Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-04-29

 

جريدة الراية:

خطوط المقايضة

نظام مالي عالمي قيد الإنشاء قد ينهي عصر البترودولار

 

 

نشرت رويترز يوم الثلاثاء 21 نيسان/أبريل خبرا مفاده أن الرئيس الأمريكي ترامب أكد أن الولايات المتحدة تدرس تقديم مساعدة مالية للإمارات، مشيراً إلى أن اتفاق مبادلة عملات بين البلدين قيد النظر.

 

تكمن أهمية هذا الخبر ليس في حاجة الإمارات للمال على وجه السرعة، ولكن فيما يعكسه من تحول استراتيجي في كواليس النظام المالي العالمي، من خلال اتفاقية مبادلة عملات (Swap Currencies) وهو ما يعرف في الأوساط المالية خاصة في أمريكا باسم (Swap Lines). هذا الخبر ليس مجرد إجراء فني عابر، بل هو شرارة تنبئ بولادة نظام مالي جديد قد يعيد صياغة الهيمنة الأمريكية، ليس عبر النفط هذه المرة، بل عبر السيولة المصرفية المباشرة.

منذ عام 1974، استندت قوة الدولار إلى نظام البترودولار، والذي يقضي بأن تبيع دول أوبك، بقيادة السعودية، نفطها حصرياً بالدولار الأمريكي، ما جعل العملة الخضراء مدعومة بالنفط بدلاً من الذهب. هذا النظام سمح للبنك الفيدرالي الأمريكي بإصدار تريليونات الدولارات لتغطية احتياجات تجارة الطاقة العالمية.

 

لكن اليوم، يواجه هذا النظام تحديات وجودية؛ من صعود البترويوان الصيني، وسعي دول بريكس للتجارة بالعملات المحلية، إلى التحول العالمي نحو الطاقة البديلة والمركبات الكهربائية التي تقلل الاعتماد على النفط. هنا تبرز فكرة خطوط المقايضة (Swap Lines) كاستراتيجية جديدة للبنك الفيدرالي للحفاظ على الريادة المالية للدولار الأمريكي.

 

تعرف خطوط المقايضة بأنها اتفاقيات ثنائية بين البنوك المركزية لتبادل العملات، تهدف لتوفير السيولة في الأسواق العالمية خلال الأزمات. من خلال هذه الخطوط، يقوم البنك الفيدرالي بتبادل الدولارات التي يصدرها مقابل العملة المحلية للدولة الأخرى (مثل الدرهم الإماراتي أو الدولار الكندي) والتي تعمل كضمان أو رهن لاسترداد الدولار في الوقت المناسب. وتكمن فوائد هذا النظام لأمريكا في عدة أمور أهمها:

  1. قدرة توليد هائلة: حيث تشير التقديرات إلى أنه إذا توسع الفيدرالي في اتفاقيات المقايضة لتشمل 100 دولة بمعدل 100 مليار دولار لكل منها، فإنه سيتمكن من إضافة 10 تريليونات دولار سنوياً لميزانيته، وهو مبلغ يتجاوز بشكل كبير ما يمكن توليده عبر نظام البترودولار، وقد يصل إلى 2 تريليون سنة 2050.
  2. تجاوز القيود المادية: نظام البترودولار مرتبط بكميات النفط المحدودة وأسعاره المتقلبة والأزمات الدولية كما كان الحال خلال جائحة كورونا وكما هو الآن في ظل حرب أمريكا وكيان يهود على إيران. أما خطوط المقايضة، فهي ترتبط بالنمو المالي والسيولة إضافة إلى حاجة الدول المستمرة للتطوير والبناء والإنفاق على مشاريع مختلفة، ما يمنح الفيدرالي مرونة مطلقة في إصدار العملة.
  3. الهيمنة المباشرة: من خلال هذه الخطوط، يصبح الفيدرالي هو المقرض الرئيسي للبنوك المركزية في العالم، متجاوزاً دور مؤسسات دولية قديمة مثل البنك الدولي، وموفراً سيولة دائمة للدول دون شروط قاسية أو ربا مرتفع، ما يربط مصير هذه الدول المالي بالدولار بشكل أوثق.

منذ صدور قانون إلغاء القيود بين الدولار والناتج القومي في أمريكا عام 1981، حدث ما يشبه الطلاق بين النمو الاقتصادي (إنتاج السلع والخدمات) والنمو المالي (إنتاج الثروة الورقية). لقد مكن هذا الفصل البنك الفيدرالي من ضخ سيولة هائلة حتى في أوقات الركود الاقتصادي، كما حدث في أزمة كورونا حين ضخ أكثر من 12 تريليون دولار رغم تراجع الإنتاج.

 

أما في حال استعمال خطوط التبادل ومقايضة العملات، فإن البنك الفيدرالي يرى أن ما ينتجه من دولارات تصل إلى 10 تريليون دولار سنويا، سيتم توزيعها بشكل فوري على مختلف الدول التي تحتاج هذه الدولارات. فكما أن الدولارات التي ينتجها الفيدرالي مقابل البترول حاليا لا تشكل سببا أو أداة للتضخم حيث إنها تستهلك مباشرة لشراء البترول، فإن ما ينتجه من دولارات مقايضة مع عملات دول أجنبية، يتم استعمالها في أسواق هذه الدول بعيدا عن السوق الأمريكي، ما يحميها من شرور التضخم.

 

أما لماذا تُقْدِم دولة مثل الإمارات أو اليابان أو غيرهما على مبادلة عملتها مع الدولار، فيرى البنك الفيدرالي أن هذه الدول تفعل ذلك لتغطية العجز في ميزانياتها. فبدل أن تقترض 100 مليار من البنك الدولي بعوائد ربوية عالية وشروط قاسية، فإن المركزي يمنح الدولار لهذه الدول لتغطية العجز في الميزانيات ولا يكلف هذه الدول عوائد ربوية وبدون شروط قاسية.

 

فأين فائدة الفيدرالي الأمريكي إذن؟ تكمن الفائدة في أمرين اثنين؛ أولهما تمكين الفيدرالي من إنتاج كميات هائلة من الدولارات لحساب الدول المشتركة في النظام، مقابل رهن عملات هذه الدول. وبعد فك الرهن بسنة أو سنتين تعود الدولارات لخزينة الفيدرالي، بمعنى أن الفيدرالي أنتج دولارات لصالح دول أخرى ولكنها تعود لخزينته في النهاية. ثم إن الفيدرالي عند المقايضة يقوم بعملية شراء عملة الإمارات مثلا (ما تم وصفه في تصريح ترامب بمبادلة العملتين) ويقدر سعر التبادل بسعر العملتين وقت التبادل. حتى إذا استرجعت الإمارات عملتها بعد أن تتخطى الأزمة التي مرت بها، فإنها تعمل على شراء عملتها بما لديها من دولارات. وما جرى حتى الآن من استعمال هذا النظام منذ عام 2005 حين بدأت تجربة النظام، يبين أن البنك الفيدرالي دائما يحصل على عملات الدول المشاركة بسعر أقل من سعر السوق، وحين يردها أو يبيعها لصاحبها الأصلي يبيعها مع هامش ربح معين.

 

أما أين تكمن قنبلة هذا النظام والتي سوف تنفجر في لحظة ما؟ فإن الجواب على ذلك هو عين المشكلة التي أراد الفيدرالي أن يحلها وهي قضية التضخم المالي الذي ينتج عن تكدس الدولارات بشكل كبير دون أن يكون هناك إشغال للدولار سواء في النفقات أو الإنتاج. والفرق هو أن نظام التبادل هذا، سينقل القضية من تضخم محلي في كل دولة على حدة، إلى تضخم مالي عالمي في آن واحد. فإن الفيدرالي حين ينتج 10 تريليون، وحسب تقديراته سيصل إنتاجه إلى 20 تريليون دولار مع حلول عام 2050، فإن قضية التضخم ستصبح قضية عالمية وليست قطرية، بمعنى أن العالم بمجموعه سيعاني من فائض كبير بعملة واحدة هي الدولار، ما يجعل قيمة هذا الدولار تنحدر بشكل كبير، وتعجز عن شراء الحاجات الأساسية وتمويل المشاريع عالميا. ويصيب العالم كساد ضخم، بما كسبت أيدي الطغاة منه.

 

﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً * كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً...

 

بقلم: د. محمد جيلاني

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.