Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-03-25

 

جريدة الراية: قوة عربية مشتركة

درع للأمة أم لخدمة أمريكا؟

 

 

مع تصاعد التوترات العسكرية وتكثف التحركات الدولية لإعادة ترتيب المشهد في المنطقة، دعا النظام المصري إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والسعي لتشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة ما سُمّي "التهديدات".

 

ففي الوقت الذي تشتعل فيه بلاد المسلمين بنيران الحروب التي يذكيها المستعمر، ويستفرد كيان يهود بأهلنا في فلسطين، يخرج علينا وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي ليعزف لحن التضليل القديم المتجدد، منادياً بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتشكيل قوة عربية مشتركة. إن هذه الدعوة، في حقيقتها وتوقيتها، ليست إلا فخاً سياسياً جديداً يُراد به إحكام القبضة الأمنية على الأمة، وتثبيت أركان الأنظمة المهترئة تحت عباءة العمل العربي المشترك.

 

إن اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ إقرارها وهي معطلة عمداً، لأنها لم تُصَغ لتكون أداة بيد الأمة، بل وُضعت في بيئة سياسية تُدار فيها الدول العربية باعتبارها وحدات وظيفية ضمن النظام الدولي. ولذلك لم تتحرك هذه الاتفاقية يوماً لتحرير فلسطين، ولا لوقف العدوان المستمر على بلاد المسلمين، بل بقيت حبيسة الأدراج، لا تُستدعى إلا عندما تقتضي الحاجة ضبط المنطقة وفق رؤية أمريكا.

 

واليوم، يُعاد طرح هذه الاتفاقية في سياق دولي واضح المعالم؛ حيث تسعى أمريكا إلى تقليل انخراطها المباشر في النزاعات. ومن هنا، فإن الحديث عن قوة عربية مشتركة لا يمكن فصله عن هذا التوجه، بل هو جزء من إعادة هندسة المنطقة أمنياً، بحيث تتحول الجيوش العربية إلى أدوات ضمن استراتيجية دولية، لا تعبر عن إرادة الأمة، ولا تحقق مصالحها.

 

إن الخطاب الرسمي الذي يبرر هذه الدعوة، يتحدث عن تهديدات إقليمية، ويشير إلى التوتر مع إيران، أو إلى مخاطر الفوضى وعدم الاستقرار. غير أن هذا الخطاب يتعمد تغييب التهديد الحقيقي والمباشر الذي تعيشه الأمة منذ أكثر من سبعة عقود، والمتمثل في كيان يهود الذي يحتل فلسطين، ويمارس أبشع صور العدوان، بدعم كامل من أمريكا والغرب.

 

فأي تهديد يُراد لهذه القوة أن تواجهه، إن لم يكن هذا الكيان الغاصب؟! وأي أمن يُراد تحقيقه، في ظل بقائه، بل وفي ظل حمايته وتأمين حدوده؟! إن تغييب قضية فلسطين من صلب الحديث عن الأمن والدفاع ليس سهواً، بل هو تعبير عن طبيعة الأنظمة التي لم تعد ترى في هذا الكيان عدواً، بل شريكاً ضمن ترتيبات إقليمية تُدار بإشراف أمريكي مباشر.

 

إن التهديدات التي يقصدها عبد العاطي ويتحرك لمواجهتها هي حماية سايكس بيكو بمنع أي تحرك شعبي مخلص يسعى لكسر الحدود المصطنعة وتوحيد الأمة تحت راية الخلافة. وخنق تطلعات الأمة للتحرر من خلال تشكيل أداة قمعية عسكرية عابرة للحدود، تتدخل لإخماد أي ثورة تقتلع نفوذ المستعمر.

إن النظام المصري لا يتحرك بوصفه دولة ذات سيادة حقيقية، بل كطرف يؤدي دوراً وظيفياً ضمن منظومة إقليمية تقودها أمريكا. فسياساته الخارجية، وتحركاته الدبلوماسية، وحتى أولوياته الأمنية، كلها تنسجم مع متطلبات هذه المنظومة، لا مع مقتضيات العقيدة الإسلامية ولا مع مصالح الأمة.

 

ولا يخفى أن هذا النظام هو ذاته الذي يرتبط باتفاقيات وتفاهمات أمنية مع كيان يهود، ويشارك في ضبط الحدود، ويؤدي دوراً في حصار أهل غزة، ما يجعل الحديث عن "قوة دفاعية" لا تستهدف هذا الكيان، بل تعمل ضمن بيئة تحميه، أمراً بالغ الخطورة.

 

إن النظام المصري خادم مطيع لأمريكا، ومنفذ أمين لمخططاتها. وهذه الدعوة لتشكيل قوة مشتركة لم تأتِ من بنات أفكاره، بل بإيعاز من أمريكا لتخفيف العبء عن كاهل قواتها، وتفويض الأنظمة الوظيفية بمهمة الوكالة العسكرية.

 

إن الطرح القائم على "الأمن القومي العربي" و"القوة المشتركة" ينطلق من مفاهيم قومية وقطرية، تفصل بين المسلمين، وتجعل لكل دولة حساباتها ومصالحها الخاصة، بينما الإسلام ينظر إلى الأمة باعتبارها وحدة واحدة، لا تتجزأ، ويجعل من حماية ديار المسلمين ونصرة المظلومين واجباً شرعياً لا يخضع لموازنات سياسية ضيقة. فالقوة في الإسلام ليست مجرد أداة عسكرية، بل هي تعبير عن إرادة سياسية منبثقة عن عقيدة، تُحدد العدو والصديق، وتوجه السلاح نحو من يستحق المواجهة، لا نحو من يراد إرضاؤه أو استرضاؤه. ومن هنا، فإن أي قوة لا تنطلق من هذه العقيدة، ولا تُبنى على هذا الأساس، ستظل قوة مشلولة، تستخدم حيث يراد لها، وتعطّل حيث يجب أن تتحرك.

 

إن السير في هذا الطريق لن يؤدي إلى تحقيق الأمن، بل إلى مزيد من التبعية، وإلى تحويل جيوش الأمة إلى أدوات في صراعات لا تخدم الأمة، بل قد تستخدم لضربها، أو لاحتواء حركاتها، أو لحماية أنظمة فقدت شرعيتها. كما أن هذا المسار يُبقي على حالة التمزق، ويمنع قيام كيان سياسي جامع يوحد الأمة، ويعيد لها مكانتها، ويحرر قرارها، ويجعل من قوتها قوة حقيقية، لا قوة شكلية.

 

يا أهل الكنانة: إنكم تعيشون في قلب أمة عظيمة، تحمل رسالة خالدة، ولا يليق بكم أن تكونوا جزءاً من مشاريع تُدار من خارج إرادتكم، أو أن يُستخدم أبناؤكم في تنفيذ سياسات لا تعبر عن عقيدتكم. إن الواجب عليكم أن تدركوا حقيقة ما يُراد ببلادكم، وأن تعملوا على استعادة دورها الطبيعي، كقلب للأمة، لا كأداة في يد غيرها.

 

يا أجناد الكنانة: إن القوة التي يطلبها الوزير ونظامه هي قوة يُراد بها تحويلكم إلى مرتزقة لحماية المصالح الأمريكية تحت مسميات الأمن الإقليمي. وإن رتبكم العسكرية لا تُشرفكم إذا كانت في خدمة كامب ديفيد، وإن سلاحكم لا يكون شريفاً إلا إذا وجه إلى صدور أعداء الله الذين يحتلون مسرى نبيكم. إن دوركم هو الانحياز لأمتكم، وإعطاء النصرة للعاملين لإقامة الخلافة، لتكونوا بحق خير أجناد الأرض المحررين لبيت المقدس، لا الحارسين لحدود الغاصبين.

 

إن الأمة الإسلامية اليوم تقف على أعتاب مرحلة تاريخية، ولن تنقذها أنظمة العمالة بمبادراتها المسمومة. إن الخلاص هو في دولة الخلافة على منهاج النبوة، التي توحد الجيوش، وتكسر الحدود، وتطهر البلاد من رجس الاستعمار وذيوله.

 

 

بقلم: الأستاذ سعد سمير

 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.