Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-08

 

جريدة الراية: حملة (صولة الفجر) للقضاء على الفساد

بين الوهم والحقيقة

 

 

يعاني العراق منذ احتلاله عام 2003م من تفشي الفساد المالي والإداري، الذي أثر بشكل كبير على مؤسسات الدولة وثقة الشعب، وقد تعاقبت الحكومات على وعود بمكافحة الفساد، إلا أن هذه الظاهرة ظلت تحديا لجميع هذه الحكومات وزادت من تفاقمها، وبعد تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة بمباركة وترحيب أمريكا، بعد أن رفضت مرشح الإطار نوري المالكي ورفضها لأي مرشح له ارتباط بالفصائل، وتهديدها بالعقوبات الاقتصادية، جاء الزيدي وتعهد كسابقه بمكافحة الفساد كأولوية قصوى لحكومته، ولإثبات مصداقيته قام بحملة موسعة فجر يوم الأحد الموافق 2026/6/28م لملاحقة الفاسدين والمتهمين بالتجاوز على المال العام، أطلق عليها اسم "صولة الفجر"، وأسفرت هذه الحملة إلى الآن عن اعتقال عشرات المسؤولين بينهم رؤساء كتل وأعضاء برلمان، ومصادرة ما يقارب المائة مليون دولار إضافة إلى عشرات العقارات وكميات من الذهب، وقد سبق هذه العملية اعتقال وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي في 2026/5/30م في ناحية الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين، وضبطت مبالغ مالية كبيرة بحوزته، قادت إلى التحقيقات التي أدت إلى إطلاق هذه العملية والقبض على سياسيين بارزين منهم مثنى السامرائي وعالية نصيف، وشملت هذه الحملة مداهمات في مناطق مختلفة من العراق، بما في ذلك المنطقة الخضراء التي تعد بأنها منطقة شديدة التحصين في بغداد، ولا يزال كثير من المحللين مشككين في مصداقيتها ما لم تشمل الحيتان الكبيرة من رؤساء الكتل والمسؤولين.

وفي المقابل، رأى بعض المحللين أن توقيت الحملة يثير تساؤلات عما إذا كانت تأتي استجابة لحاجة وطنية أم أنها تمثل تمهيدا لزيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة، في ظل الحديث عن ملفات الإصلاح الاقتصادي والاستثماري التي ستناقش خلال الزيارة؟

 

والحقيقة الواضحة التي لا غبار عليها لمعرفة أبعاد هذه الحملة وهل هي العلاج الناجع لمشاكل العراق؟ هي أنه لا بد لنا من بيان أن الفساد في العراق لم يقتصر على سرقة الأموال بل تعدى ذلك إلى فساد أخلاقي، وتفشي الجريمة، وانتشار المخدرات، وابتزاز الفصائل المسلحة للناس، وأعظمها فسادا قتل مئات آلاف الأبرياء بالفتنة الطائفية وتنظيم الدولة، وغيرها الكثير من الفساد الذي استشرى في البلد، ولقد كان هذا نتيجة حتمية لنظام فاسد قائم على المحاصصة وحماية الفاسدين.

 

لذلك نقول إن إعطاء هذه الهالة الإعلامية على ملاحقة السراق مع بقاء المنظومة التي أنتجتهم وأنتجت جميع أنواع الفساد المستشري في البلد، نقول ليس هو العلاج الناجع ولا الحل الأمثل لمعاناة هذا الشعب الجريح.

 

إن المشكلة في العراق ليست بمجموعة من السراق الفاسدين تتم التضحية بهم وجعلهم كبش فداء لمنظومة قائمة على الفساد فرضها المحتل الأمريكي على بلد من بلاد المسلمين، فلا ينفع علاج بعض أعراض المرض طالما أصل المرض قائم.

 

إن أصل الداء هو وجود المحتل الأمريكي وتحكمه في النظام السياسي الذي فرضه على العراق منذ احتلاله، لذلك نرى أنه لا يتم التطرق بتاتا إلى هذا الأصل بل يُوهَم الشعب العراقي بأن المشكلة بالأشخاص ليبقى هذا الشعب الذي لا يزال ينقصه الوعي السياسي في دوامة تغيير الأشخاص، ومثال ذلك رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني الذي كان يحظى بمباركة المحتل الأمريكي، وكثيرا ما أضفى عليه وأغرقه بعبارات المديح، والآن يتبين أنه أحد رؤوس الفاسدين.

 

إن تصوير أمريكا على أنها المنقذ الذي سيقتلع الفساد هو من سذاجة الفكر السياسي، فأمريكا هي راعية الفساد وهي التي أسهمت في ترسيخه بفرضها النظام السياسي الذي أنتج كل هذه الأزمات، لذلك كان واجبا على المسلمين في العراق أن يدركوا حقيقة أسباب الفساد، وهو سبب واحد لا غير يتمثل بالنظام السياسي الذي يتحكم في رقابهم، وإن أي معالجة لنتائجه دون الوعي على أن هذا النظام هو السبب الرئيسي لجميع أنواع الفساد لا يمكن أن نعتبرها علاجا ولا إصلاحا.

 

وكذلك لا بد من معرفة أن حل أي مشكلة لا يكون من داخلها ولا من مسببها بل لا بد من القضاء على المشكلة بالقضاء على سببها ومنتجها.

 

إنه لمن المحزن والمؤلم أن نرى بلاد المسلمين هذا حالها، ونرى المسلمين الذين يملكون أعظم عقيدة وأرقى فكر يستجدون أعداءهم لحل مشاكلهم! فهل هذا يليق بخير أمة كانت تحل مشاكلها من نظامها السياسي الذي اختاره الخالق المدبر لها؟!

 

من أجل ذلك كان واجبا على المسلمين أن يدركوا أن مكمن عزهم وصلاح حالهم إنما يكون بتحكيم شرع الله وإقامة نظام الحكم الإسلامي الذي يقوم على حفظ الأموال والأعراض والأنفس، ويعطي الحق للأمة بمحاسبة الحكام، وأنه ليس هناك شخص فوق القانون مصداقا لقول رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

 

وخلاصة القول: إن التغيير الحقيقي والقضاء على جميع أشكال الفساد لا يكون بحملات انتقائية والتضحية ببعض الفاسدين، بل لا بد من إزالة النظام الفاسد الذي أنتج كل هذا الفساد وإقامة النظام الذي فرضه رب العزة.

 

 

بقلم: الأستاذ أحمد الطائي – ولاية العراق

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.