Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-02-18

 

جريدة الراية: الديمقراطية بين الوهم والحقيقة

 

 

في خضمّ الخطاب السياسي العالمي، تُقدَّم الديمقراطية بوصفها ذروة ما وصل إليه العقل الإنساني في تنظيم الحكم، وتُسوَّق على أنها الضامن الوحيد للحرية والعدالة وحقوق الإنسان. غير أن التمحيص الجاد يكشف أن هذه الصورة ليست سوى غلاف دعائي يخفي حقيقة مغايرة: فالديمقراطية ليست حقيقة مطبَّقة، ولا نظاماً قابلاً للتحقق كما يُروَّج، بل هي فكرة متناقضة في جوهرها، مستحيلة التحقيق عملياً، وتقوم على خداع الناس باسم "حكم الشعب" بينما الواقع يشهد بحكم رأس المال والنخب المتحكمة.

 

حقيقة الديمقراطية فكرة بلا واقع:

 

الديمقراطية في تعريفها الشائع تعني "حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب". غير أن هذا التعريف نفسه ينهار عند أول اختبار عملي. فالشعب بمجموعه لا يَحكم، ولا يُشرّع، ولا يُدير شؤون الدولة، بل الذي يحكم فعلياً هو نخبة معينة، تتداول السلطة فيما بينها عبر آليات انتخابية مضبوطة سلفاً بالقوانين والتمويل والتأثير الإعلامي. أمّا "إرادة الشعب" فتبقى شعاراً يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند التعارض مع مصالح الأقوياء.

 

البرلمانات التي يُفترض أنها تمثل الناس، لا تملك في الواقع استقلالاً حقيقياً عن جماعات الضغط، والشركات العابرة للقارات، ومراكز النفوذ المالي. والتشريعات التي تُسنّ باسم الأغلبية كثيراً ما تأتي مناقضة لمصالحها المباشرة، وهو ما يفسّر اتساع الفجوة بين الحكّام والمحكومين في الدول التي تُوصَف بأنها ديمقراطية عريقة.

 

زيف الادعاء بالحرية والعدالة:

 

تزعم الديمقراطية أنها تكفل الحريات، لكن الواقع يُظهر أن هذه الحريات انتقائية، تُمنَح حين لا تمسّ مصالح النخبة الرأسمالية، وتُصادَر فور تهديدها.

 

أما العدالة، فإنها تُختزل في مساواة شكلية أمام القانون، بينما تُترك الفوارق الطبقية تتوحّش بلا رادع. فالديمقراطية لم تمنع تكدّس الثروة في أيدي قلّة، ولم تحُل دون إفقار الملايين، ولم توقف الحروب الاستعمارية التي تُشنّ باسم نشر الديمقراطية نفسها.

 

استحالة الديمقراطية من حيث المبدأ:

 

الديمقراطية مستحيلة التحقيق لأنها تقوم على تناقض بنيوي: فهي تزعم أن السيادة للشعب، لكنها في الوقت ذاته تُخضع هذا الشعب لدستور وقوانين فوق إرادته، وتقيّد اختياراته بسقف لا يجوز تجاوزه. كما أنها تفترض وعياً سياسياً متكافئاً لدى الجميع، بينما الواقع يشهد بتفاوت هائل في المعرفة والتأثير، ما يجعل القرار النهائي بيد من يملك المال والإعلام.

 

ثم إن جعل التشريع بيد البشر أغلبية كانت أو أقلية يفتح الباب للتقلّب والاضطراب؛ فما كان حقاً بالأمس يصبح جريمة اليوم، والعكس صحيح، وفق المصالح والظروف. وهذا ما يجعل القيم نفسها نسبية، بلا مرجعية ثابتة، وبلا معيار عدل مطلق.

 

الغرب نفسه يبحث عن البديل:

 

لم يعد نقد الديمقراطية حكراً على خصوم الغرب، بل أصبح جزءاً من النقاش الداخلي في مراكزه الفكرية. تتزايد الكتابات التي تتحدث عن أزمة الديمقراطية، وما بعد الديمقراطية، وتآكل الثقة بالمؤسسات. وتُطرح بدائل جزئية مثل حكم الخبراء، أو النماذج التكنوقراطية، أو تعزيز دور الشركات في الإدارة، وكلها اعتراف ضمني بفشل الفكرة الأصلية.

 

غير أن هذه البدائل لا تعالج جوهر المشكلة، لأنها تظل حبيسة الإطار الرأسمالي نفسه، وتبقي السيادة لغير الخالق، وتجعل الإنسان مشرّعاً من دون الله، فتنتقل الأزمة من شكل إلى آخر دون حل جذري.

 

البديل الحقيقي للرأسمالية:

 

على النقيض من ذلك، يقدّم الإسلام نظام حكم متكاملاً يقوم على مبدأ واضح: السيادة للشرع، والسلطان للأمة. فالتشريع ليس للبشر، بل لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. وبهذا تُحسم مسألة المرجعية، ويُغلق باب العبث بالقيم والأحكام.

 

أما الأمة، فلها حق اختيار من يتولى تنفيذ هذا الشرع ورعاية شؤونها، ومحاسبته وعزله إذا خالف. وهذا يحقق مشاركة سياسية حقيقية، وليست شكلية، ضمن إطار ثابت من الأحكام العادلة.

 

دولة الخلافة الراشدة، نموذج عملي لا خيالي:

 

الخلافة ليست فكرة مستحيلة ولا حلما خياليا بعيد المنال، بل نظام حكم طُبِّق فعلياً، وشهد له التاريخ بالعدل والرعاية. ففيه كان الحاكم خادماً للأمة نائبا عنها في تطبيق الإسلام، خاضعاً للقضاء، يُحاسَب علناً، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له: "أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم". وفي هذا النظام، تُحفظ الحقوق ليس لأنها "مِنَح" من الدولة، بل لأنها أحكام شرعية واجبة النفاذ. ويُصان الإنسان لكونه مخلوقاً مكرّماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

 

الفرق الجوهري بين البديلين:

 

الفرق بين الديمقراطية والإسلام ليس في الآليات فقط، بل في الفلسفة والأساس. فالديمقراطية تجعل الإنسان مشرّعاً، والإسلام يجعله عبداً لله مستخلفاً في الأرض. الديمقراطية تربط الحكم بالمصلحة المتغيرة، والإسلام يربطه بالحق الثابت. الديمقراطية تُنتج صراعاً دائماً على السلطة، والإسلام يضبط السلطة بأحكام ومسؤوليات تمنع الاستبداد والانفلات معاً.

 

إن الديمقراطية، بعد قرون من التجربة، أثبتت أنها وهمٌ لم يتحقق، وشعار يخفي واقعاً من الظلم والتناقض. والغرب نفسه بات يدرك مأزقها، لكنه يعجز عن الخروج من أزمته لأنه يرفض المرجعية الربانية. أما الإسلام، فإنه يقدّم البديل الحقيقي، ليس كنظرية مجردة، بل نظاماً متكاملاً للحكم، ويظل صالحاً لكل زمان ومكان. وفي العودة إليه خلاص البشرية من التيه، وتحقيق العدل الذي عجزت عنه أنظمة البشر.

 

يا أمة الإسلام من مشرقها إلى مغربها: لقد آن الأوان أن تُدركوا أن ما فُرض عليكم من أنظمة الحكم ليس إلا قيوداً كبلت طاقاتكم، ومزّقت وحدتكم، وجعلت ثرواتكم نهباً للأعداء. إن الديمقراطية التي قُدِّمت لكم كطريق للخلاص لم تكن إلا أداة لإدامة التبعية، وإبعادكم عن مشروعكم الحضاري الحقيقي. إن وحدتكم لا تكون إلا تحت راية واحدة، وقيادتكم لا تكون إلا بشرع واحد، ودولتكم التي تستعيد مكانتكم بين الأمم هي دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحّد ولا تفرّق، وتعدل ولا تظلم، وتقود ولا تُقاد.

 

يا أجناد الكنانة: يا من في أيديكم القوة والمنعة، يا من كنتم عبر التاريخ سياج الأمة وسيفها، إن مسؤوليتكم عظيمة، وأمانتكم جسيمة. أنتم من صلب هذه الأمة، وما يُراد بكم اليوم هو أن تكونوا درعاً لأنظمة فاشلة، وحارساً لمصالح لا تمتّ للإسلام ولا لمصر بصلة. إن نصرتكم الحقيقية ليست في حماية نظام أو دستور وضعي، بل في الانحياز لأمتكم، وتمكينها من استعادة سلطانها وقرارها، وإقامة حكم الإسلام الذي يرفع الظلم، ويحرر البلاد، ويجمع الأمة على الحق،

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

بقلم: الأستاذ محمود الليثي

 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.