Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-08

 

جريدة الراية: من العولمة إلى الحمائية

رحلة الاقتصاد العالمي نحو المجهول

 

 

على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، ترسخت قناعة بأن العولمة تمثل المرحلة النهائية لتطور الاقتصاد العالمي، وأن تحرير التجارة وفتح الحدود أمام حركة رؤوس الأموال والسلع والتكنولوجيا سيقود العالم إلى حقبة من الازدهار المستدام والتكامل الاقتصادي غير المسبوق. وقد تحولت الشركات إلى كيانات عابرة للقارات، وأصبحت سلاسل الإنتاج تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وأمريكا، فيما بدت الدولة القومية أقل تأثيراً أمام قوة الأسواق العالمية.

 

لكن الأحداث التي شهدها العالم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مروراً بجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الأمريكية الصينية، والقلاقل التي تدور في الشرق الأوسط، وحرب أمريكا على إيران، وصولاً إلى تصاعد النزعات القومية الاقتصادية، كشفت عن تصدعات عميقة داخل النظام الاقتصادي العالمي. فالعولمة التي وعدت بالاستقرار والرخاء أصبحت، في نظر كثير من الدول، مصدراً للمخاطرة والتبعية والضعف الاستراتيجي.

 

واليوم يبدو أن العالم يتحرك تدريجياً من عصر العولمة المفتوح إلى عصر الحمائية الاقتصادية، حيث تعود الحدود التجارية والرسوم الجمركية العالية، وتعاد صياغة سلاسل التوريد وفق اعتبارات الأمن القومي وليس الكفاية الاقتصادية. غير أن هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير في السياسات التجارية، بل قد يكون بداية لمرحلة انتقالية غامضة تحمل في طياتها احتمال اضطرابات اقتصادية عميقة جداً، وقد تعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله.

 

فهل يقف الاقتصاد العالمي على أعتاب الانهيار؟ وما الأسباب الحقيقية التي قد تقود إليه؟ وما طبيعة المجهول الذي ينتظر العالم؟

 

أولاً: لماذا تتراجع العولمة؟

 

1- صدمة الأزمة المالية العالمية 2008: كشفت الأزمة المالية أن الترابط العالمي لا ينقل النمو فقط، بل ينقل الأزمات أيضاً. وقد انتشرت العدوى المالية من الولايات المتحدة إلى معظم اقتصادات العالم، ما أثار الشكوك حول مزايا الاعتماد المتبادل المفرط. والحال اليوم أكثر انتشاراً واستخداماً للتكنولوجيا، وما إن تحدث أزمة مالية في السوق الأمريكية، وخاصة التغير في قيمة الدولار تجاه العملات الأخرى، حتى ينتقل أثر هذه الأزمة إلى أسواق العالم خلال فترة أيام قليلة وربما ساعات.

 

2- جائحة كورونا وانهيار سلاسل الإمداد: عندما توقفت المصانع الصينية وأغلقت الموانئ العالمية نسبياً، اكتشفت الدول الصناعية أن اعتمادها على إنتاج خارجي يمثل نقطة ضعف استراتيجية. ولهذا بدأت أمريكا وغيرها في إعادة جزء من صناعاتها الحيوية إلى الداخل، فيما يعرف بسياسة إعادة توطين الصناعة.

 

3- الصراع الأمريكي الصيني: أصبحت المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم صراعاً على التكنولوجيا وأشباه الموصلات والطاقة وسلاسل التوريد، ما دفع الطرفين إلى فرض قيود تجارية واستثمارية متبادلة، وقد تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك، وكل هذا يسهم في هدم العولمة.

 

4- الحرب الروسية الأوكرانية: أظهرت الحرب أن الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى سلاح سياسي، خاصة في مجالات الطاقة والغذاء والمعادن الاستراتيجية.

 

5- حرب إيران والشرق الأوسط: قد تكون هذه الحرب هي المحطة التاريخية التي تُسرّع الانتقال إلى مرحلة جديدة؛ إذ عندما ترتفع الكلفة تفقد العولمة إحدى أهم مزاياها، وهي الإنتاج منخفض الكلفة. ومع ارتفاع مخاطر النقل والطاقة، فإن العولمة تصبح مهددة بالانهيار.

 

ثانياً: الأسباب الحقيقية للانهيار الاقتصادي العالمي القادم

 

1- انفجار الديون العالمية: حيث وصلت الديون العالمية إلى مستويات قياسية تجاوزت 300 تريليون دولار، وتكمن الخطورة في أن ارتفاع أسعار الربا يجعل خدمة هذه الديون أكثر كلفة، ما يهدد الحكومات والشركات بالإفلاس أو التعثر المالي.

 

2- تفكك سلاسل التوريد: حيث إن العولمة تقوم على خفض التكاليف عبر توزيع الإنتاج عالمياً، أما الحمائية فتدفع إلى نقل الإنتاج إلى الداخل رغم ارتفاع كلفته، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض كفاية الاقتصاد العالمي.

 

3- أزمة الطاقة: رغم التحول نحو الطاقة المتجددة، لا يزال الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، وأي اضطراب جيوسياسي واسع يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج والنقل بصورة حادة، وهذا ما يعجل بالأزمات الاقتصادية للنظام المالي العالمي.

 

وهناك أسباب كثيرة لسنا في مجال استعراضها هنا.

 

ثالثاً: ما هو المجهول الذي ينتظر الاقتصاد العالمي؟

 

قد ينقسم العالم إلى تكتلات اقتصادية متنافسة (كتلة أمريكية، وكتلة صينية، وكتلة أوروبية، وكتلة آسيوية، وتكتلات إقليمية أخرى)، ويصبح الإنتاج أقل كفاية وأكثر كلفة نتيجة تقليص التجارة الحرة، فيقع العالم في مرحلة طويلة من الركود والتضخم، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والمواد الخام وغيرها، وتصبح أدوات الصراع عقوبات اقتصادية وحصاراً تجارياً وسيطرة تكنولوجية.

 

وقد لا يكون الانهيار القادم انهياراً مفاجئاً يشبه الكوارث المالية التقليدية، بل تفككاً تدريجياً للنظام الاقتصادي القائم الذي حكم العالم لعقود من الجشع والنفعية والاحتكار، وأصله قائم على الربا... إلخ.

 

وقد يكون ولادة جديدة لنظام أكثر انقساماً وأقل كفاية وأكثر عرضة للصراعات. إنه انتقال من عالم يعتمد على ارتباط اقتصادي محكم لصالح فئة قليلة إلى عالم تحكمه المنافسة على الموارد والتكنولوجيا والنفوذ. وهي مرحلة قصيرة وما زالت غامضة، ولكنها سوف تهيئ الأرضية الخصبة لظهور نظام عالمي جديد يزيح النظام الرأسمالي القائم بكل أدواته، ويفرض نفسه على الساحة الدولية، ليس بالقوة، وإنما من صفاء بياضه وشفافيته المتقنة في رفع الظلم وحل المشكلات البشرية بلا عودة، ألا وهو النظام الرباني الإسلامي، المبدأ الوحيد القادر على فرض شروطه ونظامه لما فيه خير البشرية.

 

فإن النظام الاقتصادي الإسلامي أصلاً قائم على عدم وجود المشكلات ابتداءً، وإن وجدت فحلها موجود بلا عودة، حيث إنه يقوم على ثلاث ركائز هي: الملكية، والتصرف في الملكية، وتوزيع الثروات، منطلقاً من قاعدة أن المالك الحقيقي للمال هو الله عز وجل، قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

 

ولكن حتى نطبق النظام الاقتصادي الإسلامي في ربوع المعمورة، يجب أن نطبق المبدأ الإسلامي أولاً؛ لأنهما جزءان لا ينفصلان. ولتطبيق المبدأ الإسلامي يجب غذ السير مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية وتحقيق بشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»

 

وإن ما يجري اليوم من أحداث ليس إلا مخاضاً عسيراً سنخوضه، وسنعمل على إيقاظ مارد الإسلام الذي يسعى العالم أجمع إلى أن يبقيه في سباته، ولكنهم تلمسوا بداية صحوته، لذلك قاموا بهدم أدواته التي قد يلجأ للاستناد إليها، وهدموا البنى التحتية للبلاد الإسلامية قدر المستطاع، وتقسيمها وتجزيئها.

 

وإن الغرب لا يتعامل معنا على أننا دول منفصلة، كل دولة على حدة، وإنما يكنّ لنا العداء بصفتنا أمة. ومع الأسف نحن نتعامل مع هذا الهجوم الهمجي بمنطق الدول القومية، لا بمفهوم الأمة الواسع والشامل!

 

فأفيقوا أيها المسلمون، وعودوا إلى رشدكم، وتكاتفوا لطرد عدوكم من أحضانكم، ابتداءً من الحكام وانتهاءً بالمبدأ الرأسمالي المتغطرس.

 

قال تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.

 

بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.