Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-08-26

 

نظرة في الهدوء النسبي لحرب أمريكا على إيران

 

 

تحمل التهدئة الهشة القائمة بين إيران وأمريكا العديد من الأبعاد في ظل استمرار التوترات العسكرية والسياسية، التي ولدتها حرب أمريكا على إيران، وذلك على مستوى الشرق الأوسط والعالم كله، بما صاحبها من عدم استقرار في أسواق الطاقة والممرات البحرية، فما يحدث هو تداخل معقد بين الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية وتبعاتها، ومصالح الدول الإقليمية والدولية، لذا وجب النظر إلى هذه التهدئة من زوايا متعددة ومتشابكة، تنظر للحدث ليس من وجهة نظر أمريكا فقط، بل من وجهة نظر إيران ودول المنطقة والصين وأوروبا وبقية دول العالم، لما لحق بها من أضرار نتيجة هذه الحرب.

 

قامت أمريكا وبعنجهية مطلقة في 28 شباط/فبراير 2026 بشن حرب على إيران بهدف تحويلها من دولة تدور في فلك أمريكا إلى دولة عميلة لها، وتحقق لها تصوراتها للشرق الأوسط الجديد، معلنة أن هذه الحرب لن تستمر إلا أياما معدودة قليلة لتحقيق غرضها.

 

إلا أن أصواتاً من الحرس الثوري، رأت أن ما قامت به أمريكا، وقتلها قيادات الصف الأول والثاني لم يشفع لإيران الخدمات التي قدمتها لأمريكا على مدى أكثر من أربعين سنة، واستطاع الحرس الثوري امتصاص الضربة وسيطر على الاضطرابات القائمة في الداخل، وتمكن من تعيين مرشد جديد، فرأى إمكانية الانعتاق من الدوران في فلك أمريكا، وأصبح لتلك الأصوات تأثير ملاحظ على الطبقة السياسية الموافقة لرغبات أمريكا، فقامت بتوجيه ضربات موجعة للقواعد الأمريكية وليهود ألحقت أضراراً بالغة فيها، وقامت باستغلال أحد الأوراق التي تملكها وهي إغلاق مضيق هرمز، ما جعل أبعاد وآثار هذه الحرب تطال دول العالم كافة.

 

تذبذب هذا الرأي بين الظهور والخفوت تبعاً للأحداث على مدى أيام الحرب وما تلاها من جولات ومفاوضات نجح في إحداها الجانب السياسي في إيران من توقيع إطار اتفاق مع أمريكا لوقف الحرب، والذي سعت له أمريكا للخروج من مأزقها، من خلال ضغط عملائها في باكستان وغيرها على إيران للقبول بالتوقيع، وقد أصدر في حينه أمير حزب التحرير، العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، جواب سؤال بين فيه الألغام التي احتوتها بنود الاتفاقية، وأكدها استئناف الحرب لأيام إضافية.

 

إن هذه الحرب لم تحقق شيئاً من أهداف أمريكا المعلنة، بل أظهرت وهنها وضعفها، وزادت مدتها عن شهور ستة ظهر فيها مدى الانقسام الحاد داخل أمريكا على المستوى السياسي والعسكري، والذي أدى لإقالات واستقالات عديدة، وصاحبتها أصوات شعبية عريضة تطالب بوقف الحرب لما لحقها من ضرر من ارتفاع أسعار الطاقة، ومعارضة عسكرية لنفاد واستنزاف الذخائر وعدم المقدرة على تعويضها، لما تعانيه أمريكا من أزمة اقتصادية أوصلت حجم مديونيتها لما يفوق الأربعين تريليون دولار، وحاجة التصنيع لسنوات حتى يتلافى النقص، وظهر ذلك في الخلاف الذي حدث بين ترامب ووزير حربه على العلن، ومطالبة قيادات عسكرية بضرورة وقف الحرب، يضاف إلى ذلك اقتراب الانتخابات النصفية التي قد تؤثر نتائجها على الانتخابات الرئاسية القادمة بعد سنتين.

 

كل ذلك دفع أمريكا لوقف الحرب ومحاولة البحث عن بدائل تخرجها من مأزقها وتحقق أهدافها، أو على الأقل تبقي الأمور على ما هي، فكان الحصار البحري الذي لم يؤت أكله، وكانت محاولة النزول البري التي فشلت، وكانت قنوات التفاوض السرية مع الحرس الثوري دون نتائج تذكر، وكانت الضغوط على أذرع إيران في لبنان واليمن والعراق لقطعها، وما تلا ذلك من تحالف السعودية البحري مع أكثر من 12 دولة لحفظ المرور بمضيق باب المندب، وما تبعه من تحالف عسكري سعودي تركي باكستاني، ليقتل المسلمين بعضهم بعضا، وكورقة ضغط على إيران لعلها تخضع لمطالب أمريكا، مع زيادة العقوبات الاقتصادية لإلحاق الضرر بإيران.

 

نعم إن أمريكا تملك من المعدات والأدوات العسكرية ما يجعلها قادرة على توجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران تنهي بها الأمور، إلا أنها إن أقدمت على ذلك فإنها ستستنزف بشكل يهدد بقاءها كدولة أولى في العالم أمام منافسيها وخصوصاً الصين، وسيظهر السخط والتذمر الذي أبداه حكام المنطقة نتيجة تضرر البلاد والشعوب وعدم مقدرة أمريكا على حمايتهم من ضربات إيران. ضربة قد تؤدي إلى فوضى على مستوى المنطقة بل والعالم أجمع لن تستطيع معها أمريكا الإمساك بزمامها، وتفتح الأمور لأحداث قد تخرج عن سيطرتها.

 

لقد مارست أمريكا على مدى سنوات من وجودها كدولة أولى بالعالم ما اعتادت عليه من قتل وتدمير وقصف، وكذلك في إيران، فلما لم تحقق شيئاً أمرت رويبضات هذا الزمان لرعاية مفاوضاتها مع إيران لعلهم يستطيعون إخراجها من مأزقها، وإيجاد خونة لها هناك يمكّنونها من تحقيق ما عجزت عنه، إلا أن ما يظهر الآن في إيران هو رجحان كفة من ينادي بالانعتاق عن أمريكا، رجحان إن لم يستثمر بما يرضي الله فإنه ما يلبث أن يزول.

 

رسالة نوجهها لا نبتغي منها إلا وجه الله تعالى، ونصيحة نسديها لمن توسد الأمر في إيران: إن قصفكم لأمريكا وربيبها أوجعهم وأظهر ضعفهم وهوانهم، وأنهم مع امتلاكهم للعتاد إلا أنهم لا يمتلكون الرجال، وأنكم بمقدرتكم العسكرية والتصنيعية، وبما حبى الله تعالى إيران من موقع استراتيجي وتنوع جغرافي يمكنها من تصنيع غذائها، وما حباها من مصادر طاقة وغاز ومعادن، ومبدأ رباني؛ لقادرون بمعية الله عز وجل على جعل إيران نقطة ارتكاز للخلافة الراشدة، فاتركوا الخطاب الطائفي والمذهبي والقومي ووجهوا خطاب الإسلام الصافي النقي كما نزل على رسول الله ﷺ، وجهوه لشعوب المسلمين وجنودهم المخلصين، فاللحظة حاسمة وهي منحة من الله تعالى لعلها تلقى آذاناً صاغية واعية، ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

 

 

بقلم: د. عبد الإله محمد – ولاية الأردن

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.