Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

 

2026-07-22

 

جريدة الراية: تغير في المناخ بشأن العلاقات

بين أمريكا وأوروبا

(مترجم)

 

 

في 6 تموز/يوليو 2026، أصدر بيان صحفي من الحكومة البريطانية مقالاً مهماً لوزيرة الخارجية إيفيت كوبر بعنوان: "مكانة بريطانيا في النظام العالمي الجديد"، قالت فيه: "إن الجغرافيا السياسية تتغير أيضاً. فالولايات المتحدة تتراجع عن دورها التقليدي كضامن للأمن العالمي، وبينما بدأت أوروبا، بما في ذلك بريطانيا، في التقدم، إلا أنه يتعين علينا أن نفعل المزيد بأنفسنا. قد لا نكون قوة عسكرية أو اقتصادية عظمى، لكن يمكننا أن نكون قوة جامعة - الدولة التي تجمع الآخرين وترسم طريقاً جماعياً للمضي قدماً".

 

يعكس مقال وزيرة خارجية بريطانيا الأجواء السائدة في الوسط السياسي الأوروبي الأوسع، والذي يركز بشدة على تأثير التغير في الاستراتيجية الأمريكية تجاه النظام العالمي. وهو تغير مهم بعد عقود طويلة، يثير التساؤلات حول المبادئ والمواقف الراسخة داخل أوروبا. لقد مرت العلاقات بين أوروبا وأمريكا بالفعل بمراحل متعددة.

 

كانت أمريكا بعيدة عن أوروبا في بدايات تاريخها، بعد أن تمردت على احتلالها للأمريكيتين وطردت نفوذها من بعض المناطق، أو على الأقل قلصته، باستخدام استراتيجيات مثل مبدأ مونرو.

 

ثم خرجت أمريكا بشكل دراماتيكي من عزلتها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث أدركت قوتها النسبية مقارنة بأوروبا المنهكة بالحرب داخل أراضيها. وبعد الحرب العالمية الثانية، استغلت أمريكا الفرصة عبر تطوير الاعتماد الاقتصادي من خلال خطة مارشال، والاعتماد العسكري عبر حلف الناتو. وأثبتت نفسها كقوة مهيمنة ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب، تدعمه مؤسسات متعددة الأطراف.

 

ومع مواجهة تحد قوية من الاتحاد السوفيتي، عملت أمريكا على طرد النفوذ الأوروبي من مستعمراته السابقة في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، مع تقديم نفسها كقائدة للعالم الحر. ثم استغلت المنصة الأوروبية لإضعاف روسيا تدريجياً، رغم حالة الانفراج النشطة بين واشنطن وموسكو خلال فترة كينيدي ونظيره خروتشوف.

 

بلغت أمريكا ذروة هيمنتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأت تقود أوروبا بشكل غير مسبوق، وتوجهها في مشاريعها، بما في ذلك حملاتها في البلاد الإسلامية. وفي الوقت نفسه، وسعت بشكل عدواني إزاحة النفوذ الأوروبي، وأزالت تأثيره السياسي في بلاد إسلامية رئيسية مثل باكستان ومصر.

 

لكن أمريكا توسعت بشكل مفرط في حروبها ضد الأمة الإسلامية، وتضررت من المقاومة القوية. إضافة إلى ذلك، بدأت مظاهر التدهور الاقتصادي تظهر داخل الدولة الأمريكية، نتيجة جشع النخبة الرأسمالية الطفيلية، ضمن أزمة داخلية تفاقمت بسبب الانقسامات داخل الدولة العميقة، نتيجة الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين.

 

وأدركت أمريكا ضعفها، مع تحذيرات من مفكريها بشأن تراجعها، فسعت إلى الحفاظ على تفوقها في النظام العالمي متعدد الأقطاب رغم تراجع قدراتها، من خلال إشعال الصراعات بين القوى الكبرى المتنافسة وحولها. ومن أبرز هذه الأساليب استفزاز الدب الروسي، وإشعال الحرب بين أوكرانيا وروسيا، ما أضر بأوروبا بشكل حتمي. ويظهر ضعف التفكير السياسي الأوروبي في فشله في إنهاء النزاع سريعاً عبر الضغط على أوكرانيا، بل ارتكب خطأً فادحاً بالانحياز لها، ما أطال أمد الحرب المدمرة داخل مجاله. وفي عهد بايدن، استمرت الصراعات في الاشتعال لإضعاف المنافسين.

 

ومع قدوم ترامب، برزت محاولة إعادة تشكيل النظام العالمي نحو أحادية قطبية. واستمر تحفيز الصراعات لإضعاف المنافسين، مع تحميلهم أعباء نتائج انسحاب أمريكا المفاجئ من 66 مؤسسة متعددة الأطراف. وتسعى أمريكا الآن إلى قيادة العالم مع تحميل الآخرين التكاليف. وهي تقبل بأن التحالفات والمؤسسات الإقليمية ستقوى وتظهر أخرى جديدة، لكنها واثقة من قدرتها على فرض نظامها العالمي بسبب محدودية قدرات هذه الكيانات.

 

تجد أوروبا نفسها الآن متروكة وتكافح لإيجاد موطئ قدم لها، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية. وبعد إنهاكها من آثار حرب روسيا-أوكرانيا وتداعيات جائحة كوفيد-19، تبدو أوروبا غير مستقرة. كما ضعف تفكيرها السياسي نتيجة عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة. ومن بين القوى الأوروبية، تحاول بريطانيا الاستيقاظ من اعتمادها الخاطئ على أمريكا، مستفيدة من خبرتها التاريخية في المناورة، في محاولة لقيادة أوروبا نحو مسار جديد قد يتقاطع مع مصالح أمريكا أو لا. لكن بريطانيا لم تعد القوة التي كانت عليها، ويعكس تصريح وزيرة خارجيتها هذا الوعي. وفوق ذلك، تعاني أوروبا من صراعات تاريخية عميقة تجعل وحدتها الكاملة أمراً صعب التحقيق.

 

وبشكل عام، فإن الله سبحانه وتعالى يغير موازين العالم، بما في ذلك أحد أهم ملامح الجغرافيا السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو قوة العلاقة بين أمريكا وأوروبا. ولهذا الأمر آثار كبيرة على الجيل الحالي من المسلمين. فبالنسبة لأمريكا، يجب على الأمة أن تتصدى لمصالحها، وتكشف مخططاتها، وتزيل نفوذها. أما أوروبا عموماً، وبريطانيا خصوصاً، فعلى الأمة أن تبقي الأبواب مغلقة أمامها، وألا تنخدع بوعودها. فأوروبا لا تقل ضرراً عن أمريكا، ولا هي أقل عداء لدين الإسلام. وعليه، يجب على العلماء وحملة الدعوة أن يكونوا يقظين تجاه زيارات الأوروبيين والأمريكيين إلى بلاد المسلمين، وأن يكشفوا خططهم. كما يجب على أبناء الأمة الواعين استغلال الفرص الناتجة عن ضعف العلاقات بين أوروبا وأمريكا لتشكيل قوة كبرى جديدة تحت هدي شريعة الله سبحانه وتعالى.

 

بقلم: الأستاذ مصعب عمير – ولاية باكستان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.