ رأي الشافعي... وهكذا.

 

2- يجوز للمسلم تقليد مذهب معين في المسائل كلها، وكان هذا الأمر شائعاً عند المسلمين فيما مضى من الزمان، وهو الآن أقل شيوعاً... ولكن لا يجوز له التعصب لمذهبه واتباع هذا المذهب في كل أمر حتى لو خالف الأدلة الشرعية، فإن تبين له أن رأي مذهب آخر في أمر ما دليله أقوى فلا يصح له أن يبقى في هذه المسألة على مذهبه الأول تعصباً وتشبثاً به لأن الشرع لم يأمره باتباع مجتهد معين أو مذهب معين بل أمره باتباع الحكم الشرعي.

 

3- بالنسبة للمقلد العامي فإن الأسلم له أن يتبع مذهباً معيناً ويقلده في جملة المسائل، لأن المقلد العامي ليس أهلاً للنظر، وأخذه من مذاهب مختلفة يمكن أن يوجد تناقضاً وتداخلاً وإشكالات... لذلك ينصح المقلد العامي باتباع مذهب معين خاصة في البلاد التي يشيع فيها ذلك المذهب كالمذهب الشافعي في مصر مثلاً أو المالكي في المغرب مثلاً...

 

4- مصطلح التلفيق يستعمل في أكثر من معنى، لكن أبرزها معنيان اثنان:

 

أ- أخذ آراء مجتهدين متعددين في مسألة واحدة بحيث يأخذ برأي أحد المجتهدين في جزء المسألة ورأي مجتهد آخر في جزء آخر من المسألة فيأخذ حكماً مركباً لا يقول به المجتهد الأول ولا المجتهد الثاني، فيكون عمله وفق هذا الحكم المركب غير صحيح عند كلا المجتهدَيْن... والتلفيق بهذا المعني مبين في النص المنقول من كتاب الشخصية الإسلامية عدم جوازه في رأي الحزب:

 

[إلا أنه يجب أن يكون واضحاً أن المسألة التي يجوز له أن يترك الحكم الذي كان يقلده فيها إلى حكم آخر، يشترط فيها أن تكون مسألة منقطعة عن غيرها ولا يترتب على تركها الإخلال بأحكام شرعية أخرى. أما إن كانت متصلة بغيرها فإنه لا يجوز له تركها حتى يترك جميع المسائل المتصلة بها، لأنها تعتبر كلها مسألة واحدة. كأن كانت شرطاً في حكم آخر أو ركناً من أركان عمل كامل. وذلك كالصلاة والوضوء وكأركان الصلاة. فلا يصح لمن يقلد الشافعي أن يقلِّد أبا حنيفة في قوله إنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء ويظل يصلي على مذهب الشافعي، ولا يصح أن يقلّد من يقول إن الحركات الكثيرة لا تبطل الصلاة مهما بلغت، أو أن عدم قراءة الفاتحة ليست ركناً من أركان الصلاة، ويظل يصلي مقلداً من يقول إن العمل الكثير يبطل الصلاة أو أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة. فالحكم الذي يجوز تركه هو الحكم الذي لا يؤثر تركه على الأعمال التي يقام بها وفق أحكام شرعية أخرى.] انتهى.

 

ب- أخذ مسألة منفصلة من مذهب آخر غير الذي عينه المقلد، كأن يقلد الشافعي في الصلاة ثم يأخذ في الحج برأي الحنابلة... فالتلفيق بهذا المعنى يجوز بتفصيل فيه كما هو مذكور في الأعلى في النص المنقول من كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول:

 

[هذا من ناحية اتباع أحكام المذهب. أما من ناحية ترك هذه الأحكام فإنه ينظر، فإن أخذ الحكم ولكنه لم يعمل به بعد، فإن له تركه وأخذ غيره بناء على مرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله. أما إن عمل به فعلاً فإنه قد أصبح هذا الحكم هو الحكم الشرعي في حقه فلا يجوز له تركه وأخذ غيره من الأحكام إلا إذا كان الحكم الثاني اقترن بدليل والحكم الأول لم يقترن بدليل أو ثبت له عن طريق التعليم أن دليل الحكم الثاني أقوى من دليل الحكم الأول واقتنع بذلك، فإن عليه أن يترك الحكم الأول لأن اقتناعه بالدليل الشرعي وتصديقه به جعله الحكم الشرعي في حقه قياساً على المجتهد حين يجد دليلاً أقوى من الدليل الذي استنبط منه الحكم، فإن عليه أن يترك رأيه السابق ويأخذ بالرأي الجديد لقوة الدليل. أما في غير هذه الحالة فإنه لا يجـوز للمقلد أن يترك الحكم الذي قلده إلى غيره إذا اقترن عمله بذلك الحكم.

 

وأما تقليد غير ذلك المجتهد في حكم آخر فإنه يجوز له، لما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء المقلّد لكل عالم في مسألة. وأما إذا عيّن المقلد مذهباً كمذهب الشافعي أو جعفر مثلاً وقال أنا على مذهبه وملتزم له فهناك تفصيل في ذلك، وهو أن كل مسألة من المذهب الذي قلّده اتصل عمله بهـا فليس له تقليد غيره فيها. وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها.] انتهى.

 

وهكذا فإن تدبر النص المنقول من كتاب الشخصية الإسلامية يجيب على تساؤلاتك كلها.

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

15 ربيع الأول 1448هـ

الموافق 28/08/2026م

 

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.