- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-08-26
جريدة الراية: مشروع قانون أمريكا لتعزيز التعاون الدفاعي
بينها وبين كيان يهود
أشار مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2027 في المادة 219 إلى مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين أمريكا وكيان يهود، وتنص هذه المادة من بين أمور أخرى على:
- إنشاء جهة تنفيذية داخل وزارة الدفاع الأمريكية لتنسيق التعاون مع (إسرائيل)
- توسيع البحث والتطوير والاختبار والتقييم والتكامل في التقنيات الدفاعية
- تشجيع الإنتاج الصناعي العسكري المشترك
- دمج بعض التقنيات (الإسرائيلية) في برامج التسليح الأمريكية عندما تُعد مناسبة
- تعزيز التدريب المشترك وتبادل المعلومات
وقد وصف بعض المحللين والنواب الأمريكيين هذه المادة بأنها تهدف إلى تكامل عميق بين الصناعتين الدفاعيتين والمؤسستين العسكريتين، وتعد بمثابة دمج قانوني للجيشين، وفسرت على أن الكونغرس يمضي نحو دمج عسكري وتقني أعمق بين أمريكا وكيان يهود.
ولقراءة الأبعاد الاستراتيجية لمحاولة أمريكا ربط الكيان بمصالحها الاستراتيجية ربطا محكما أمنيا وعسكريا وجعله شقا أصيلا في هندستها الأمنية عبر منظومتها التشريعية ومؤسسات الدولة، لا بد من الوقوف على بعض الحقائق الاستراتيجية والمستجدات التي طرأت على الساحة الدولية لتفسير ذلك:
هناك حقيقة كيان يهود وكونه قاعدة عسكرية استراتيجية أمريكية تتم اليوم إعادة ترميمها وتأهيلها وتوظيفها بعد انكشافها جراء عملية طوفان الأقصى والحرب على إيران.
ثم لفهم الأسباب والأهداف وغاية أمريكا الاستراتيجية من وراء هذا الدمج العسكري والاندماج الصناعي والاشتراك الدفاعي والأمني والتنسيق العملياتي للمؤسسة العسكرية الأمريكية وجيش كيان يهود:
أولا: في فهم أهم الأسباب الاستراتيجية ودواعي تعميق الارتباط الأمني والعسكري للكيان بأمريكا:
من أهم الأسباب تحول الثقل الاستراتيجي والجيوستراتيجي ومعه الجهد والتركيز الاستراتيجي الأمريكي نحو الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي منذ إدارة بايدن ترى في روسيا تهديدا حادا والصين التحدي المتسارع، وهو ما يستلزم بالضرورة إعادة النظر في وجود أمريكا العسكري القوي والمتمركز في منطقتنا بالتحديد، لإعادة توجيه قواتها العسكرية لردع توسع النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكبح جماح روسيا في المنطقة الأوروبية.
ثانيا: في الأهداف والغاية والآليات من وراء هذا الدمج الأمني والعسكري:
فهذا الدمج يجد تفسيره والهدف منه في استراتيجية أمريكا في سعيها لتقليص قواتها العسكرية في المنطقة لتوجيه مخزونها الاستراتيجي صوب الصين، ومعها تطرح مسألة ملء الفراغ، ولملء الفراغ الأمني والعسكري والاستراتيجي الذي قد يخلفه تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، طرحت استراتيجية الوكلاء المحليين والشركاء العسكريين في تحمل الدور الوظيفي العسكري والأعباء التي سيخلفها ذلك، عبر بنية أمنية إقليمية من الوكلاء المحليين بقيادة أمريكية، وعبر إعادة صياغة دور أمريكا في المنطقة من دور القائد المهيمن للمنسق الفعال بين الشركاء الوظيفيين، وتندرج إعادة صياغة المنطقة أمنيا واستراتيجيا ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يخدم استراتيجية أمريكا الكبرى تجاه الصين عطفا على التصدي لمشروع الإسلام، وفي صلب هذه الصياغة الأمنية الإقليمية للمنطقة دمج كيان يهود وجعله النواة الصلبة والوكيل الأول للمنظومة الأمنية الأمريكية الجديدة.
والآلية لوضع الكيان في صلب الهندسة الأمنية الجديدة هي اتفاقيات أبراهام، فهدفها الاستراتيجي تذويب الكيان أمنيا في المنطقة وتفعيله كقاعدة حضارية لقيادة الأنظمة الوظيفية لمحاربة الإسلام والتصدي لمشروعه، وتعيينه على رأس وكلاء أمريكا لملء الفراغ العسكري والأمني والاستراتيجي في المنطقة.
والذي استجد مع حرب إيران هو مأزق أمريكا الخانق واستنزاف مخزونها الاستراتيجي (فقد أنفقت كمية استثنائية من الذخائر في ضرب أهداف داخل إيران نفسها، وكما أشارت خبيرة الاستراتيجية الدفاعية ماكنزي إيغلن، فإن الجيش الأمريكي أطلق أكثر من ألف صاروخ كروز من طراز توماهوك خلال بضعة أسابيع، في حين لا يستطيع إنتاج سوى 90 إلى 100 صاروخ سنويا، كما استخدمت أمريكا لمواجهة الصواريخ الإيرانية ما لا يقل عن 190 صاروخا اعتراضيا من منظومة ثاد و1060 صاروخا اعتراضيا من منظومة باتريوت بين 28 شباط/فبراير و8 نيسان/أبريل وحدهما، وقد مثّلت هذه الأرقام نحو 53% و46% من مخزونات أمريكا قبل الحرب، على التوالي، وبمعدلات التجديد الحالية لهذه الصواريخ الاعتراضية لن تستطيع أمريكا مواجهة التهديدات الجوية في مسارح متعددة إذا اضطرت إلى ذلك) بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. عطفا على الأعطاب المدمرة للقواعد الأمريكية في الخليج والتي لحقت بها قاعدة الأردن مع الضربات الأخيرة.
هذا الظرف الاستراتيجي والوضع العسكري الاستثنائي الحرج ما أبقى لأمريكا في المنطقة سوى الكيان كقاعدة استراتيجية فعالة معدة لتحمل الأعباء والتكاليف الأمنية القاسية، عطفا على التجانس الحضاري والسياسي والعسكري والأمني بينهما وهو ما يضمن خدمة القاعدة واستمرارها، وهو ما أعاد فكرة تسريع الاندماج العملياتي بين جيشي أمريكا والكيان، علما أن الحرب على إيران كانت عملا عسكريا مشتركا ومنسقا بينهما.
فكيان يهود أصلا منذ عام 2021 نقله البنتاغون من القيادة الأوروبية إلى "سنتكوم" القيادة القتالية المسؤولة عن الشرق الأوسط، وتم بعدها دمجه في المناورات العسكرية التي تقودها أمريكا مع شركاء إقليميين آخرين، ولقد وفر هذا الانتقال مع اتفاقيات أبراهام الآلية الأمريكية لتفعيل منظومتها الأمنية الإقليمية الجديدة ومعها التنسيق الأمني بين الكيان ودول المنطقة تحت قيادة أمريكا.
فهذا التعاون العسكري والأمني العميق بين كيان يهود وأمريكا هدفه تنصيب الكيان وكيلا رئيسيا لأمريكا لتأمين المنطقة أمنيا واستراتيجيا لخدمة واستمرار هيمنة أمريكا والتصدي للمشروع الإسلامي المتنامي والمتحفز، مع تحمل الكيان والشركاء الوظيفيين المحليين أعباء وتكاليف الوظيفة الأمريكية.
ومع حرب إيران ومعضلة أمريكا العسكرية والاستراتيجية وانكشاف محدودية قوتها، تعاظمت الحاجة للكيان في محاولة أمريكا ردم الثقب الاستراتيجي الذي أحدثته وخلفته حرب إيران، عبر تقوية دور الكيان قاعدتها الاستراتيجية في المنطقة بمعية الأنظمة المحلية العميلة.
فما يخفيه هذا الدمج العسكري والأمني للكيان هو محدودية القوة العسكرية الأمريكية وأعطابها الاستراتيجية المدمرة ولجوؤها للوكلاء المحليين وعلى رأسهم الكيان الحقير لمحاولة رقع معضلتها.
فيا أبناء أمة الإسلام العظيم: إن عدوكم الصليبي حقير، وأحقر منه حكامكم الأنذال الذين أسلموكم لهم، أما آن لكم استعادة سلطانكم المغصوب وإقامة دولة إسلامكم العظيم وتحكيم شرع ربكم وسحق هذا المقت ومحق هذا العار؟!
بقلم: الأستاذ مناجي محمد
المصدر: جريدة الراية