Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

2026-07-22

 

جريدة الراية:

زيارة رئيس وزراء العراق علي الزيدي لواشنطن

والسيادة الموهومة!

 

 

في عام 2003م أقدمت أمريكا على غزو العراق واحتلاله بذريعة امتلاكه مخزونات من أسلحة الدمار الشامل التي لم يعثر عليها لاحقا، ثم تولت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة أمريكا وبريطانيا، إدارة العراق حتى نُقلت السيادة الموهومة إلى حكومة عراقية مؤقتة في حزيران 2004م، فشكلت النظام وصاغت الدستور، ومنذ ذلك الحين دخل العراق في نفق مظلم، وشهد اضطرابا سياسيا وأمنيا وفتنة طائفية أكلت الأخضر واليابس، وبقيت نغمة الوجود الأمريكي سلعة رخيصة يتاجر بها الساسة من القوى السياسية وأصحاب المصالح الذاتية.

 

وإلى يومنا هذا يستمر الخداع وتخدير الأمة بأعمال وقرارات ذليلة على أنها سيادية لمصلحة البلد وإنقاذه من هذا النفق المظلم! وهكذا جاءت زيارة رئيس وزراء العراق علي فالح الزيدي إلى واشنطن، وهي زيارة لم يقررها العراق بل جاءت بناء على دعوة من رئيس أمريكا ترامب، لعقد اتفاقيات استراتيجية.

 

والمدقق في شروط هذه الاتفاقيات وطريقة الاستقبال والأسئلة المحرجة والمستفزة يدرك تماما أن هذا اللقاء ليس لقاء ند لند ولا صاحب سيادة لنظيره، بل لقاء تابع ذليل لسيده، وعبد ينتظر الأوامر والإملاءات لحفظ مصالح سيده. وكيف لا؟، فالزيدي جاء بعد دعم من ترامب في ترشحه للمنصب، فقد قال ترامب في تصريح للصحفيين في البيت الأبيض "إنه كان مهتما بفوز الزيدي برئاسة الحكومة العراقية، موضحا أن منافسه كان يتبنى مواقف وصفها بأنها سيئة تجاه واشنطن"، وقد صرح الزيدي علنا في أولى تبييض صفحته ومنذ توليه المنصب، التزامه بمكافحة الفساد، وشنت حكومته حملات دهم، واعتقال لعشرات النواب الحاليين والسابقين ومسؤولين حكوميين متهمين بالفساد، وصادرت أموالا طائلة، نجح من خلالها بكسب تأييد شعبي واسع.

 

فجاءت هذه الزيارة في وقت تمر من خلاله المنطقة بوضع مضطرب ومرحلة يعاد فيها رسم موازين القوى، مع إدراك أمريكا أهمية العراق، وأن استقراره وعدم الخروج من تحت هيمنته قضية مصيرية لأمريكا، وأي غفلة أو تهاون في هذه القضية يؤدي إلى اضطراب قد ينعكس على المنطقة بمجملها.

 

وقد تناولت هذه الزيارة ثلاثة مسارات مهمة وسيادية وهي: السلاح، والأمن، والاقتصاد.

 

أما فيما يخص السلاح فقد ربطت أمريكا مستقبل التعاون مع العراق بتحقيق نتائج ملموسة في ملف نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران، فأمريكا لا تنظر إلى الفصائل المسلحة باعتبارها قضية عراقية داخلية، وإنما تعدّها جزءاً من شبكة إقليمية تديرها إيران وهي الآن بعد اعتداء أمريكا على إيران تعتبرها خطرا يؤثر على مصالحها ومصالح حلفائها.

 

وكان الزيدي قد كتب في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست قبل زيارته لأمريكا أن حكومته (ملتزمة بضمان احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة)، مؤكدا أن العراق (اختار طريق التنمية بدلا من الانخراط في المحاور والصراعات الإقليمية).

 

وفي حديث خاص للحرة، قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة في العراق، صباح النعمان، إن بغداد أبلغت واشنطن بأنها ماضية في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي نهاية أيلول/سبتمبر.

 

وأضاف أن الحكومة تعتبر القرار (سيادياً عراقياً، مستمداً من الشرعية الدستورية ومن المقبولية الشعبية)، مؤكداً أن انتهاء مهمة التحالف سينهي، بحسب رؤية بغداد، المبررات التي تستخدمها بعض الفصائل للاحتفاظ بالسلاح.

 

إلا أنه مما يجب ملاحظته أن هذا الملف ليس بالأمر الهين ولا يمكن تنفيذه بسهولة وسلاسة كحال ملف الفساد، بل هو شائك ومعقد وقراره مرتبط بدولة أخرى غير العراق وهي إيران، وقد يؤدي إلى صدام مسلح بين الفصائل والدولة بل حتى إلى حرب أهلية، لذلك فالتعامل مع هذا الملف سوف يكون بحذر شديد، وإلا فالعاقبة غير محمودة.

 

أما المساران الآخران وهما الأمن والاقتصاد، فهما الأخطر، لأنهما يمثلان السيادة الحقيقية للبلد، فهما يرسخان الاحتلال الأمريكي للعراق، ويجعلانه قانونيا من خلال الهيمنة الكاملة على النفط والاستثمارات، ولهذا جاءت حزمة الاتفاقيات الاقتصادية، ومشاريع النفط، وخطوط الأنابيب الجديدة، كجزء من رؤية أمريكية أوسع تهدف إلى تقليل اعتماد العراق على مضيق هرمز، وربط اقتصاده بشبكات تصدير جديدة، خصوصا وأن عائدات النفط العراقية سيتم إيداعها في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذاً مالياً وسيطرة على اقتصاد البلد.

 

لذلك نقول: إنه لا صلاح لحالنا ولا عزة لنا بدولة فاقدة للسيادة تتلقى الأوامر والإملاءات من محتلها، وتتلاعب بالألفاظ والمسميات؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه خروج القوات العسكرية الأمريكية، توقع اتفاقية استراتيجية أمنية واقتصادية، واستمرار التعاون في مجالات: التدريب، والتسليح، والاستشارة العسكرية، مع الحفاظ على العلاقة الأمنية بين البلدين! فأي علاقة أمنية بين بلد محتل ومحتله؟! وأي سيادة والكل يعلم أن أموال العراق واقتصاده مرهون في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؟!

 

والخلاصة أن تداعيات هذه الزيارة ستتضح عند عودة الزيدي، وهل بإمكانه تطبيقها واقعيا، أم أنها ستمر بمخاض عسير خصوصا وقد ظهرت تصريحات مشككة قبل عودة الزيدي؟ فقد أكد ائتلاف الإعمار والتنمية برئاسة رئيس وزراء العراق السابق محمد شياع السوداني، يوم الجمعة الموافق 17/7/2026م، أن جميع الاتفاقات التي سيبرمها رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي مع أمريكا ستعرض على الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة ومجلس النواب، للموافقة عليها أو رفضها.

 

فالأمر خطير، وإنه ليعتصر القلب ألماً ونحن نرى عاصمة الرشيد بهذا الذل والهوان تستجدي الحلول من عدوها، فحري بأهل العراق أن يقرروا مصيرهم، ويعودوا إلى هويتهم الإسلامية فيقيموا حكم الله، ويحرروا بلدهم من هيمنة الكافر بكل أشكاله، وتعود بغداد إلى سابق عزها ومجدها.

 

بقلم: الأستاذ أحمد الطائي – ولاية العراق

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.